لم تكن النكبة الفلسطينية عام 1948 مجرد حدث سياسي أو عسكري، بل كانت جرحًا عميقًا في الذاكرة الجماعية، غيّر حياة مئات الآلاف من البشر الذين اقتُلعوا من بيوتهم وقراهم ومدنهم، وصاروا لاجئين في المخيمات والمنافي. ومنذ ذلك الحين، صارت الرواية الفلسطينية والعربية واحدة من أهم الأدوات التي حاولت أن تحفظ هذه الذاكرة، وأن تحكي ما لم يحكه التاريخ الرسمي، وأن تمنح الضحايا صوتًا في مواجهة المحو والنسيان. ومن بين الروايات الكثيرة التي تناولت النكبة، تبرز روايتان بشكل خاص: "عائد إلى حيفا" لغسان كنفاني الصادرة عام 1969، و"باب الشمس" للروائي اللبناني إلياس خوري الصادرة عام 1998. وتقدم الروايتان رؤيتين مختلفتين للذاكرة والنكبة والعودة، تعكسان اختلاف زمن الكتابة، واختلاف الأسئلة التي كانت تشغل كل جيل.
تحكي رواية كنفاني القصيرة قصة سعيد س. وزوجته صفية، اللذين هُجّرا من حيفا عام 1948 في لحظة فوضى ورعب، وتركا خلفهما في البيت ابنهما الرضيع خلدون، بعد أن عجزت الأم عن الوصول إليه وسط القصف وهروب الناس نحو الميناء. وبعد نكسة 1967 وفتح الحدود بين الضفة الغربية والأراضي المحتلة عام 1948، يقرر الزوجان العودة إلى حيفا لزيارة بيتهما القديم والبحث عن ابنهما. وحين يصلان، يجدان البيت قد سكنته عائلة يهودية مهاجرة من بولندا، هي ميريام، الناجية من المحرقة، التي تبنت الطفل وربته باسم دوف، حتى صار شابًا يخدم في جيش الاحتلال.
وتصل الرواية إلى ذروتها في المواجهة بين الوالدين الحقيقيين ودوف، الذي يرفضهما ويعلن انتماءه إلى العائلة التي ربته، ويلومهما على أنهما تركاه ولم يعودا من أجله طوال عشرين عامًا. وهنا يطرح كنفاني سؤالًا صادمًا عن معنى الهوية والأبوة والوطن: هل الإنسان ابن من ولده، أم ابن من رباه؟ وهل الوطن هو الماضي الذي نحن إليه، أم المستقبل الذي نصنعه؟
ويخلص سعيد في النهاية إلى أن الوطن هو ألا يحدث ذلك كله، وأن الإنسان في النهاية قضية. ويقرر أن ابنه الآخر خالد، الذي يريد الانضمام إلى الفدائيين، هو الذي يمثل المستقبل، وأن استعادة فلسطين لا تتم بالحنين والزيارات، بل بالفعل والمقاومة. وهكذا تتحول الذاكرة في رواية كنفاني من حنين سلبي إلى وعي نقدي، يرفض البكاء على الأطلال، ويدعو إلى الفعل.
أما رواية إلياس خوري، فهي ملحمة سردية ضخمة تتجاوز خمسمئة صفحة، تحكي تاريخ الفلسطينيين منذ النكبة حتى التسعينيات، من خلال حكايات متشابكة لا تنتهي. وتدور الرواية في مستشفى بائس في مخيم شاتيلا في بيروت، حيث يرقد يونس الأسدي، المناضل الفلسطيني العجوز، في غيبوبة طويلة، ويجلس إلى جانبه خليل، الطبيب الذي يحكي له الحكايات ليبقيه حيًا، أو ليبقي نفسه حيًا. وكأن الرواية كلها شهرزاد معكوسة، فالراوي لا يحكي لينجو من الموت، بل ليؤجل موت الآخر، ويحفظ ذاكرته.
ومن خلال هذه الحكايات، تتكشف قصة يونس الذي كان يتسلل من لبنان إلى الجليل سنوات طويلة، ليلتقي زوجته نهيلة التي بقيت في القرية، في كهف سماه باب الشمس، حيث أنجبا أطفالهما. كما تتكشف حكايات عشرات الشخصيات الأخرى، من الجدات اللواتي يحفظن القرى المدمرة، إلى المقاتلين والضحايا والناجين من المجازر، ومنها مجزرة صبرا وشاتيلا. وقد اعتمد خوري في كتابة الرواية على شهادات حقيقية جمعها من لاجئين فلسطينيين في المخيمات، فجاءت الرواية أرشيفًا حيًا للذاكرة الشفوية الفلسطينية.
يختلف شكل الروايتين اختلافًا كبيرًا يعكس اختلاف الرؤية. فرواية كنفاني قصيرة مكثفة، تدور أحداثها في يوم واحد تقريبًا، وتعتمد على مواجهة درامية حادة، وتسير نحو خلاصة فكرية واضحة. وهذا الشكل يناسب زمن كتابتها، فقد كتبها كنفاني بعد النكسة، في مرحلة صعود العمل الفدائي، حين كان السؤال الملح هو كيف نتجاوز الهزيمة ونبدأ المقاومة.
أما رواية خوري فتعتمد على السرد المتشظي المتشعب، فالحكايات تتداخل وتتكرر وتتناقض، والزمن يقفز بين الماضي والحاضر، والرواة يختلفون في روايتهم للأحداث نفسها. ولا تقدم الرواية خلاصة واحدة، بل تترك القارئ أمام شبكة معقدة من الحكايات. وهذا الشكل يناسب أيضًا زمن كتابتها، فقد كتبها خوري في التسعينيات، بعد الحروب والمجازر واتفاقيات أوسلو، حين صار السؤال الملح هو كيف نحفظ الذاكرة من النسيان، وكيف نحكي الحكاية بكل تعقيدها وتناقضاتها.
يحتل المكان موقعًا مركزيًا في الروايتين، لكنه يحمل دلالات مختلفة في كل منهما. ففي "عائد إلى حيفا"، البيت هو محور الحكاية كلها، بتفاصيله الصغيرة التي يتذكرها الزوجان: ريشات الطاووس الخمس في المزهرية الخشبية التي تركاها خلفهما، والصورة المعلقة على الجدار، والدرج الذي صعدته صفية آلاف المرات. لكن هذه التفاصيل التي بقيت في مكانها تكشف المفارقة القاسية، فالأشياء لم تتغير، بينما تغير كل شيء آخر. والبيت الذي كان رمزًا للانتماء صار شاهدًا على الفقد، ومكانًا يقيم فيه آخرون حياتهم. وهكذا يكتشف سعيد أن العودة إلى المكان لا تعني العودة إلى الزمن، وأن الماضي لا يُستعاد بفتح باب قديم، مهما كان الشوق إليه كبيرًا وصادقًا.
أما في "باب الشمس"، فالمكان الأهم هو الكهف الذي يلتقي فيه يونس ونهيلة سرًا، في قلب الأرض المحتلة. وهذا الكهف يتحول إلى وطن صغير بديل، يصنعه الحب والإصرار رغم الحدود والجنود. فإذا كان البيت عند كنفاني مكانًا مفقودًا، فإن الكهف عند خوري مكان مستعاد بالحيلة والمخاطرة، يؤكد أن الفلسطيني لم يغادر أرضه تمامًا، وأنه ما زال يعود إليها بطرق لا تعرفها الخرائط. وقد صار اسم باب الشمس لاحقًا رمزًا في الواقع نفسه، حين أطلقه ناشطون فلسطينيون على قرية خيام أقاموها احتجاجًا على الاستيطان، في شهادة على قدرة الأدب على العودة إلى الحياة.
تتعامل الروايتان مع الذاكرة تعاملًا مختلفًا. فكنفاني ينتقد الحنين السلبي إلى الماضي، ويرى أن التعلق بالذكريات قد يتحول إلى عائق أمام الفعل، كما يظهر في شخصية سعيد الذي يكتشف أن البيت لم يعد بيته، وأن الابن لم يعد ابنه. أما خوري فيرى أن الذاكرة نفسها فعل مقاومة، وأن الحكي هو الطريقة الوحيدة لمواجهة المحو. لكنه في الوقت نفسه لا يقدس الذاكرة، بل يكشف هشاشتها وتناقضاتها، فالحكايات تتغير مع كل رواية، والحقيقة تتعدد بتعدد الرواة.
وتشترك الروايتان في رفض الصورة البطولية المبسطة للفلسطيني، فكنفاني يحمّل الفلسطينيين جزءًا من المسؤولية عن ضياع الوطن، وخوري يقدم شخصيات معقدة تخطئ وتضعف وتخون أحيانًا. كما تشتركان في الاعتراف بإنسانية الآخر، فكنفاني يقدم ميريام شخصية إنسانية عانت هي الأخرى من المحرقة، وخوري يضع الحكايات الفلسطينية في سياق إنساني أوسع، دون أن يتخلى عن الحق الفلسطيني.
تكشف المقارنة بين الروايتين أن الذاكرة الفلسطينية ليست ثابتة، بل تتطور مع الزمن وتتغير أسئلتها. فمن سؤال كنفاني عن الفعل والمقاومة، إلى سؤال خوري عن الحكي والذاكرة، تستمر الرواية في محاولتها لفهم النكبة واستيعابها. وفي الحالتين، يبقى الأدب حارسًا للذاكرة، يرفض النسيان، ويؤكد أن الحكاية التي تُروى لا تموت، وأن الشعب الذي يحكي حكايته لا يمكن محوه.
أي الروايتين أثرت فيك أكثر؟ وكيف ترى دور الرواية في حفظ الذاكرة الجماعية؟ شاركنا رأيك في الردود.
عائد إلى حيفا: العودة التي تكشف الحقيقة
تحكي رواية كنفاني القصيرة قصة سعيد س. وزوجته صفية، اللذين هُجّرا من حيفا عام 1948 في لحظة فوضى ورعب، وتركا خلفهما في البيت ابنهما الرضيع خلدون، بعد أن عجزت الأم عن الوصول إليه وسط القصف وهروب الناس نحو الميناء. وبعد نكسة 1967 وفتح الحدود بين الضفة الغربية والأراضي المحتلة عام 1948، يقرر الزوجان العودة إلى حيفا لزيارة بيتهما القديم والبحث عن ابنهما. وحين يصلان، يجدان البيت قد سكنته عائلة يهودية مهاجرة من بولندا، هي ميريام، الناجية من المحرقة، التي تبنت الطفل وربته باسم دوف، حتى صار شابًا يخدم في جيش الاحتلال.
وتصل الرواية إلى ذروتها في المواجهة بين الوالدين الحقيقيين ودوف، الذي يرفضهما ويعلن انتماءه إلى العائلة التي ربته، ويلومهما على أنهما تركاه ولم يعودا من أجله طوال عشرين عامًا. وهنا يطرح كنفاني سؤالًا صادمًا عن معنى الهوية والأبوة والوطن: هل الإنسان ابن من ولده، أم ابن من رباه؟ وهل الوطن هو الماضي الذي نحن إليه، أم المستقبل الذي نصنعه؟
ويخلص سعيد في النهاية إلى أن الوطن هو ألا يحدث ذلك كله، وأن الإنسان في النهاية قضية. ويقرر أن ابنه الآخر خالد، الذي يريد الانضمام إلى الفدائيين، هو الذي يمثل المستقبل، وأن استعادة فلسطين لا تتم بالحنين والزيارات، بل بالفعل والمقاومة. وهكذا تتحول الذاكرة في رواية كنفاني من حنين سلبي إلى وعي نقدي، يرفض البكاء على الأطلال، ويدعو إلى الفعل.
باب الشمس: الذاكرة بوصفها حكايات لا تنتهي
أما رواية إلياس خوري، فهي ملحمة سردية ضخمة تتجاوز خمسمئة صفحة، تحكي تاريخ الفلسطينيين منذ النكبة حتى التسعينيات، من خلال حكايات متشابكة لا تنتهي. وتدور الرواية في مستشفى بائس في مخيم شاتيلا في بيروت، حيث يرقد يونس الأسدي، المناضل الفلسطيني العجوز، في غيبوبة طويلة، ويجلس إلى جانبه خليل، الطبيب الذي يحكي له الحكايات ليبقيه حيًا، أو ليبقي نفسه حيًا. وكأن الرواية كلها شهرزاد معكوسة، فالراوي لا يحكي لينجو من الموت، بل ليؤجل موت الآخر، ويحفظ ذاكرته.
ومن خلال هذه الحكايات، تتكشف قصة يونس الذي كان يتسلل من لبنان إلى الجليل سنوات طويلة، ليلتقي زوجته نهيلة التي بقيت في القرية، في كهف سماه باب الشمس، حيث أنجبا أطفالهما. كما تتكشف حكايات عشرات الشخصيات الأخرى، من الجدات اللواتي يحفظن القرى المدمرة، إلى المقاتلين والضحايا والناجين من المجازر، ومنها مجزرة صبرا وشاتيلا. وقد اعتمد خوري في كتابة الرواية على شهادات حقيقية جمعها من لاجئين فلسطينيين في المخيمات، فجاءت الرواية أرشيفًا حيًا للذاكرة الشفوية الفلسطينية.
الفرق في الشكل: الرواية القصيرة والملحمة
يختلف شكل الروايتين اختلافًا كبيرًا يعكس اختلاف الرؤية. فرواية كنفاني قصيرة مكثفة، تدور أحداثها في يوم واحد تقريبًا، وتعتمد على مواجهة درامية حادة، وتسير نحو خلاصة فكرية واضحة. وهذا الشكل يناسب زمن كتابتها، فقد كتبها كنفاني بعد النكسة، في مرحلة صعود العمل الفدائي، حين كان السؤال الملح هو كيف نتجاوز الهزيمة ونبدأ المقاومة.
أما رواية خوري فتعتمد على السرد المتشظي المتشعب، فالحكايات تتداخل وتتكرر وتتناقض، والزمن يقفز بين الماضي والحاضر، والرواة يختلفون في روايتهم للأحداث نفسها. ولا تقدم الرواية خلاصة واحدة، بل تترك القارئ أمام شبكة معقدة من الحكايات. وهذا الشكل يناسب أيضًا زمن كتابتها، فقد كتبها خوري في التسعينيات، بعد الحروب والمجازر واتفاقيات أوسلو، حين صار السؤال الملح هو كيف نحفظ الذاكرة من النسيان، وكيف نحكي الحكاية بكل تعقيدها وتناقضاتها.
المكان: البيت في حيفا والكهف في الجليل
يحتل المكان موقعًا مركزيًا في الروايتين، لكنه يحمل دلالات مختلفة في كل منهما. ففي "عائد إلى حيفا"، البيت هو محور الحكاية كلها، بتفاصيله الصغيرة التي يتذكرها الزوجان: ريشات الطاووس الخمس في المزهرية الخشبية التي تركاها خلفهما، والصورة المعلقة على الجدار، والدرج الذي صعدته صفية آلاف المرات. لكن هذه التفاصيل التي بقيت في مكانها تكشف المفارقة القاسية، فالأشياء لم تتغير، بينما تغير كل شيء آخر. والبيت الذي كان رمزًا للانتماء صار شاهدًا على الفقد، ومكانًا يقيم فيه آخرون حياتهم. وهكذا يكتشف سعيد أن العودة إلى المكان لا تعني العودة إلى الزمن، وأن الماضي لا يُستعاد بفتح باب قديم، مهما كان الشوق إليه كبيرًا وصادقًا.
أما في "باب الشمس"، فالمكان الأهم هو الكهف الذي يلتقي فيه يونس ونهيلة سرًا، في قلب الأرض المحتلة. وهذا الكهف يتحول إلى وطن صغير بديل، يصنعه الحب والإصرار رغم الحدود والجنود. فإذا كان البيت عند كنفاني مكانًا مفقودًا، فإن الكهف عند خوري مكان مستعاد بالحيلة والمخاطرة، يؤكد أن الفلسطيني لم يغادر أرضه تمامًا، وأنه ما زال يعود إليها بطرق لا تعرفها الخرائط. وقد صار اسم باب الشمس لاحقًا رمزًا في الواقع نفسه، حين أطلقه ناشطون فلسطينيون على قرية خيام أقاموها احتجاجًا على الاستيطان، في شهادة على قدرة الأدب على العودة إلى الحياة.
الذاكرة: بين الحنين والنقد
تتعامل الروايتان مع الذاكرة تعاملًا مختلفًا. فكنفاني ينتقد الحنين السلبي إلى الماضي، ويرى أن التعلق بالذكريات قد يتحول إلى عائق أمام الفعل، كما يظهر في شخصية سعيد الذي يكتشف أن البيت لم يعد بيته، وأن الابن لم يعد ابنه. أما خوري فيرى أن الذاكرة نفسها فعل مقاومة، وأن الحكي هو الطريقة الوحيدة لمواجهة المحو. لكنه في الوقت نفسه لا يقدس الذاكرة، بل يكشف هشاشتها وتناقضاتها، فالحكايات تتغير مع كل رواية، والحقيقة تتعدد بتعدد الرواة.
وتشترك الروايتان في رفض الصورة البطولية المبسطة للفلسطيني، فكنفاني يحمّل الفلسطينيين جزءًا من المسؤولية عن ضياع الوطن، وخوري يقدم شخصيات معقدة تخطئ وتضعف وتخون أحيانًا. كما تشتركان في الاعتراف بإنسانية الآخر، فكنفاني يقدم ميريام شخصية إنسانية عانت هي الأخرى من المحرقة، وخوري يضع الحكايات الفلسطينية في سياق إنساني أوسع، دون أن يتخلى عن الحق الفلسطيني.
خاتمة: الحكاية التي لا تموت
تكشف المقارنة بين الروايتين أن الذاكرة الفلسطينية ليست ثابتة، بل تتطور مع الزمن وتتغير أسئلتها. فمن سؤال كنفاني عن الفعل والمقاومة، إلى سؤال خوري عن الحكي والذاكرة، تستمر الرواية في محاولتها لفهم النكبة واستيعابها. وفي الحالتين، يبقى الأدب حارسًا للذاكرة، يرفض النسيان، ويؤكد أن الحكاية التي تُروى لا تموت، وأن الشعب الذي يحكي حكايته لا يمكن محوه.
أي الروايتين أثرت فيك أكثر؟ وكيف ترى دور الرواية في حفظ الذاكرة الجماعية؟ شاركنا رأيك في الردود.