باب الشمس لإلياس خوري: الذاكرة الفلسطينية بين الحكاية والتاريخ

memoa

Well-known member
حين نشر الروائي اللبناني إلياس خوري روايته "باب الشمس" عام 1998، بعد سنوات من الاستماع إلى شهادات اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات لبنان، لم يكن يكتب رواية تاريخية بالمعنى التقليدي، ولا سجلًا وثائقيًا للنكبة، بل كان يحاول شيئًا أصعب وأعمق: أن يجعل الرواية وعاءً لذاكرة شعب كاملة تتشظى في حكايات لا تنتهي. فجاءت الرواية ملحمة سردية طويلة، تتداخل فيها الأصوات والأزمنة والأمكنة، وتتحول فيها الحكاية إلى فعل مقاومة ضد النسيان، وضد التاريخ الرسمي الذي يكتبه المنتصرون. وقد صارت "باب الشمس" منذ صدورها واحدة من أهم الروايات العربية التي تناولت التجربة الفلسطينية، وترجمت إلى لغات عديدة، واقتبسها المخرج المصري يسري نصر الله في فيلم من جزأين عام 2004.

شجرة قديمة بين الصخور في أرض جبلية تستحضر قرى الجليل في رواية باب الشمس


شهرزاد المعكوسة: حكاية أمام سرير الغيبوبة​


تقوم الرواية على إطار سردي لافت. ففي مستشفى متهالك في مخيم شاتيلا قرب بيروت، يرقد يونس الأسدي، المقاتل الفلسطيني العجوز، في غيبوبة عميقة. ويجلس إلى جانبه خليل أيوب، الذي يعمل في المستشفى ويلقبه الناس بالدكتور رغم أنه لم يكمل دراسة الطب، ويقرر أن يحكي له الحكايات، أملًا في أن يوقظه الكلام، أو على الأقل أن يبقيه على قيد الحياة.

يرى كثير من النقاد في هذا الإطار قلبًا ذكيًا لحكاية "ألف ليلة وليلة". فشهرزاد كانت تحكي لتنجو هي من الموت، أما خليل فيحكي لينقذ مستمعه، وفي الوقت نفسه لينقذ ذاكرة جماعية مهددة بالضياع. والمفارقة أن المستمع غائب عن الوعي، لا يرد ولا يعلق، فيتحول الحكي إلى ما يشبه الحديث مع الذات، أو الحديث مع التاريخ الصامت. وكأن الرواية تقول إن الفلسطيني يحكي حكايته في عالم لا يسمع، لكنه يواصل الحكي لأن الصمت يعني الموت الثاني.

يونس ونهيلة: الحب في كهف باب الشمس​


في قلب الحكايات المتشعبة تقف قصة الحب بين يونس وزوجته نهيلة. فبعد النكبة، بقيت نهيلة في قريتها في الجليل داخل الأراضي التي صارت تحت سيطرة إسرائيل، بينما صار يونس لاجئًا مقاتلًا في لبنان. ولسنوات طويلة كان يونس يتسلل عبر الحدود سرًا ليلتقي زوجته في كهف بين الجبال سمياه "باب الشمس"، وهناك أنجبا أطفالهما، وعاشا حياة زوجية متقطعة مسروقة من بين أنياب الحدود والجنود.

هذا الكهف ليس مجرد مكان للقاء العاشقين، بل هو رمز مكثف للوطن نفسه: وطن يُعاش سرًا، في الظلام، بين الزيارات الخاطفة، لكنه يظل قادرًا على أن يلد حياة جديدة. ونهيلة ليست مجرد زوجة منتظرة، بل امرأة قوية تتحمل مسؤولية الأطفال والأرض والبقاء، وتواجه السلطات الإسرائيلية بثبات وذكاء حين يستجوبونها عن آباء أطفالها. وبهذا تقدم الرواية صورة مختلفة للمقاومة، لا تقتصر على البندقية، بل تشمل البقاء في الأرض والإنجاب والحب ذاته.

الحكاية في مواجهة التاريخ​


لا تكتفي الرواية بحكاية يونس، بل تتفرع إلى عشرات الحكايات الأخرى: حكاية أم حسن القابلة التي تحمل ذاكرة القرى كلها، وحكاية شمس المقاتلة التي قتلت حبيبها الخائن ثم قُتلت، وحكايات المجازر والتهجير والمخيمات والحرب الأهلية اللبنانية. وكثير من هذه الحكايات تتناقض أحيانًا، وتُروى بأكثر من صيغة، ويشكك الراوي في بعضها، ويعيد سرد بعضها بطرق مختلفة.

وهذا التناقض ليس ضعفًا في البناء، بل هو جوهر المشروع الروائي. فإلياس خوري يرفض أن يقدم رواية واحدة متماسكة للنكبة، لأنه يدرك أن التاريخ الفلسطيني لم يُكتب رسميًا من وجهة نظر أصحابه، بل بقي محفوظًا في ذاكرة الناس الشفوية المتشظية. والرواية هنا لا تدعي الحقيقة المطلقة، بل تحتفي بتعدد الحقائق، وتجعل من الحكاية الشفوية مصدرًا للمعرفة يوازي الوثيقة التاريخية أو يتفوق عليها أحيانًا. ومن هنا يمكن فهم الرواية بوصفها مشروعًا مضادًا للتاريخ الرسمي، يعيد الاعتبار لصوت الضحايا البسطاء الذين لم يكتبوا مذكراتهم ولم تسجل الكتب أسماءهم.

وتحضر في الرواية تفاصيل القرى المهجرة في الجليل بأسمائها وطرقها وآبارها وأشجارها، كأن الرواية تحاول أن ترسم خريطة بديلة لأرض محيت ملامحها من الخرائط الرسمية. فالكاتب لا يكتفي بالحديث العام عن التهجير، بل ينزل إلى التفاصيل الصغيرة: طريقة خبز الطابون، وأغاني الأعراس، وأسماء العائلات، ومواسم الزيتون، والخلافات بين الجيران. وهذه التفاصيل هي ما يمنح الذاكرة لحمها ودمها، ويحولها من فكرة مجردة إلى عالم حي يمكن للقارئ أن يراه ويشم رائحته.

كما لا تتجاهل الرواية الجانب المظلم من التجربة الفلسطينية نفسها، فهي تتحدث عن أخطاء المقاتلين، وعن الصراعات الداخلية، وعن قسوة الحياة في المخيمات، وعن المجازر التي تعرض لها اللاجئون في لبنان خلال الحرب الأهلية. وهذه الجرأة في النقد الذاتي تمنح الرواية مصداقية كبيرة، لأنها لا تقدم الضحية ملاكًا، بل إنسانًا يتألم ويخطئ ويحاول أن يحافظ على كرامته وسط ظروف مستحيلة.

خليل: الراوي الذي يبحث عن ذاته​


ومع تقدم الرواية، يتضح أن خليل لا يحكي حكاية يونس فقط، بل يحكي حكايته هو أيضًا. فهو شاب نشأ في المخيم، وفقد أمه التي رحلت، وعاش تجربة حب معقدة مع شمس، ويحمل في داخله أسئلة عن البطولة والخيانة والجدوى. وكلما تعمق في حكاية يونس، اكتشف جوانب من نفسه، حتى يبدو الحكي عملية علاج ذاتي، ومحاولة لفهم موقعه في تاريخ أكبر منه.

ويطرح خليل أسئلة جريئة على البطل الذي يحكي عنه، فيتساءل أحيانًا إن كان يونس قد أحب نهيلة حقًا أم أحب فكرة البطولة، ويشكك في بعض الحكايات البطولية التي يرويها الناس عنه. وهذا الحس النقدي يمنع الرواية من التحول إلى ملحمة تمجيدية، ويجعلها نصًا إنسانيًا يرى الأبطال بشرًا لهم ضعفهم وتناقضاتهم.

الأسلوب: سرد دائري يحاكي الذاكرة​


يكتب إلياس خوري بأسلوب يحاكي طريقة عمل الذاكرة نفسها. فالسرد لا يسير في خط مستقيم، بل يدور ويعود ويتفرع ويقفز بين الأزمنة، كما يفعل الإنسان حين يتذكر. والجمل طويلة متدفقة أحيانًا، كأنها كلام شفوي يتدفق بلا توقف، ثم تقصر فجأة لتلتقط لحظة مؤلمة. هذا الأسلوب قد يرهق بعض القراء في البداية، لكنه يمنح الرواية صدقًا خاصًا، ويجعل القارئ يشعر أنه جالس في المخيم يستمع إلى حكايات الكبار. كما يمزج الكاتب بين الفصحى ولمسات من روح الكلام اليومي، فتبدو الشخصيات حية قريبة، تتحدث بلغة الناس لا بلغة الخطب، وتضحك وتسخر حتى في أكثر اللحظات قسوة، وهذا المزج بين المأساة والسخرية سمة أصيلة في الشخصية الفلسطينية نجح خوري في التقاطها بمهارة.

الرواية والمستقبل​


إن أهم ما تنجزه "باب الشمس" أنها تحول الذاكرة من مجرد استعادة للماضي إلى فعل حاضر ومستمر. فالحكاية لا تُروى مرة واحدة ثم تنتهي، بل تُعاد وتُنقح وتُضاف إليها تفاصيل جديدة، كما تفعل الجدات في ليالي الشتاء. وبهذا المعنى تصبح الرواية نفسها جزءًا من الذاكرة الفلسطينية لا مجرد وصف لها، وتمنح الأجيال التي لم تعش النكبة طريقًا إلى فهمها والشعور بها، بعيدًا عن لغة الأرقام والإحصاءات الباردة.

تنتهي الرواية دون إجابة حاسمة عن مصير يونس، كما ينتهي التاريخ الفلسطيني نفسه مفتوحًا على المستقبل. لكن الرسالة الأساسية تبقى واضحة: إن الحكاية هي ما يبقى حين يُسلب كل شيء آخر، وإن الشعوب التي تحافظ على حكاياتها لا تموت. وقد ألهمت الرواية بعد سنوات طويلة من صدورها مبادرة رمزية حين أقام ناشطون فلسطينيون عام 2013 قرية احتجاجية في منطقة مهددة بالاستيطان وأطلقوا عليها اسم "باب الشمس"، في دليل على أن الأدب قادر أحيانًا على الخروج من الكتب إلى الواقع.

هل قرأت "باب الشمس"؟ وكيف وجدت أسلوب السرد المتشعب فيها؟ شاركنا تجربتك مع هذه الرواية الملحمية.
 
عودة
أعلى