في عام 1995، أصدر محمود درويش ديوانًا يختلف عن كل ما سبقه، حمل عنوانًا على هيئة سؤال طفولي بريء ومؤلم: "لماذا تركت الحصان وحيدًا؟". وفي هذا الديوان عاد الشاعر الخمسيني إلى طفولته في قرية البروة في الجليل، وإلى لحظة اقتلاعه منها عام 1948 وهو في السادسة من عمره، ليكتب ما يشبه السيرة الذاتية الشعرية. وقد رأى كثير من النقاد أن هذا الديوان يمثل منعطفًا مهمًا في تجربة درويش، إذ انتقل فيه من الحديث عن فلسطين بوصفها قضية وطنية عامة، إلى استعادتها بوصفها مكانًا حميمًا شخصيًا، مليئًا بالروائح والأصوات والوجوه والتفاصيل الصغيرة. وبهذا صار الديوان رحلة في الذاكرة، يحاول فيها الشاعر أن يبني بالكلمات ما هدمته الجرافات، وأن يعيد إلى الوجود قرية محيت من الخرائط.
يأتي عنوان الديوان من حوار مؤثر بين طفل وأبيه في لحظة التهجير. فحين يغادر الأب البيت مع عائلته هاربين من الحرب، يترك الحصان في البيت، فيسأله الطفل عن السبب. ويجيبه الأب بأنه تركه لكي يؤنس البيت، لأن البيوت تموت إذا غاب سكانها. وفي هذا الجواب البسيط تكمن مأساة كاملة: فالأب يظن أن الغياب مؤقت، وأنهم سيعودون قريبًا، وأن الحصان سيحفظ البيت حيًا حتى عودتهم. لكن العودة لم تحدث، والبيت مات، والقرية هُدمت، والحصان بقي وحيدًا إلى الأبد.
ويحمل السؤال نفسه أكثر من مستوى للدلالة. فهو سؤال الطفل البريء الذي لا يفهم ما يحدث، وهو أيضًا سؤال الشاعر الكبير الذي ما زال يبحث عن جواب بعد عقود، وسؤال شعب كامل يتساءل كيف ترك أرضه وبيوته، وهل كان يمكن أن يحدث شيء آخر. والحصان المتروك يصبح رمزًا لكل ما تُرك خلف اللاجئين: البيوت والأرض والذكريات والحياة التي كانت ممكنة ولم تكن.
يرسم درويش في الديوان صورة حميمة لقريته البروة كما يتذكرها بعيني طفل. فنرى البيت والدار والبئر وشجرة التوت، ونسمع صوت الجد والأم، ونشم رائحة الخبز والقهوة والأرض بعد المطر. وهذه التفاصيل الحسية الدقيقة تمنح القرية حياة جديدة على الورق، وتجعل القارئ يشعر بأنه يتجول في أزقتها. لكن هذه الصورة الجميلة محاطة دائمًا بظل الفقد، فالشاعر يعرف أن كل ما يصفه لم يعد موجودًا، وأن القرية صارت مجرد ذكرى في عقول من عاشوا فيها.
ويحضر الجد بشكل خاص في الديوان، بوصفه رمزًا للجذور والارتباط بالأرض. فالجد الذي عاش عمره في القرية، يحمل في ذاكرته تاريخها وأسماء حقولها وأشجارها، ويمثل الاستمرارية التي قطعها التهجير. وحين يموت الجد في المنفى، يموت معه جزء من الذاكرة الحية، ويبقى على الحفيد أن يحمل هذه الذاكرة ويحفظها بالكتابة.
يروي الديوان مراحل الطفولة المضطربة للشاعر: الهروب إلى لبنان مع العائلة، والعيش لاجئين فيه لفترة، ثم العودة سرًا عبر الحدود إلى الجليل. لكن هذه العودة لم تكن إلى البروة، فالقرية كانت قد هُدمت، فعاشت العائلة في قرية أخرى قريبة، ووجد الطفل نفسه في وضع غريب: فهو داخل وطنه، لكنه يُعامل كمتسلل غريب لا يملك أوراقًا رسمية. وقد عُرف هذا الوضع بحالة "الحاضر الغائب"، أي الفلسطيني الموجود جسديًا في أرضه لكنه غائب قانونيًا، محروم من بيته وأرضه.
وتكشف هذه التجربة عمق المفارقة التي عاشها درويش وجيله من فلسطينيي الداخل. فالمنفى لم يكن فقط خارج الوطن، بل كان داخله أيضًا، والغربة لم تكن فقط في البلاد البعيدة، بل في القرى المجاورة التي صارت تحمل أسماء جديدة. ومن هنا جاءت فكرة المنفى في شعر درويش بوصفها حالة وجودية شاملة، لا مجرد انتقال جغرافي.
ويحضر في الديوان أيضًا وجه الأم، التي يكتب عنها درويش بحنان خاص، فهي التي حملت العائلة في رحلة اللجوء، وهي التي حفظت الطقوس والعادات في المنفى، وهي الرابط الحي بين الطفل والمكان الأول. وقد كتب درويش عن أمه قصائد كثيرة في مراحل مختلفة من حياته، لكنها في هذا الديوان تظهر بوصفها جزءًا من نسيج الذاكرة الكاملة، إلى جانب البيت والأرض والجد والحصان، وكأن الوطن عنده ليس فكرة مجردة، بل شبكة من الوجوه والعلاقات الحميمة.
ومن اللافت أن الشاعر لا يقدم الطفولة بوصفها جنة كاملة خالية من الألم، بل يرى فيها أيضًا لحظات الخوف والارتباك وعدم الفهم. فالطفل الذي يرى الكبار يهربون، ويسمع أصوات الرصاص، ويُحمل في الليل عبر الجبال، يعيش تجربة صادمة لا يملك لغة لوصفها. والشاعر الكبير يعود إليه بعد عقود ليمنحه هذه اللغة، وليقول ما عجز الطفل عن قوله، في نوع من المصالحة بين الإنسان وماضيه الجريح.
كما يكشف الديوان عن وعي الشاعر بالزمن، فهو يكتب من مسافة خمسين عامًا تقريبًا عن طفولته، ويدرك أن الذاكرة نفسها تتغير وتنتقي وتعيد التشكيل. ولذلك لا يدعي أنه ينقل الماضي كما كان بالضبط، بل كما يتذكره ويحلم به، وهذا الصدق في الاعتراف بحدود الذاكرة يمنح القصائد عمقًا إنسانيًا خاصًا.
يستحضر درويش في الديوان قصصًا من الكتب المقدسة والأساطير القديمة، وأبرزها قصة هابيل وقابيل، أول جريمة في تاريخ البشرية، حين قتل الأخ أخاه. ويربط الشاعر بين هذه القصة والمأساة الفلسطينية، وكأن ما حدث على أرض فلسطين هو تكرار لتلك الجريمة الأولى، صراع بين أبناء الأرض الواحدة. ويتماهى الشاعر مع هابيل الضحية، لكنه لا يحول القصيدة إلى خطاب كراهية، بل إلى تأمل حزين في العنف الإنساني وفي سؤال المسؤولية.
كما يستحضر درويش التاريخ الكنعاني والإرث الحضاري المتعدد لفلسطين، فيقدم الأرض بوصفها مكانًا تعاقبت عليه الحضارات والشعوب، ويؤكد أن الفلسطيني وريث هذا التاريخ الطويل كله. وبهذا يرد على الرواية التي تحاول اختزال فلسطين في تاريخ واحد وشعب واحد، ويقدم رؤية أوسع وأكثر إنسانية للمكان.
من السمات الفنية اللافتة في هذا الديوان تعدد الأصوات. فلا يتحدث الشاعر وحده، بل نسمع صوت الأب والأم والجد، وصوت الطفل الذي كانه، وصوت الشاعر الكبير الذي صاره، بل نسمع أحيانًا صوت الآخر. وهذا التعدد يمنح الديوان طابعًا دراميًا، ويجعله أقرب إلى مسرحية شعرية أو رواية بالشعر، تتقاطع فيها الحكايات والأزمنة. كما يعكس إدراك الشاعر بأن الحكاية الفلسطينية لا يمكن أن تُروى بصوت واحد، بل تحتاج إلى أصوات كثيرة تتحاور وتتكامل.
إن أهم ما يحققه هذا الديوان أنه يستعيد المكان المفقود بالكلمات. فإذا كانت الجرافات قد محت البروة من الأرض، فإن القصيدة أعادت بناءها في الذاكرة الجماعية، وجعلتها حاضرة في وجدان كل من يقرأ. وهذا ما يجعل الشعر عند درويش فعل مقاومة حقيقيًا، لا بالشعارات والخطب، بل بالحفاظ على التفاصيل والأسماء والروائح التي يحاول الاحتلال محوها. وقد صار هذا الديوان مرجعًا لكل من يكتب عن الذاكرة الفلسطينية، ونموذجًا لكيفية تحويل التجربة الشخصية الموجعة إلى شعر إنساني عام، يقرؤه القارئ في أي مكان فيتذكر بيته الأول وطفولته وما فقده في رحلة العمر. فما دامت القصيدة حية، فإن القرية تبقى حية، والحصان لا يبقى وحيدًا تمامًا.
هل يحمل أهلك ذكريات عن قرية أو مدينة اضطروا إلى مغادرتها؟ وما الذي يعنيه لك سؤال الحصان المتروك؟ شاركنا في الردود.
السؤال الذي يحمله العنوان
يأتي عنوان الديوان من حوار مؤثر بين طفل وأبيه في لحظة التهجير. فحين يغادر الأب البيت مع عائلته هاربين من الحرب، يترك الحصان في البيت، فيسأله الطفل عن السبب. ويجيبه الأب بأنه تركه لكي يؤنس البيت، لأن البيوت تموت إذا غاب سكانها. وفي هذا الجواب البسيط تكمن مأساة كاملة: فالأب يظن أن الغياب مؤقت، وأنهم سيعودون قريبًا، وأن الحصان سيحفظ البيت حيًا حتى عودتهم. لكن العودة لم تحدث، والبيت مات، والقرية هُدمت، والحصان بقي وحيدًا إلى الأبد.
ويحمل السؤال نفسه أكثر من مستوى للدلالة. فهو سؤال الطفل البريء الذي لا يفهم ما يحدث، وهو أيضًا سؤال الشاعر الكبير الذي ما زال يبحث عن جواب بعد عقود، وسؤال شعب كامل يتساءل كيف ترك أرضه وبيوته، وهل كان يمكن أن يحدث شيء آخر. والحصان المتروك يصبح رمزًا لكل ما تُرك خلف اللاجئين: البيوت والأرض والذكريات والحياة التي كانت ممكنة ولم تكن.
البروة: الجنة المفقودة
يرسم درويش في الديوان صورة حميمة لقريته البروة كما يتذكرها بعيني طفل. فنرى البيت والدار والبئر وشجرة التوت، ونسمع صوت الجد والأم، ونشم رائحة الخبز والقهوة والأرض بعد المطر. وهذه التفاصيل الحسية الدقيقة تمنح القرية حياة جديدة على الورق، وتجعل القارئ يشعر بأنه يتجول في أزقتها. لكن هذه الصورة الجميلة محاطة دائمًا بظل الفقد، فالشاعر يعرف أن كل ما يصفه لم يعد موجودًا، وأن القرية صارت مجرد ذكرى في عقول من عاشوا فيها.
ويحضر الجد بشكل خاص في الديوان، بوصفه رمزًا للجذور والارتباط بالأرض. فالجد الذي عاش عمره في القرية، يحمل في ذاكرته تاريخها وأسماء حقولها وأشجارها، ويمثل الاستمرارية التي قطعها التهجير. وحين يموت الجد في المنفى، يموت معه جزء من الذاكرة الحية، ويبقى على الحفيد أن يحمل هذه الذاكرة ويحفظها بالكتابة.
رحلة اللجوء والعودة المتسللة
يروي الديوان مراحل الطفولة المضطربة للشاعر: الهروب إلى لبنان مع العائلة، والعيش لاجئين فيه لفترة، ثم العودة سرًا عبر الحدود إلى الجليل. لكن هذه العودة لم تكن إلى البروة، فالقرية كانت قد هُدمت، فعاشت العائلة في قرية أخرى قريبة، ووجد الطفل نفسه في وضع غريب: فهو داخل وطنه، لكنه يُعامل كمتسلل غريب لا يملك أوراقًا رسمية. وقد عُرف هذا الوضع بحالة "الحاضر الغائب"، أي الفلسطيني الموجود جسديًا في أرضه لكنه غائب قانونيًا، محروم من بيته وأرضه.
وتكشف هذه التجربة عمق المفارقة التي عاشها درويش وجيله من فلسطينيي الداخل. فالمنفى لم يكن فقط خارج الوطن، بل كان داخله أيضًا، والغربة لم تكن فقط في البلاد البعيدة، بل في القرى المجاورة التي صارت تحمل أسماء جديدة. ومن هنا جاءت فكرة المنفى في شعر درويش بوصفها حالة وجودية شاملة، لا مجرد انتقال جغرافي.
ويحضر في الديوان أيضًا وجه الأم، التي يكتب عنها درويش بحنان خاص، فهي التي حملت العائلة في رحلة اللجوء، وهي التي حفظت الطقوس والعادات في المنفى، وهي الرابط الحي بين الطفل والمكان الأول. وقد كتب درويش عن أمه قصائد كثيرة في مراحل مختلفة من حياته، لكنها في هذا الديوان تظهر بوصفها جزءًا من نسيج الذاكرة الكاملة، إلى جانب البيت والأرض والجد والحصان، وكأن الوطن عنده ليس فكرة مجردة، بل شبكة من الوجوه والعلاقات الحميمة.
ومن اللافت أن الشاعر لا يقدم الطفولة بوصفها جنة كاملة خالية من الألم، بل يرى فيها أيضًا لحظات الخوف والارتباك وعدم الفهم. فالطفل الذي يرى الكبار يهربون، ويسمع أصوات الرصاص، ويُحمل في الليل عبر الجبال، يعيش تجربة صادمة لا يملك لغة لوصفها. والشاعر الكبير يعود إليه بعد عقود ليمنحه هذه اللغة، وليقول ما عجز الطفل عن قوله، في نوع من المصالحة بين الإنسان وماضيه الجريح.
كما يكشف الديوان عن وعي الشاعر بالزمن، فهو يكتب من مسافة خمسين عامًا تقريبًا عن طفولته، ويدرك أن الذاكرة نفسها تتغير وتنتقي وتعيد التشكيل. ولذلك لا يدعي أنه ينقل الماضي كما كان بالضبط، بل كما يتذكره ويحلم به، وهذا الصدق في الاعتراف بحدود الذاكرة يمنح القصائد عمقًا إنسانيًا خاصًا.
هابيل وقابيل: الأسطورة والتاريخ
يستحضر درويش في الديوان قصصًا من الكتب المقدسة والأساطير القديمة، وأبرزها قصة هابيل وقابيل، أول جريمة في تاريخ البشرية، حين قتل الأخ أخاه. ويربط الشاعر بين هذه القصة والمأساة الفلسطينية، وكأن ما حدث على أرض فلسطين هو تكرار لتلك الجريمة الأولى، صراع بين أبناء الأرض الواحدة. ويتماهى الشاعر مع هابيل الضحية، لكنه لا يحول القصيدة إلى خطاب كراهية، بل إلى تأمل حزين في العنف الإنساني وفي سؤال المسؤولية.
كما يستحضر درويش التاريخ الكنعاني والإرث الحضاري المتعدد لفلسطين، فيقدم الأرض بوصفها مكانًا تعاقبت عليه الحضارات والشعوب، ويؤكد أن الفلسطيني وريث هذا التاريخ الطويل كله. وبهذا يرد على الرواية التي تحاول اختزال فلسطين في تاريخ واحد وشعب واحد، ويقدم رؤية أوسع وأكثر إنسانية للمكان.
تعدد الأصوات في القصيدة
من السمات الفنية اللافتة في هذا الديوان تعدد الأصوات. فلا يتحدث الشاعر وحده، بل نسمع صوت الأب والأم والجد، وصوت الطفل الذي كانه، وصوت الشاعر الكبير الذي صاره، بل نسمع أحيانًا صوت الآخر. وهذا التعدد يمنح الديوان طابعًا دراميًا، ويجعله أقرب إلى مسرحية شعرية أو رواية بالشعر، تتقاطع فيها الحكايات والأزمنة. كما يعكس إدراك الشاعر بأن الحكاية الفلسطينية لا يمكن أن تُروى بصوت واحد، بل تحتاج إلى أصوات كثيرة تتحاور وتتكامل.
المكان المستعاد بالكلمات
إن أهم ما يحققه هذا الديوان أنه يستعيد المكان المفقود بالكلمات. فإذا كانت الجرافات قد محت البروة من الأرض، فإن القصيدة أعادت بناءها في الذاكرة الجماعية، وجعلتها حاضرة في وجدان كل من يقرأ. وهذا ما يجعل الشعر عند درويش فعل مقاومة حقيقيًا، لا بالشعارات والخطب، بل بالحفاظ على التفاصيل والأسماء والروائح التي يحاول الاحتلال محوها. وقد صار هذا الديوان مرجعًا لكل من يكتب عن الذاكرة الفلسطينية، ونموذجًا لكيفية تحويل التجربة الشخصية الموجعة إلى شعر إنساني عام، يقرؤه القارئ في أي مكان فيتذكر بيته الأول وطفولته وما فقده في رحلة العمر. فما دامت القصيدة حية، فإن القرية تبقى حية، والحصان لا يبقى وحيدًا تمامًا.
هل يحمل أهلك ذكريات عن قرية أو مدينة اضطروا إلى مغادرتها؟ وما الذي يعنيه لك سؤال الحصان المتروك؟ شاركنا في الردود.