جدارية محمود درويش: حوار الشاعر مع الموت والخلود والهوية

memoa

Well-known member
في عام 1998 خضع محمود درويش لعملية جراحية خطيرة في القلب، دخل بعدها في غيبوبة، ووقف على حافة الموت، ثم عاد إلى الحياة. ومن هذه التجربة القاسية ولدت واحدة من أعظم القصائد في تاريخ الشعر العربي الحديث: "جدارية"، التي صدرت في كتاب مستقل عام 2000. والجدارية قصيدة طويلة تمتد على عشرات الصفحات، يتحاور فيها الشاعر مع الموت وجهًا لوجه، ويتأمل في معنى الحياة والخلود والهوية والكتابة. وقد رأى فيها كثير من النقاد ذروة النضج الفني والفكري في تجربة درويش، ونقطة التحول الكبرى التي انتقل فيها من شاعر القضية الفلسطينية إلى شاعر الأسئلة الإنسانية الكبرى، دون أن يتخلى عن فلسطين التي ظلت حاضرة في قلب القصيدة.

جدار من الحجارة الملونة المتراصة يستحضر فكرة الجدارية التي يكتب عليها الشاعر ذاكرته في قصيدة جدارية


العنوان: الجدار الذي يحفظ الذاكرة​


يحمل عنوان القصيدة دلالة عميقة، فالجدارية هي اللوحة المرسومة على الجدار، التي تبقى طويلًا بعد رحيل صانعها، وقد عرفتها الحضارات القديمة منذ رسوم الكهوف إلى جداريات المعابد. وكأن درويش أراد أن يكتب قصيدته على جدار الزمن، لتبقى شاهدًا على وجوده بعد موته، ولتكون اسمه الذي لا يمحى. فالجدارية هنا ليست مجرد قصيدة، بل هي وصية وسيرة ذاتية وشهادة على حياة كاملة، يحاول الشاعر من خلالها أن ينتصر على الفناء بالفن.

وتبدأ القصيدة من لحظة الغيبوبة، حين يجد الشاعر نفسه في فضاء أبيض غامض بين الحياة والموت، فيسمع من يناديه باسمه، ويرى نفسه محمولًا نحو المجهول. ويصف هذه الحالة بلغة حالمة مكثفة، يمتزج فيها البياض بالسماء بالغياب، وكأنه يكتشف أرضًا جديدة لم يزرها شاعر من قبل. ويحضر اللون الأبيض بكثافة في القصيدة، فهو لون الغيبوبة والمستشفى والكفن والفراغ، لكنه أيضًا لون الصفحة البيضاء التي ينتظر الشاعر أن يكتب عليها.

حوار مع الموت: من الخوف إلى السخرية​


أبرز ما يميز الجدارية أن درويش لا يقف أمام الموت مرتعدًا خائفًا، بل يحاوره كندٍّ، ويخاطبه مباشرة، بل يسخر منه أحيانًا. فهو يدعوه إلى الجلوس وانتظاره حتى يكمل ما بدأه، ويطلب منه أن يمهله ليعيد ترتيب أوراقه وكتابة ما لم يكتب بعد. ويتعامل معه كضيف ثقيل يمكن مجادلته والتفاوض معه، لا كقدر أعمى ساحق.

ويصل هذا الحوار إلى ذروته حين يعلن الشاعر انتصاره على الموت بالفن. فالموت قد يأخذ الجسد، لكنه عاجز أمام الأغاني والقصائد والتماثيل واللوحات، وأمام كل ما صنعه الإنسان من جمال. ويستحضر درويش فنون الحضارات القديمة التي بقيت بعد موت أصحابها بآلاف السنين، من مسلات مصر إلى أناشيد بابل، ليؤكد أن الإبداع هو الطريق الوحيد الذي يملكه الإنسان ليتجاوز فناءه. وهذا الموقف لا يعني إنكار الموت، بل يعني تحويله إلى دافع للكتابة والحياة.

جلجامش وأنكيدو: البحث عن الخلود​


يستحضر درويش في الجدارية ملحمة جلجامش، أقدم ملحمة مكتوبة في تاريخ البشرية، التي تحكي قصة ملك أوروك الذي فقد صديقه أنكيدو، فخرج يبحث عن سر الخلود، ثم عاد دون أن يجده، مدركًا أن الخلود الوحيد الممكن هو فيما يتركه الإنسان من أثر. ويتماهى الشاعر مع جلجامش في بحثه، ومع أنكيدو في موته، فيصبح الشاعر نفسه باحثًا عن الخلود في وجه الموت الذي يحاصره.

وهذا الاستحضار ليس مجرد إحالة ثقافية، بل هو تأكيد على انتماء درويش إلى إرث حضاري عميق في المنطقة، يمتد من بلاد الرافدين وكنعان ومصر إلى الحضارة العربية الإسلامية. فهو يرى نفسه وريثًا لكل هذه الحضارات، وشاعرًا يكتب على الجدار نفسه الذي كتب عليه الأقدمون. وبهذا تتسع الهوية الفلسطينية في القصيدة لتصبح هوية إنسانية وحضارية واسعة، تتجاوز الحدود السياسية الضيقة.

الهوية وفلسطين: هذا هو اسمي​


تتكرر في الجدارية فكرة الاسم بشكل لافت، فالشاعر يعلن اسمه ويتمسك به، ويتأمل حروفه واحدًا واحدًا، ويربط كل حرف بمعنى من معاني حياته. والاسم هنا ليس مجرد علامة شخصية، بل هو الهوية التي يدافع عنها في مواجهة الموت والنسيان والمحو. وقد قيل إن هذا التمسك بالاسم يحمل بعدًا فلسطينيًا عميقًا، فالفلسطيني الذي حاول الاحتلال محو اسمه واسم أرضه وقراه، يتمسك باسمه بوصفه آخر ما يملك.

لكن الهوية في الجدارية ليست ثابتة جامدة، بل هي سؤال مفتوح وحركة مستمرة. فالشاعر يتساءل عن نفسه: من أنا؟ هل أنا الطفل الذي كان في البروة، القرية الجليلية التي هُجّر منها مع عائلته وهو في السادسة من عمره ثم هُدمت؟ أم اللاجئ؟ أم الشاعر؟ أم المريض على السرير؟ ويرى أن الإنسان ليس ما كانه فقط، بل ما سيصير إليه أيضًا، فالهوية عنده مشروع لم يكتمل، وطريق لم ينته.

رغم أن الجدارية قصيدة وجودية تتأمل في الموت والحياة، فإن فلسطين لا تغيب عنها، بل تحضر في الخلفية بطرق خفية ومؤثرة. فالأرض الخضراء التي يتذكرها الشاعر، والبيت الأول، والأم، والطفولة، والمنفى، كلها تحمل ملامح فلسطين. والموت الشخصي الذي يواجهه الشاعر يتقاطع مع الموت الجماعي الذي يعيشه شعبه، والبحث عن الخلود الفردي يتقاطع مع البحث عن البقاء الجماعي. وكأن درويش يقول إن مأساة الفلسطيني ومأساة الإنسان أمام الموت وجهان لسؤال واحد: كيف نبقى رغم كل ما يحاول محونا؟

ومن اللافت أن القصيدة لا تخلو من لحظات حميمة إنسانية بسيطة، كحديث الشاعر عن الممرضة التي تعتني به، وعن تفاصيل غرفة المستشفى، وعن جسده الذي صار غريبًا عنه، وعن رغبته في أشياء صغيرة كفنجان قهوة أو نزهة قصيرة. وهذه اللحظات تمنح القصيدة دفئًا إنسانيًا، وتذكر القارئ بأن الشاعر الكبير الذي يحاور الموت والخلود هو أيضًا إنسان عادي يخاف ويتألم ويشتاق. والجمع بين الكوني والحميم، بين الأسطورة والتفاصيل اليومية، هو من أسرار قوة الجدارية وقدرتها على ملامسة القلوب.

اللغة والإيقاع​


تتميز الجدارية بلغة شعرية بالغة الثراء، تجمع بين البساطة والعمق، وبين الصورة الحسية والتأمل الفلسفي. ويعتمد درويش على قصيدة التفعيلة بإيقاع متدفق، يتنقل بين الهدوء والانفعال، وبين الحوار والمونولوج، وبين السرد والغناء. كما يستخدم التكرار والنداء والجمل القصيرة الحاسمة بطريقة تمنح القصيدة طاقة موسيقية هائلة، تجعلها مناسبة للإلقاء أمام الجمهور كما للقراءة الصامتة.

ويوظف الشاعر رموزًا وإحالات من الكتب المقدسة والأساطير القديمة والشعر العربي الكلاسيكي، في نسيج غني يحتاج إلى قراءات متعددة لاكتشاف كل طبقاته. ومع ذلك، تبقى القصيدة قريبة من القارئ العادي، لأنها تتحدث عن تجربة إنسانية يعرفها الجميع: الخوف من الموت، والتمسك بالحياة، والرغبة في ترك أثر.

الجدارية بعد رحيل الشاعر​


حين رحل محمود درويش عام 2008 بعد عملية جراحية أخرى في القلب، عاد كثيرون إلى الجدارية ليقرؤوها من جديد، فوجدوا فيها كأن الشاعر قد كتب وداعه الأخير قبل سنوات. وقد صارت أبيات منها تكتب على الجدران وتقرأ في المناسبات، وتحولت إلى عروض مسرحية وموسيقية، وصارت جزءًا من الذاكرة الثقافية الفلسطينية والعربية. وبهذا تحققت نبوءة القصيدة: فقد انتصر الشاعر على الموت بالفن، وبقي اسمه وصوته حيين بعد رحيل جسده، وصارت الجدارية نفسها جدارًا يكتب عليه القراء أسئلتهم عن الموت والحياة، ويجدون فيه عزاءً لا يمنحه إلا الشعر الكبير.

هل قرأت جدارية محمود درويش؟ وأي مقطع منها بقي عالقًا في ذاكرتك؟ شاركنا تأملاتك حول علاقة الشعر بالموت والخلود.
 
عودة
أعلى