زمن الخيول البيضاء لإبراهيم نصر الله: كيف تتحول الرواية إلى سجل للذاكرة الجماعية؟

memoa

Well-known member
حين نتحدث عن الروايات التي حاولت أن تحمل التاريخ الفلسطيني على كتفيها، تبرز رواية "زمن الخيول البيضاء" للشاعر والروائي إبراهيم نصر الله بوصفها واحدة من أكثرها طموحًا واتساعًا. فهذه الرواية التي صدرت عام 2007، ووصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية في دورتها الأولى، تمتد على مساحة زمنية تقارب قرنًا كاملًا، من أواخر العهد العثماني مرورًا بالانتداب البريطاني وصولًا إلى نكبة عام 1948. وهي جزء من مشروع روائي كبير أطلق عليه الكاتب اسم "الملهاة الفلسطينية"، يسعى من خلاله إلى كتابة تاريخ فلسطين الإنساني عبر سلسلة من الروايات المستقلة المترابطة. وقد اشتغل نصر الله على هذه الرواية سنوات طويلة، استمع خلالها إلى شهادات كبار السن الذين عاشوا تلك المراحل، وقرأ في المصادر التاريخية، ليصنع منها عملًا يجمع بين متعة الحكاية وجدية الشهادة.

حصان أبيض يركض بحرية في مشهد يستحضر رمزية الخيول في رواية زمن الخيول البيضاء


الهادية: قرية بحجم الوطن​


تدور أحداث الرواية في قرية متخيلة اسمها الهادية، لكنها ليست قرية بلا ملامح، بل تحمل في تفاصيلها ملامح مئات القرى الفلسطينية الحقيقية: البيوت الحجرية، وحقول القمح، وأشجار الزيتون، والمضافة التي يجتمع فيها الرجال، والعين التي تملأ منها النساء الجرار. واختيار قرية متخيلة يمنح الكاتب حرية فنية واسعة، ويجعل الهادية رمزًا جامعًا لفلسطين كلها، فكل قارئ فلسطيني يستطيع أن يرى فيها قريته أو قرية أجداده.

وتتابع الرواية حياة هذه القرية عبر ثلاثة أجيال، من خلال عائلة الحاج محمود وابنه خالد وغيرهما من الشخصيات التي تتعاقب على المسرح. ونرى كيف يتغير وجه القرية مع تغير السلطة، فالعثمانيون يفرضون الضرائب والتجنيد الإجباري، والبريطانيون يأتون بوعودهم ومحاكمهم ومشانقهم، والمستوطنون الصهاينة يتقدمون شيئًا فشيئًا بشراء الأراضي ثم بالسلاح. وفي مواجهة كل ذلك، تحاول القرية أن تحافظ على حياتها وكرامتها وأرضها.

الحصان: رمز الحرية والكرامة​


تحتل الخيول مكانة مركزية في الرواية، كما يوحي عنوانها. فهي ليست مجرد حيوانات في حياة الفلاحين، بل رموز للكرامة والأصالة والحرية. ومنذ الصفحات الأولى نتعرف على فرس بيضاء أصيلة تدخل حياة العائلة، وتصبح جزءًا منها، تُحَب كما يُحَب البشر، ويُدافع عنها كما يُدافع عن الشرف. ومن خلال العلاقة بين الإنسان والحصان، يرسم نصر الله صورة لمجتمع يقدّس الوفاء والأصالة، ويرى في الخيل امتدادًا لروحه.

ويحمل اللون الأبيض بدوره دلالات النقاء والبراءة والزمن الجميل الذي سبق الخراب. فزمن الخيول البيضاء هو زمن كانت فيه القرية تعيش حياتها بإيقاعها الطبيعي، رغم كل ما فيه من صعوبات وظلم، قبل أن يأتي زمن آخر يقتلع الخيول والناس معًا. وحين تتساقط الخيول في الرواية، فإنها تسقط معها مرحلة كاملة من التاريخ الفلسطيني، ويصبح العنوان نفسه نوعًا من الرثاء لعالم ضاع. ولا تخلو هذه الرمزية من بعد عربي أصيل، فالخيل في الثقافة العربية مرتبطة بالفروسية والنبل منذ الشعر الجاهلي، واستحضارها في رواية عن فلسطين يربط الحكاية المحلية بإرث ثقافي أوسع.

الرواية بوصفها سجلًا للذاكرة الجماعية​


ينقسم البناء الروائي إلى ثلاثة أقسام كبرى، لكل منها روحه وإيقاعه، وتتخلل الفصول حكايات صغيرة كثيرة، بعضها مضحك وبعضها مؤلم، تشبه الحكايات التي يرويها الكبار في السهرات. وهذه البنية المتشعبة ليست مجرد اختيار فني، بل هي محاولة لاستعادة الطريقة التي يحفظ بها الشعب ذاكرته: لا في الكتب الرسمية، بل في الحكايات المتداولة، والأمثال، والأغاني، والنوادر.

ومن هنا تكتسب الرواية قيمتها بوصفها سجلًا للذاكرة الجماعية. فهي تحفظ عادات الأعراس والمآتم، وطرق الزراعة والحصاد، وأساليب الضيافة، وأسماء الأدوات القديمة، والعلاقات بين العائلات، والنزاعات الصغيرة والتحالفات، وكل ذلك في نسيج سردي حي يجعل القارئ يعيش داخل القرية لا مجرد أن يقرأ عنها. وفي زمن تعرضت فيه هذه القرى للمحو الكامل، تصبح الرواية بمثابة إعادة بناء لها على الورق، وحماية لها من النسيان.

ويؤكد نصر الله في أكثر من مناسبة أن مشروعه يقوم على فكرة أن الفلسطيني لم يكن مجرد ضحية سلبية في التاريخ، بل كان صاحب حياة غنية وثقافة متجذرة ومقاومة مستمرة. ولهذا يحرص على تصوير الثورات المتعاقبة، وبخاصة ثورة عام 1936 الكبرى، وعلى إبراز دور الفلاحين البسطاء في مقاومة الانتداب، وعلى إظهار التضحيات التي قدموها قبل النكبة بسنوات طويلة.

الشخصيات: أبطال من لحم ودم​


لا يرسم نصر الله شخصياته أبطالًا معصومين، بل يمنحهم ضعفهم وأخطاءهم وتناقضاتهم. ففي القرية نجد الشجاع والجبان، والكريم والبخيل، والحكيم والمتهور، ونجد من يبيع أرضه تحت الإغراء أو الحاجة، ومن يموت دفاعًا عنها. وهذا التنوع يمنح الرواية واقعية كبيرة، ويبعدها عن الخطاب التعبوي المباشر الذي وقعت فيه بعض الروايات الوطنية. كما تحظى المرأة بحضور قوي في الرواية، فهي ليست مجرد خلفية للرجال، بل شريكة في العمل والقرار والمقاومة، تحمل الذاكرة وتربي الأجيال وتواجه الفقد بصلابة لافتة.

ومن أجمل ما في الرواية تلك الشخصيات الهامشية التي تظهر في حكايات قصيرة ثم تختفي، كالدرويش والمختار والبائع المتجول والغريب العابر، فهي تمنح القرية حيويتها وتنوعها، وتجعلها عالمًا كاملًا متشابكًا لا مجرد مسرح لأحداث كبرى. وكل واحدة من هذه الشخصيات تحمل جزءًا من الحكمة الشعبية أو المأساة الجماعية، فتتكامل في النهاية لتصنع لوحة واسعة لمجتمع بأكمله.

بين التاريخ والتخييل​


تطرح الرواية سؤالًا مهمًا عن العلاقة بين الأدب والتاريخ. فهي تستند إلى أحداث حقيقية وشهادات موثقة، لكنها في الوقت نفسه عمل تخييلي له شخصياته المتخيلة وأحداثه المتخيلة. وقد نجح نصر الله في تحقيق توازن دقيق بين الطرفين، فلم يتحول العمل إلى كتاب تاريخ جاف، ولم يفقد في المقابل صلته بالواقع التاريخي. والنتيجة رواية يمكن أن تقرأها للمتعة الخالصة، وتخرج منها في الوقت نفسه بفهم أعمق لتاريخ فلسطين الحديث.

ويرى بعض النقاد أن قوة الرواية تكمن تحديدًا في قدرتها على أن تقول ما لا تستطيع كتب التاريخ قوله: كيف شعر الناس، وماذا خافوا، وبماذا حلموا، وكيف أحبوا وتخاصموا وتصالحوا. فالتاريخ الرسمي يسجل المعارك والاتفاقيات والأرقام، أما الرواية فتسجل نبض الحياة اليومية التي جرت بين تلك الأحداث الكبرى، وتمنح الضحايا وجوهًا وأسماء وأصواتًا.

لغة شعرية وسرد ملحمي​


لا يمكن الحديث عن هذه الرواية دون الإشارة إلى لغتها. فإبراهيم نصر الله شاعر في الأصل، وتظهر شاعريته في كثير من المقاطع التي تصف الطبيعة والخيول والحب والموت. لكنه لا يسمح للشعر بأن يطغى على السرد، بل يوظفه في اللحظات المناسبة ليمنح المشاهد عمقًا عاطفيًا. كما يتميز الحوار في الرواية بقربه من روح الكلام الفلسطيني، مما يمنح الشخصيات حيوية وصدقًا.

أما البناء الملحمي، فيظهر في اتساع المساحة الزمنية وكثرة الشخصيات وتشابك الأحداث، وفي الإحساس العام بأننا أمام قصة شعب لا قصة أفراد. ومع ذلك يحافظ الكاتب على حضور الإنسان الفرد بمشاعره الخاصة وتفاصيله الصغيرة، فلا يذوب الأفراد في الجماعة، بل يبقى لكل منهم صوته وحكايته.

بعد سنوات من صدورها، ما زالت "زمن الخيول البيضاء" تحظى بقراء جدد في كل جيل، وقد ترجمت إلى لغات عدة، وصارت مرجعًا لكل من يريد أن يفهم فلسطين قبل النكبة من الداخل. وهي تذكّرنا بأن الأدب ليس ترفًا، بل يمكن أن يكون أداة لحفظ الهوية ومقاومة المحو، وبأن الحكاية الجيدة قادرة على أن تعيش أطول من الحجارة التي هُدمت والقرى التي أزيلت عن الخرائط.

هل قرأت "زمن الخيول البيضاء" أو غيرها من روايات الملهاة الفلسطينية؟ وأي شخصية أو حكاية بقيت عالقة في ذاكرتك؟ شاركنا في الردود.
 
عودة
أعلى