مزرعة الحيوان: كيف تفسد الثورة عندما تتحول إلى سلطة؟

memoa

Well-known member
قد تبدو "مزرعة الحيوان" للوهلة الأولى حكاية للأطفال عن حيوانات تتكلم وتتمرد على صاحب المزرعة، لكن من يقرأها بعناية يكتشف أنها من أكثر النصوص السياسية قسوة وذكاء في القرن العشرين. فقد كتبها جورج أورويل خلال الحرب العالمية الثانية، ونشرها عام 1945 بعد أن رفضتها دور نشر عديدة، لأنها كانت تنتقد الاتحاد السوفييتي في وقت كان فيه حليفًا لبريطانيا في الحرب. ووصفها أورويل نفسه بأنها حكاية خرافية، لكنها حكاية تحمل رسالة واضحة: إن الثورات التي تقوم باسم الحرية والمساواة يمكن أن تتحول إلى أنظمة قمعية أسوأ مما ثارت عليه، حين تتركز السلطة في أيدي قلة لا تخضع للمحاسبة.

خنزير صغير أبيض يمضغ القش في مزرعة يستحضر شخصيات الخنازير في رواية مزرعة الحيوان


الحلم: ثورة الحيوانات​


تبدأ الحكاية في مزرعة مانور التي يملكها السيد جونز، المزارع السكير الذي يهمل حيواناته ويستغلها. وذات ليلة، يجمع الخنزير العجوز ميجر الحيوانات، ويحكي لها حلمًا رآه عن عالم بلا بشر، تعيش فيه الحيوانات حرة متساوية، تأكل من ثمار عملها دون أن يسرقها أحد. ويعلمها أغنية ثورية تبشر بهذا المستقبل، ثم يموت بعد أيام قليلة.

وبعد موته، تنفجر الثورة فجأة حين ينسى جونز إطعام الحيوانات، فتهاجمه وتطرده من المزرعة. وتعيش الحيوانات أيام فرح غامر، فتغير اسم المزرعة إلى مزرعة الحيوان، وتكتب على الجدار الوصايا السبع للمبادئ الجديدة، ومنها أن كل الحيوانات متساوية، وأن لا حيوان يقتل حيوانًا آخر، وأن لا حيوان ينام في سرير أو يشرب الخمر. ويبدو أن الحلم قد تحقق، وأن عصرًا جديدًا من العدالة قد بدأ.

ويرى معظم النقاد أن هذه البداية تشير بوضوح إلى الثورة الروسية عام 1917، فميجر يرمز إلى ماركس ولينين وأفكارهما الثورية، وجونز يرمز إلى القيصر، والوصايا السبع ترمز إلى المبادئ الاشتراكية الأولى التي بشرت بالمساواة والعدالة.

الخنازير: النخبة التي تتعلم الحكم​


منذ البداية، تتولى الخنازير قيادة المزرعة بحجة أنها الأذكى والأقدر على التنظيم. ويبرز من بينها خنزيران: سنوبول، المتحمس صاحب الأفكار والمشاريع، الذي يخطط لبناء طاحونة هوائية تخفف العمل عن الحيوانات، ونابليون، الصامت الماكر الذي يربي سرًا مجموعة من الكلاب الشرسة. ويتصاعد الصراع بينهما، حتى ينتهي بأن يطلق نابليون كلابه على سنوبول ويطرده من المزرعة، ثم يعلن نفسه قائدًا وحيدًا.

ويرمز سنوبول إلى تروتسكي، الذي نُفي بعد صراعه مع ستالين، بينما يرمز نابليون إلى ستالين نفسه. وتتحول الكلاب إلى الشرطة السرية التي تفرض الخوف. ومن اللافت أن نابليون، بعد أن طرد سنوبول متهمًا إياه بمعارضة الطاحونة، يتبنى المشروع نفسه وينسبه إلى نفسه، ثم يجعل سنوبول الغائب مسؤولًا عن كل كارثة تحدث في المزرعة، فيصبح العدو الأبدي الذي تبرر به السلطة كل فشلها. ويصل الأمر إلى محاكمات علنية تعترف فيها حيوانات بجرائم لم ترتكبها، ثم تذبحها الكلاب أمام الجميع، في إشارة واضحة إلى محاكمات التطهير الشهيرة في عهد ستالين.

سكويلر: آلة الدعاية​


لا يحكم نابليون بالقوة وحدها، بل يحتاج إلى من يقنع الحيوانات بأن كل ما يحدث صحيح وضروري. وهنا يأتي دور سكويلر، الخنزير الفصيح الذي يجيد الكلام والإقناع، حتى قيل عنه إنه يستطيع أن يحول الأسود إلى أبيض. فكلما اتخذ نابليون قرارًا يخالف مبادئ الثورة، جاء سكويلر ليبرره بالأرقام والحجج والتخويف من عودة جونز.

وحين تحتفظ الخنازير بالحليب والتفاح لنفسها، يشرح سكويلر أن ذلك ضروري لصحة العقول المفكرة التي تخدم الجميع. وحين تنتقل الخنازير للنوم في سرير جونز، تتغير الوصية المكتوبة على الجدار بإضافة عبارة صغيرة تسمح بالنوم في الأسرة بشرط عدم استخدام الملاءات. وهكذا تتعدل الوصايا واحدة بعد الأخرى، بإضافة كلمات بسيطة تفرغها من معناها، والحيوانات التي لا تجيد القراءة جيدًا تظن أنها تخطئ في تذكرها.

بوكسر: مأساة المخلص الساذج​


من أكثر شخصيات الرواية إيلامًا الحصان بوكسر، الحيوان القوي المخلص الذي يعمل أكثر من الجميع، ويؤمن بالثورة إيمانًا مطلقًا. وشعاره الدائم أنه سيعمل بجد أكبر، وأن نابليون دائمًا على حق. فهو لا يسأل ولا يشك، بل يكرس قوته كلها لبناء الطاحونة وخدمة المزرعة. لكن حين يمرض بوكسر ويعجز عن العمل، يبيعه نابليون لتاجر يذبح الخيول، مقابل مال يشتري به الخمر للخنازير، بينما يخبر سكويلر الحيوانات أنه مات في المستشفى وهو يمدح القائد.

ويمثل بوكسر الطبقة العاملة التي قامت الثورة باسمها، والتي ضحت بكل شيء من أجلها، ثم كانت أول من دفع الثمن. ومأساته تكشف أن الإخلاص الأعمى دون وعي نقدي يجعل الإنسان أداة سهلة في يد السلطة، مهما كانت نواياه نبيلة.

حيوانات أخرى ودلالاتها​


لا تقتصر رمزية الرواية على الخنازير وبوكسر، بل تمتد إلى حيوانات أخرى تمثل فئات مختلفة من المجتمع. فهناك الفرس مولي، المدللة المهتمة بالأشرطة الملونة والسكر، التي تهرب من المزرعة لتعيش في خدمة البشر، وترمز إلى الطبقات التي لم تتخل عن امتيازاتها القديمة. وهناك الغراب موزيس، الذي يحكي للحيوانات عن جبل الحلوى السكرية حيث تذهب بعد الموت، ويرمز إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه الخطاب الديني حين يُستخدم لتخدير الناس، فتطرده الخنازير أولًا ثم تعيده لاحقًا حين تجد فيه فائدة. وهناك الخراف التي تردد الشعارات دون فهم، فتقاطع أي نقاش بهتافها المكرر أن أربع أرجل جيد ورجلان سيئ، ثم تغير الهتاف حين تأمرها الخنازير، وترمز إلى الجماهير المبرمجة التي تستخدمها السلطة لإسكات الأصوات المعارضة.

أما المزارعان المجاوران، بيلكنغتون وفريدريك، فيرمزان إلى القوى الغربية وألمانيا النازية، اللتين تعامل معهما ستالين بالتحالف تارة والعداء تارة أخرى، وكانت معركة الطاحونة التي دمرها فريدريك إشارة إلى الغزو الألماني للاتحاد السوفييتي. وتكشف هذه التفاصيل الدقة التي بنى بها أورويل حكايته، بحيث تتطابق مع التاريخ الحقيقي دون أن تفقد بساطتها وجاذبيتها.

كل الحيوانات متساوية لكن بعضها أكثر مساواة​


تصل الرواية إلى ذروتها حين تختفي الوصايا السبع كلها، ولا يبقى على الجدار إلا وصية واحدة جديدة تقول إن كل الحيوانات متساوية، لكن بعض الحيوانات أكثر مساواة من غيرها. وهذه العبارة صارت من أشهر العبارات في الأدب السياسي، لأنها تلخص ببراعة كيف تتحول المبادئ الثورية إلى غطاء لامتيازات نخبة جديدة.

وفي المشهد الأخير، تنظر الحيوانات من النافذة إلى الخنازير وهي تجلس مع المزارعين البشر حول الطاولة، تشرب وتلعب الورق، فتنظر من الخنزير إلى الإنسان ومن الإنسان إلى الخنزير، ولا تستطيع أن تميز بينهما. لقد اكتملت الدائرة، وصارت الثورة نسخة من الطغيان الذي ثارت عليه.

دروس تتجاوز روسيا​


رغم أن الرواية تستهدف بوضوح التجربة السوفييتية، فإن دروسها تتجاوزها إلى كل ثورة وكل سلطة. فهي تحذر من تركيز السلطة دون رقابة، ومن تقديس القادة، ومن الدعاية التي تعيد كتابة الحقائق، ومن صمت الذين يعرفون الحقيقة ولا يتكلمون، كالحمار بنيامين الذي يرى كل شيء ويفهمه لكنه يرفض أن يتدخل. وفي عالمنا العربي، حيث عاشت شعوب كثيرة تجارب ثورات تحولت إلى أنظمة استبدادية، تبدو هذه الرواية مرآة مؤلمة تستحق التأمل. ولعل أهم ما تذكرنا به أن حماية الثورات لا تكون بتقديس قادتها، بل بالمؤسسات التي تحاسبهم، والوعي الذي يقرأ ويسأل، والذاكرة التي لا تسمح بإعادة كتابة المبادئ على الجدران كلما شاءت السلطة.

لماذا برأيك تتحول بعض الثورات إلى أنظمة قمعية؟ وأي شخصية في مزرعة الحيوان تراها الأكثر تعبيرًا عن واقعنا؟ شاركنا رأيك.
 
عودة
أعلى