الرواية متعددة الأصوات عند ميخائيل باختين: كيف تتصارع الأفكار داخل العمل الروائي؟

memoa

Well-known member
حين نقرأ رواية عظيمة، نشعر أحيانًا بأن الشخصيات تتكلم بأصواتها الخاصة، وتحمل أفكارًا مستقلة، وتتصارع فيما بينها دون أن يفرض الكاتب عليها رأيه النهائي. وكأن الرواية ساحة حوار مفتوح، لا خطبة يلقيها المؤلف على القارئ. هذا الإحساس هو ما حاول المفكر والناقد الروسي ميخائيل باختين أن يصفه ويحلله في نظريته الشهيرة عن الرواية متعددة الأصوات، أو البوليفونية، التي صارت من أهم النظريات في دراسة الرواية في القرن العشرين. فقد رأى باختين أن بعض الروائيين، وفي مقدمتهم دوستويفسكي، ابتكروا شكلًا جديدًا من الرواية، تتعايش فيه أصوات وأفكار متعددة متكافئة، لا يخضع أي منها لصوت المؤلف المسيطر. فما هي هذه النظرية؟ وكيف غيرت فهمنا لطبيعة الرواية؟

حشد من الناس يسيرون في شارع مزدحم يرمز إلى تعدد الأصوات والشخصيات في نظرية باختين عن الرواية


باختين: المفكر الذي عاش في الظل​


وُلد ميخائيل باختين عام 1895 في روسيا، وعاش حياة صعبة في ظل النظام السوفييتي. فقد اعتُقل عام 1929 بسبب نشاطه في حلقات فكرية ودينية، ونُفي إلى كازاخستان، وعانى من مرض في العظام أدى إلى بتر ساقه. وظل سنوات طويلة يعمل مدرسًا في مدن صغيرة بعيدًا عن الأضواء، ولم يُعرف فكره على نطاق واسع إلا في الستينيات، حين أعاد اكتشافه جيل من الباحثين الشباب، ثم انتقل إلى الغرب في السبعينيات، فصار من أكثر المفكرين تأثيرًا في النقد الأدبي والعلوم الإنسانية.

وقد نشر باختين كتابه الأول عن دوستويفسكي عام 1929، بعنوان "مشكلات إبداع دوستويفسكي"، ثم أعاد نشره موسعًا عام 1963 بعنوان "مشكلات شعرية دوستويفسكي". وفي هذا الكتاب طرح مفهوم الرواية متعددة الأصوات، الذي صار حجر الأساس في نظريته عن الرواية. كما كتب دراسات مهمة أخرى عن رابليه والثقافة الشعبية والكرنفال، وعن الكلمة في الرواية، وعن الزمكان في الأدب.

الرواية المونولوجية والرواية البوليفونية​


يميز باختين بين نوعين من الرواية: الرواية المونولوجية، أي أحادية الصوت، والرواية البوليفونية، أي متعددة الأصوات. ففي الرواية المونولوجية، التي يرى أنها سائدة في معظم الأدب الأوروبي قبل دوستويفسكي، يسيطر صوت المؤلف على العمل كله، وتكون الشخصيات مجرد أدوات للتعبير عن رؤيته. فالمؤلف يعرف كل شيء عن شخصياته، ويحكم عليها، ويوجهها نحو المعنى الذي يريده، والقارئ في النهاية يتلقى رسالة واحدة واضحة.

أما في الرواية البوليفونية، فإن الشخصيات تتمتع باستقلال حقيقي، فهي ليست مجرد أشياء يصفها المؤلف من الخارج، بل ذوات واعية تتحدث بأصواتها الخاصة، وتملك رؤيتها للعالم، وتحاور المؤلف نفسه على قدم المساواة. ويقول باختين إن تعدد الأصوات والوعي المستقلة غير الممتزجة، والتعدد الحقيقي للأصوات الكاملة القيمة، هو السمة الأساسية لروايات دوستويفسكي. فالمؤلف لا يلغي حضوره، لكنه يتخلى عن سلطته المطلقة، ويسمح لشخصياته بأن تقول ما تريد، حتى لو خالفته.

يرى باختين أن دوستويفسكي هو مبتكر الرواية متعددة الأصوات، وأن رواياته تمثل ثورة في تاريخ الشكل الروائي. ففي "الإخوة كارامازوف" مثلًا، يمنح دوستويفسكي إيفان الملحد المتمرد أقوى الحجج ضد الإيمان، رغم أنه هو نفسه مؤمن. ولا يسخر من إيفان أو يسطح أفكاره، بل يتركه يتكلم بكل قوته وصدقه، في مواجهة صوت أليوشا والشيخ زوسيما. والنتيجة أن الرواية لا تحسم الصراع بين الإيمان والشك، بل تتركه مفتوحًا، ويخرج القارئ منها وهو يحمل الأسئلة لا الأجوبة.

وكذلك في "الجريمة والعقاب"، يتحاور راسكولنيكوف مع سونيا وبورفيري وسفيدريغايلوف، وكل منهم يمثل رؤية مختلفة للعالم والأخلاق. ولا يقدم دوستويفسكي هذه الحوارات بوصفها تمهيدًا لانتصار رأي واحد، بل بوصفها صراعًا حقيقيًا بين أفكار حية. ويرى باختين أن أبطال دوستويفسكي هم قبل كل شيء أصحاب أفكار، أي أنهم يعيشون أفكارهم ويحملونها إلى أقصى حدودها، ولذلك تتحول رواياته إلى ساحات صراع فكري وفلسفي.

الحوارية: الكلمة التي تنتظر الرد​


يرتبط مفهوم تعدد الأصوات بمفهوم أوسع عند باختين هو الحوارية. فهو يرى أن كل كلمة نقولها ليست ملكنا وحدنا، بل هي دائمًا جزء من حوار مع كلمات أخرى سابقة ولاحقة. فحين نتكلم، نرد على كلام سابق، ونتوقع ردًا لاحقًا، ونستخدم كلمات استخدمها غيرنا قبلنا وحملوها معاني وظلالًا. ولهذا يقول إن الكلمة في اللغة نصفها لغيرنا.

ومن هذا المنظور، تصبح الرواية أكثر الأجناس الأدبية قدرة على تمثيل هذه الحوارية، لأنها تجمع أصواتًا ولغات وأساليب متعددة، من لغة الشارع إلى لغة الفلسفة، ومن لهجة الفلاح إلى لغة المثقف. ويسمي باختين هذا التنوع باسم التعدد اللغوي، ويرى أنه جوهر الرواية بوصفها جنسًا أدبيًا. فالرواية ليست مجرد حكاية، بل هي فضاء تتصارع فيه رؤى العالم المختلفة، وتتحاور عبر لغاتها المتعددة.

الكرنفال: قلب المراتب​


من المفاهيم المهمة الأخرى عند باختين مفهوم الكرنفالية، الذي طوره في دراسته عن رابليه والثقافة الشعبية في العصور الوسطى. فالكرنفال في رأيه احتفال شعبي تنقلب فيه المراتب الاجتماعية مؤقتًا، فيصبح الملك مهرجًا، والمهرج ملكًا، ويسخر الناس من السلطة والمقدسات، ويحتفون بالجسد والضحك والحرية. ويرى باختين أن روح الكرنفال انتقلت إلى الأدب، وخاصة إلى الرواية، التي تحمل في داخلها هذه القدرة على قلب المراتب، والسخرية من الحقائق الرسمية، والاحتفاء بتعدد الأصوات.

وترتبط الكرنفالية بالبوليفونية ارتباطًا وثيقًا، فكلاهما يرفض الصوت الواحد المسيطر، ويحتفي بالتعدد والحرية والحوار. وفي سياق المجتمع السوفييتي الذي عاش فيه باختين، حيث كان الصوت الرسمي الواحد يفرض نفسه على كل شيء، يمكن قراءة هذه الأفكار بوصفها مقاومة فكرية خفية للاستبداد، ودفاعًا عن حق الإنسان في الاختلاف.

تعدد الأصوات في الرواية العربية​


انتقلت أفكار باختين إلى النقد العربي منذ الثمانينيات، وصار مفهوم تعدد الأصوات أداة أساسية في قراءة الرواية العربية الحديثة. وقد رأى النقاد تجليات هذا المفهوم في روايات عربية كثيرة، مثل "ميرامار" لنجيب محفوظ، التي يروي أحداثها أربعة رواة مختلفين، يقدم كل منهم رؤيته الخاصة للأحداث والشخصيات، فيتشكل المعنى من تقاطع هذه الأصوات لا من صوت واحد. كما رأوا تجلياته في روايات جبرا إبراهيم جبرا، كرواية "البحث عن وليد مسعود"، التي تتعدد فيها الشهادات حول شخصية غائبة، وفي أعمال روائيين معاصرين كثيرين.

ومع ذلك، ينبه بعض النقاد إلى ضرورة الحذر في تطبيق مفهوم باختين، فليست كل رواية تتعدد فيها الشخصيات أو الرواة رواية بوليفونية بالضرورة. فقد يتعدد الرواة شكليًا، بينما يبقى صوت المؤلف هو المسيطر في العمق، يوجه الأحداث ويحكم على الشخصيات ويقود القارئ نحو معنى واحد. فالبوليفونية الحقيقية لا تعني كثرة الأصوات، بل تعني تكافؤها واستقلالها، وقدرة كل صوت على أن يقدم رؤية متماسكة للعالم، لا تُختزل في رؤية المؤلف ولا تُسخر لخدمتها. ولهذا تبقى الرواية متعددة الأصوات بمعناها الدقيق إنجازًا نادرًا وصعبًا، يحتاج إلى روائي يملك الشجاعة ليمنح خصومه الفكريين حق الكلام الكامل داخل عمله.

خاتمة: الرواية بوصفها ديمقراطية للأصوات​


تكشف نظرية باختين أن الرواية ليست مجرد فن للحكي، بل هي أيضًا شكل من أشكال التفكير في العالم، وطريقة لتمثيل التعدد والاختلاف الإنساني. فالرواية العظيمة لا تفرض علينا رأيًا واحدًا، بل تضعنا أمام أصوات متعددة، وتدعونا إلى الحوار معها، وتعلمنا أن الحقيقة ليست ملكًا لصوت واحد. ولعل هذا ما يجعل نظرية باختين راهنة دائمًا، في عالم يحتاج إلى الحوار والإصغاء للآخر أكثر من أي وقت مضى.

هل قرأت رواية شعرت فيها بتعدد الأصوات وتكافئها؟ وأي الروايات العربية تراها أقرب إلى مفهوم البوليفونية؟ شاركنا رأيك.
 
عودة
أعلى