MotasemH

Administrator
طاقم الإدارة
يرى روبرت بابيه، في مقاله المنشور على مجلة Foreign Affairs، أن النظام الدولي الذي نشأ بعد حرب الخليج عام 1991، والقائم على التفوق العسكري الأميركي والقدرة على فرض النتائج السياسية بتكلفة منخفضة، يتعرض اليوم للتفكك بفعل ما يسميه «الثورة الثانية في الحرب الدقيقة». فقد أدت العولمة وانتشار أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار والطائرات المسيّرة والصواريخ منخفضة التكلفة إلى نقل قدرات كانت حكرًا على القوى الكبرى إلى دول أضعف وفاعلين من غير الدول. ويستخدم بابيه إيران ومضيق هرمز مثالًا على قدرة طرف أضعف على فرض تكاليف اقتصادية وعسكرية هائلة من خلال تعطيل الملاحة، ورفع أسعار التأمين، وتهديد البنية التحتية، من دون الحاجة إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكريًا. كما يحذر من إمكان تكرار هذا النموذج في مضيق تايوان والبحر الأحمر ومضيق ملقا وبحر الصين الجنوبي، بما يجعل نقاط الاختناق البحرية ساحات مركزية للصراع العالمي. ويخلص المقال إلى أن القوة في النظام الجديد لن تُقاس فقط بحجم الجيوش والقدرة التدميرية، بل بالقدرة على تعطيل التجارة، وتقويض الثقة، وفرض تكاليف مستمرة على الخصوم، وأن عصر الأحادية القطبية الأميركية والعولمة الآمنة قد انتهى، ليحل محله نظام دولي أكثر اضطرابًا وكلفة وخطورة.
إيران والقواعد الجديدة للقوة العالمية

Iran and the New Rules of Global Power​

في ليلة 17 كانون الثاني/يناير 1991، شاهد متابعو التلفزيون حول العالم مشهدًا لم يسبق لهم أن رأوا مثله. فعلى خلفية سماء سوداء تضيئها نيران الدفاعات المضادة للطائرات، كانت القنابل الأميركية الموجّهة بدقة تصيب نوافذ المباني ومجاري التهوية ومخابئ القيادة في بغداد. وبثّت شبكة «سي إن إن» حرب الخليج على الهواء مباشرة. وبالنسبة إلى ملايين البشر، بدت هذه الصور وكأنها تعلن ميلاد عصر جديد.

ولفهم أهمية تلك الصور، لا بد من تذكّر مدى خطورة العراق في نظر العالم قبل بدء الحرب. فقد كان الدكتاتور العراقي صدام حسين يقود جيشًا يضم نحو مليون مسلح. وكان جيشه قد صمد خلال ثماني سنوات من الحرب الوحشية مع إيران، وامتلك واحدة من أكبر قوات الدبابات في العالم. وأثار غزو العراق للكويت مخاوف من أن يوجّه صدام قواته بعد ذلك نحو السعودية، بما قد يجعل بلاده قوة مهيمنة على النفط في الخليج العربي، ويضع ربع إمدادات النفط العالمية تحت سيطرته المباشرة.

لم يكن عدد كبير من الأميركيين يتوقع انتصارًا سهلًا. فقد ظل إخفاق حرب فيتنام يلقي بظلاله الثقيلة. وقال صدام للسفيرة الأميركية في الكويت، قبل أسبوع من غزوه للدولة المجاورة: «إن مجتمعكم لا يستطيع تقبّل سقوط عشرة آلاف قتيل». وخشي كثير من المحللين أن يكون محقًا، ولم يُجز مجلس الشيوخ استخدام القوة إلا بفارق ضئيل من الأصوات. واستعد البنتاغون لخسائر فادحة، فأرسل آلاف أكياس الجثث إلى المنطقة. ولم يكن المتوقع تكرار حرب عالمية ثانية، بل تكرار فيتنام أخرى.

لكن ما حدث بعد ذلك صدم الجميع تقريبًا. فبعد خمسة أسابيع من الهجمات الجوية، حررت القوات البرية التابعة للتحالف الكويت في نحو مئة ساعة. وانهار الجيش العراقي. وهُزم أكثر من 300 ألف جندي عراقي في الكويت، أو أُسروا، أو أُجبروا على الفرار. ولم يتجاوز عدد القتلى الأميركيين في المعارك 147 جنديًا، وهو رقم منخفض على نحو مذهل بالنظر إلى المخاوف التي سبقت الحرب. لقد هُزمت، بسهولة مدهشة، دولة كبرى كانت تبدو قبل أشهر قليلة قوة لا يُستهان بها.

امتدت دلالة الانتصار الأميركي إلى ما هو أبعد بكثير من ساحة المعركة، إذ أكدت المكانة الاستثنائية التي كانت تتمتع بها الولايات المتحدة. ففي الوقت الذي كان فيه الاتحاد السوفيتي يتفكك، لم تكن واشنطن تواجه خصمًا رئيسيًا، وكانت تحتل مركز الشبكات المالية والتكنولوجية والتحالفية في العالم. كما امتلكت قدرات عسكرية متقدمة لم تستطع أي قوة أخرى مجاراتها. وأصبحت الولايات المتحدة حالة نادرة في التاريخ الحديث: دولة منفردة بلا منافس ندّي. وقد حوّلت عملية «عاصفة الصحراء» المؤشرات المجردة للقوة الأميركية إلى تجربة ملموسة. وصار لدى الحكومات والمستثمرين والمواطنين العاديين حول العالم تصور مشترك لما تعنيه الهيمنة العسكرية الأميركية في الواقع العملي.

تختفي معظم الحروب في ثنايا التاريخ. لكن بعض الحروب القليلة تقسم التاريخ إلى ما قبلها وما بعدها. وبالنسبة إلى عالم ما بعد الحرب الباردة، كانت حرب الخليج واحدة من تلك اللحظات. فقد أدت الحرب إلى تحرير الكويت، ثم دشّنت العصر الذي تلاها، والذي يُشار إليه عادةً بوصفه عصر الأحادية القطبية الأميركية، حين كانت القوة العسكرية الأميركية التي لا نظير لها تسند العولمة، والازدهار المتزايد، والاستقرار النسبي.

لكن ذلك العصر انتهى الآن. فلم تعد الولايات المتحدة تتمتع بالتفوق العسكري الذي امتلكته سنة 1991. وبفضل العولمة، لم تعد المنظومات اللازمة لخوض الحروب الدقيقة حكرًا على عدد محدود من القوى الكبرى، بل أصبحت متاحة لمجموعة واسعة من الفاعلين القادرين اليوم على الصمود في مواجهة دول أقوى منهم بكثير.

والواقع أن الحرب مع إيران تجسّد هذا التحول في موازين الزمن. فبينما أظهرت حرب الخليج الهيمنة الأميركية، تكشف الاشتباكات الحالية حول مضيق هرمز حدود القوة الأميركية. ويطل عصر جديد تنقلب فيه افتراضات مرحلة ما بعد الحرب الباردة رأسًا على عقب. فالولايات المتحدة لم تعد قادرة على إخضاع الآخرين لإرادتها من خلال استخدام القوة بكلفة منخفضة. وبدلًا من أن تضمن القوة الأميركية الاستقرار والقدرة على التنبؤ، أصبحت مصدرًا للتقلب والاضطراب. وقد تعلّمت القوى الأضعف قيمة التحدي والتعطيل، وأصبحت تمتلك الأدوات التي تمكّنها من فرض تكاليف هائلة على الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها. وسيكون العصر المقبل عصرًا لأزمات أكثر تكرارًا، وتكاليف أعلى لحماية التجارة العالمية، ومنافسة متصاعدة على نقاط الاختناق الاستراتيجية في العالم. لقد تلاشت قواعد القوة التي حكمت مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وينتظر العالم نظام دولي أكثر خطورة.​

توقعات كبرى​

لا تؤدي الانتصارات العسكرية الكبرى في كثير من الأحيان إلى إنشاء نظم دولية جديدة. فقد تنتهي الحروب بتغيير الحدود، لكنها تميل إلى الإبقاء على البنية الأوسع للسياسة العالمية من دون تغيير. غير أن حرب الخليج سنة 1991 كانت مختلفة، لأنها غيّرت توقعات العالم. فقد أقنع الفارق الهائل بين ما توقعه المحللون قبل الحرب وبين الطريقة التي حققت بها الولايات المتحدة نصرًا حاسمًا وسريعًا الحكومات والأسواق والمجتمعات بأن واقعًا جديدًا قد نشأ.

استند ذلك الواقع إلى أربعة افتراضات: أن الولايات المتحدة تستطيع فرض النتائج العسكرية من دون عناء؛ وأن واشنطن تمتلك تفوقًا لا يُضاهى في إدارة التصعيد، أي القدرة على هزيمة التهديدات الكبرى بسرعة وبتكلفة منخفضة؛ وأن القوة الأميركية تضمن تدفق السلع عبر شرايين التجارة العالمية؛ وأن مقاومة القوة الأميركية مصيرها الفشل في نهاية المطاف.

عززت هذه الافتراضات بعضها بعضًا. فلأن التفوق العسكري الأميركي بدا ساحقًا، خفّض الحلفاء أعباءهم الدفاعية وعمّقوا اعتمادهم على واشنطن. ولأن القوة الأميركية كانت تثني الفاعلين الآخرين عن المخاطرة بالمواجهة والتصعيد، قلّل المستثمرون من تقدير المخاطر الجيوسياسية. ولأن التجارة البحرية بدت آمنة، مدّت الشركات سلاسل التوريد عبر القارات، وخفّضت مخزوناتها المحلية إلى أدنى حد. ولأن القوة الأميركية بدت بلا منافس ولا تعرف التراجع، سعت معظم الدول إلى التكيّف مع الولايات المتحدة بدلًا من مقاومتها.

استند نظام ما بعد الحرب الباردة إلى مصداقية واشنطن أكثر مما استند إلى قدرتها الفعلية على الإكراه. فلم تكن الدول بحاجة إلى اختبار القوة العسكرية الأميركية بصورة مباشرة، بل كان يكفي أن تؤمن بها. لقد هزمت الولايات المتحدة العراق بسرعة كبيرة وبتكلفة منخفضة إلى درجة جعلت أي مقاومة مستقبلية تبدو سلوكًا غير عقلاني. ولم يجرؤ على تجاهل ما كان واضحًا للجميع سوى عدد محدود من «الدول المارقة» والفاعلين، مثل كوريا الشمالية وإيران والقراصنة الصوماليين. وفي سنة 1990، أطلقت القوات الجوية الأميركية، بطموح واضح، على عقيدتها الجديدة اسم «قوة عالمية، ومدى عالمي». وجعلت حرب الخليج سنة 1991 ذلك واقعًا لم يعد بوسع كثيرين تجاهله.

وكان للانطباع الذي رسّخته حرب الخليج عن مناعة القوة الأميركية آثار فورية في أوروبا. فخلال الحرب الباردة، احتفظت حكومات أوروبا الغربية بجيوش كبيرة لأن تهديد الاتحاد السوفيتي كان يفرض عليها ذلك. وبعد سنة 1991، خفّضت الدول الأوروبية ميزانياتها الدفاعية بصورة حادة، في الوقت الذي عمّقت فيه تكامل اقتصاداتها. ووقّعت معاهدة ماستريخت سنة 1992، واضعة الأساس لإقامة عملة مشتركة وتخفيف أثر الحدود بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وتنافست الدول الشيوعية السابقة على الانضمام إلى المؤسسات الغربية. أما حلف شمال الأطلسي، الذي كان يضم 16 دولة سنة 1991، فقد توسع شرقًا، وضم في نهاية المطاف جزءًا كبيرًا من الأراضي التي كانت تنتمي سابقًا إلى حلف وارسو. وأصبحت الدول التي كانت تخشى حلف الناتو قبل سنوات قليلة فقط تطلب الحماية داخل النظام الذي تقوده الولايات المتحدة. وبحلول نهاية ذلك العقد، لم تعد الهيمنة الأميركية موضع نقاش، بل أصبحت حقيقة مسلّمًا بها.

حتى خصوم واشنطن المستقبليون استوعبوا دروس بغداد. فمع تطور أحداث حرب الخليج، درسها الضباط الصينيون باهتمام شديد، لأن الجيش العراقي كان يشبه جيش التحرير الشعبي الصيني في جوانب عديدة. وخلصت بكين إلى أن الجيوش الحاشدة التي تنتمي إلى العصر الصناعي أصبحت شديدة الانكشاف أمام الحروب الدقيقة. وخلال العقود التالية، خفّضت الصين أعداد قواتها بصورة كبيرة، من نحو 3.5 ملايين فرد سنة 1990 إلى مليوني فرد بعد عقد، وحدّثت أنظمة القيادة، ووسعت قواتها الصاروخية، واستثمرت بكثافة في تكنولوجيات المعلومات. والمفارقة أن كثيرًا من القدرات التي تتحدى اليوم التفوق العسكري الأميركي في شرق آسيا نشأت في الأصل من محاولة الصين فهم سبب انهيار الجيش العراقي بتلك السرعة سنة 1991.

وقد أثرت الثقة بالقوة الأميركية في القرارات الاقتصادية بقدر تأثيرها في القرارات العسكرية، وشجعت واحدًا من أكبر توسعات الاعتماد الاقتصادي المتبادل في التاريخ الحديث. فقد عبرت السلع ورؤوس الأموال والطاقة والمعلومات الحدود بسرعة غير مسبوقة. وارتفعت التجارة، بوصفها نسبة من الناتج العالمي، من نحو 38 في المئة سنة 1990 إلى قرابة 60 في المئة بعد عقدين. واعتمد المصنعون نظام الإنتاج في الوقت المناسب. وامتدت سلاسل التوريد عبر القارات، لأن الشركات افترضت بصورة متزايدة أن نشوب الحروب بين القوى الكبرى أمر مستبعد، وأن أي اضطرابات مستقبلية في التجارة البحرية لن تكون سوى مؤقتة.

وكان وراء تفاؤل تلك المرحلة افتراض أعمق، مفاده أن الأسس الاستراتيجية للنظام الدولي أصبحت آمنة على نحو استثنائي. وقد استند ذلك مباشرة إلى الواقع الملموس للهيمنة العسكرية الأميركية. وفي سنة 1998، وصفت وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت الولايات المتحدة بأنها «الأمة التي لا غنى عنها»، معبّرة بذلك عن افتراض واسع الانتشار بأن الاستقرار الدولي يعتمد، في نهاية المطاف، على القوة الأميركية.

واحتفظ هذا الافتراض بقدر كبير من قوته حتى خلال حرب العراق سنة 2003، التي لم تؤثر بجدية في الأسواق العالمية. فقد اندلعت الحروب وتفجرت الأزمات، لكن حالات عدم الاستقرار الخطيرة بدت استثناءً لا قاعدة. ونظّم القادة السياسيون والشركات والمواطنون العاديون حول العالم توقعاتهم على أساس الاعتقاد بأن الاضطرابات الكبرى التي تؤثر في الأسواق والسياسة العالميتين سيجري احتواؤها في نهاية المطاف. وكما كانت حال المملكة المتحدة في القرن التاسع عشر بعد معركة الطرف الأغر سنة 1805، مارست الولايات المتحدة نفوذًا تجاوز بكثير المدى المباشر لقواتها العسكرية، لأن الآخرين كانوا قد سلّموا بالفعل بعدم إمكانية تحدي واشنطن. لم يصبح العالم مسالمًا بعد سنة 1991، بل أصبح قابلًا للتنبؤ.​

بذور انهياره الذاتي​

من المفارقات أن نجاح نظام ما بعد الحرب الباردة نفسه هو الذي قاد إلى تفككه. فالثورة التكنولوجية التالية في مجال الحرب كانت هي الأخرى نتاجًا للتحول الاقتصادي الذي شهده عصر ما بعد الحرب الباردة.

استندت كل ثورة عسكرية كبرى إلى تحول اقتصادي سبقها. فالقوى الكبرى لا تنهض لمجرد امتلاكها جيوشًا أو قوات بحرية متفوقة، بل لأن اقتصاداتها تولّد الثروة والتكنولوجيا والقدرة الصناعية اللازمة للحفاظ على تلك القوات بمرور الزمن. وقد اعتمدت ثورة الدقة الأولى، التي تجلت فوق بغداد سنة 1991، على قدرات لم تكن متاحة سوى لعدد قليل من الدول المتقدمة. فالذخائر الموجّهة بدقة، والملاحة عبر الأقمار الصناعية، والاتصالات الآمنة، وأجهزة الاستشعار بالأشعة تحت الحمراء، والمعالجات المتقدمة، كانت تتطلب منظومات صناعية لا تمتلكها إلا دول قليلة. وقد كشفت حرب الخليج هذه القدرات أمام العالم، لكن التكنولوجيا التي قامت عليها ظلت متركزة في الولايات المتحدة وبين أقرب حلفائها.

وخلال العقود الثلاثة التالية، حوّلت العولمة هذه الأصول العسكرية النادرة إلى منتجات تجارية واسعة الانتشار. وأصبحت صناعة أشباه الموصلات واحدة من أكبر الصناعات وأكثرها انتشارًا جغرافيًا في العالم. وتجاوزت الإيرادات العالمية للرقائق 790 مليار دولار سنة 2025، وهي تقترب من تريليون دولار سنويًا، مدفوعة أساسًا بالطلب على الهواتف الذكية والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. كما أن سلاسل التوريد نفسها التي تنتج المعالجات المتقدمة للأسواق التجارية تزود أيضًا صناعة المكونات المستخدمة في الكاميرات وأنظمة الملاحة وأجهزة الحوسبة الطرفية، وهي الحواسيب الصغيرة التي تعالج البيانات محليًا بدلًا من إرسالها إلى خوادم سحابية بعيدة.

يحتوي الهاتف الذكي الحديث على قدرة حاسوبية تفوق ما كانت تمتلكه كثير من الأنظمة العسكرية خلال حرب الخليج، وعلى كاميرات كانت في السابق حكرًا على أقمار التجسس والاستطلاع. وقد أوجدت الأسواق المدنية وفورات حجم هائلة في إنتاج وحدات القياس بالقصور الذاتي المصغرة، وهي أجهزة تتعقب الموقع والسرعة والاتجاه، ومستقبلات نظام تحديد المواقع العالمي، وبطاريات الليثيوم، وأجهزة الاستشعار البصرية؛ وهي تكنولوجيات كان تطويرها يتطلب في السابق رعاية مباشرة من الدولة.

وتوضح أجهزة الاستشعار هذا التحول على نحو بالغ الوضوح. فخلال الحرب الباردة، كانت الحرب الدقيقة تتطلب أنظمة استطلاع عسكرية باهظة التكلفة. أما اليوم، فتقدم الأقمار الصناعية التجارية صورًا لم تكن متاحة في السابق إلا للحكومات. وتنتج الكاميرات عالية الدقة، وأجهزة الاستشعار الحرارية، ومحددات المدى بالليزر، ورقائق الملاحة لصناعات مدنية تشمل الزراعة والمركبات ذاتية القيادة. وهكذا، انهارت بصورة متواصلة الحواجز التي كانت تفصل بين التكنولوجيا العسكرية والمدنية.

وسرّع الذكاء الاصطناعي هذه العملية بدرجة أكبر. فالنماذج اللغوية الكبيرة، وأنظمة الرؤية الحاسوبية، والبرمجيات مفتوحة المصدر توفر قدرات كانت تتطلب في الماضي مؤسسات متخصصة. وقد حوّلت الاستثمارات الخاصة الهائلة البرمجيات المتقدمة إلى سلعة متاحة عالميًا، إذ تجاوزت إيرادات أشباه الموصلات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وحدها 200 مليار دولار سنة 2025. وعلى نطاق أوسع، بات من الممكن توفير قدرات كانت تستلزم سابقًا برامج عسكرية بمليارات الدولارات من خلال مكونات يمكن شراؤها عبر القنوات التجارية العادية. ويمكن للطائرات المسيّرة الصغيرة، التي تُجمع من إلكترونيات متاحة في الأسواق التجارية، أن تحقق اليوم تأثيرات كانت ترتبط في السابق بأسلحة متطورة لا تصنعها إلا الدول.

وتجسد الطائرة المسيّرة الإيرانية «شاهد-136» هذا التحول. فبدلًا من الاعتماد على تكنولوجيا عسكرية باهظة وشديدة التعقيد، تجمع هذه الطائرة بين رقائق ملاحة متاحة تجاريًا، ووحدات قياس بالقصور الذاتي، ومستقبلات للأقمار الصناعية، ووحدات اتصالات، ومعالجات وبرمجيات صُمم كثير منها أصلًا للإلكترونيات المدنية، إلى جانب هيكل ومحرك بسيطين. والنتيجة هي سلاح دقيق جرى تجميعه إلى حد كبير من مكونات أتاحتها سلاسل التوريد التجارية العالمية نفسها التي تشغّل الاقتصاد الرقمي. والمغزى ليس أن طائرة «شاهد» متطورة تكنولوجيًا، بل إنها ليست كذلك أصلًا.

لقد كافأ الاقتصاد العالمي نفسه الذي كافأ الكفاءة سهولة الوصول أيضًا. فقد تنافست الشركات من خلال خفض التكاليف، وتوسيع الإنتاج، وتوزيع التكنولوجيا عبر الأسواق الدولية. وكل تحسن جعل الهواتف الذكية أرخص، والبطاريات أكثر كفاءة، والمعالجات أكثر قوة، أدى في الوقت نفسه إلى تعزيز القدرات المتاحة للدول الأضعف، وحتى للفاعلين من غير الدول.

غير أن العولمة نفسها التي ولّدت ازدهارًا استثنائيًا أنشأت أيضًا نظمًا مترابطة تنتج فيها الاضطرابات المحلية تداعيات عالمية. فالأنظمة شديدة التحسين غالبًا ما تكون هشة، إذ يمكن لاضطراب في منطقة واحدة أن يولّد آثارًا على بعد آلاف الأميال. فعلى سبيل المثال، أثّر نقص أشباه الموصلات خلال جائحة كوفيد-19 في إنتاج السيارات عبر قارات عدة. وفي عامي 2024 و2025، شن الحوثيون المتحالفون مع إيران في اليمن هجمات عديدة على السفن المارة في البحر الأحمر، الذي يؤدي إلى قناة السويس ويربط أوروبا بآسيا، وذلك في إطار مواجهتهم الأوسع مع إسرائيل. ولم يكن المسلحون قادرين على هزيمة خصومهم الأكثر قوة في معارك تقليدية، لكنهم استطاعوا استخدام الحرب الدقيقة لفرض تكاليف هائلة على الاقتصاد العالمي. واضطرت شركات الشحن الكبرى إلى تحويل مسارات سفنها حول رأس الرجاء الصالح بسبب ارتفاع تكاليف عدم اليقين، بما في ذلك إطالة أوقات العبور وارتفاع أقساط التأمين.

ساعدت العولمة على إخراج أدوات الحرب الدقيقة من احتكار الدول المتقدمة. وبحلول منتصف عشرينيات القرن الحادي والعشرين، بدأ انتشار القدرات الدقيقة يقلب هذه العلاقة، ويجعل القوى الكبرى عرضة لخصوم أضعف منها بكثير. وبهذا المعنى، احتوى نجاح نظام ما بعد الحرب الباردة على تناقض غير متوقع: فالقوى الاقتصادية التي عززت النظام أنتجت تدريجيًا كثيرًا من التكنولوجيات التي جعلت الحفاظ عليه أكثر كلفة باطراد.​

الأشياء تتداعى​

بدت الأسلحة الموجّهة بدقة وكأنها تحل واحدة من أقدم المشكلات في التاريخ العسكري. فلم تعد القوى الكبرى بحاجة إلى احتلال الأراضي لتحقيق أهداف استراتيجية. وأصبح من الممكن أن تحل القوة الجوية محل القوة البرية، وأن تحل التكنولوجيا محل الحشود البشرية. وكان الدرس الذي استخلصه كثير من المراقبين من حرب سنة 1991 واضحًا ومباشرًا: إذا استطاعت الولايات المتحدة تحديد الأهداف، فإنها تستطيع قمع المقاومة من دون احتلال مساحات واسعة من الأراضي.

لكن الحرب مع إيران كشفت الآن حدود هذا الافتراض. كما أعلنت وصول ثورة ثانية في الحرب الدقيقة. فإذا كانت الصورة التي طبعت الأذهان في كانون الثاني/يناير 1991 هي قنبلة موجّهة بالليزر تدخل مجرى تهوية في بغداد، فإن الصورة المميزة للحرب مع إيران هي طائرة مسيّرة صغيرة أحادية الاتجاه، جُمعت من إلكترونيات تجارية، وأطلقها فريق متنقل من مكان ما على طول الساحل الجنوبي لإيران، لتنطلق محلقة نحو أهداف في الخليج.

أدى انتشار التكنولوجيا الجديدة إلى توفير طائرات مسيّرة رخيصة، وصواريخ كروز، وأجهزة استشعار تجارية، وفرق إطلاق متنقلة. ولم يكن هدف إيران قط إلحاق هزيمة صريحة بالقوة البحرية الأميركية في معارك السفن التقليدية. بل كان هدفها إقناع الفاعلين التجاريين بأن القوة البحرية الأميركية لم تعد قادرة على ضمان أمنهم المطلق.

وقد ثبت أن ذلك كان كافيًا. ففي الأسابيع التي تلت اندلاع الحرب، واصلت ناقلات النفط حركتها عبر الخليج، لكن أقساط التأمين ارتفعت بشدة، وتراجعت حركة الملاحة مع انتشار حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة. وخلال أزمات سابقة في كل من مضيق هرمز والبحر الأحمر، ارتفعت أقساط مخاطر الحرب إلى أضعاف مستوياتها المعتادة، وأعادت شركات الشحن توجيه سفنها آلاف الأميال حول أفريقيا بدلًا من تحمل المخاطر المتزايدة. فالاقتصادات الحديثة لا تحتاج إلى النفط فحسب، بل تحتاج إلى وصوله في الموعد المحدد، وبكميات كبيرة، وفي ظروف يمكن التنبؤ بها. وعندما تنهار الثقة، قد يظل الممر المائي مفتوحًا ماديًا، لكنه يصبح غير موثوق استراتيجيًا.

جاء الرد الأميركي على محاولة إيران إغلاق مضيق هرمز وفق المنطق التقليدي للقوى الكبرى. فقد استهدفت الولايات المتحدة، بالتعاون مع إسرائيل، مواقع الرادار، وبطاريات الصواريخ، ومنشآت الطائرات المسيّرة، ومناطق الإطلاق في جنوب إيران، ودمرت آلاف الأهداف. لكن الأنظمة البديلة سرعان ما ظهرت من جديد. فقد استطاعت إيران تشتيت منصات الإطلاق المتنقلة وإخفاءها وإعادة بنائها بوتيرة أسرع من القدرة على تدميرها. وتحولت المشكلة، التي بدت في البداية بحرية، تدريجيًا إلى مشكلة برية. إذ استطاعت الولايات المتحدة تدمير عدد محدود من منصات الإطلاق، لكنها لم تستطع فرض السيطرة على آلاف الأميال المربعة من الأراضي. وأظهر إسقاط إيران مروحية أميركية من طراز «أباتشي» في حزيران/يونيو المأزق الأميركي. فباستخدام طائرة «شاهد» لا تتجاوز تكلفتها 20 ألف دولار، دمّرت إيران أصلًا عسكريًا متقدمًا تبلغ قيمته 35 مليون دولار. وحتى أقوى جيش على وجه الأرض لا يستطيع القضاء على تهديد الطائرات المسيّرة الرخيصة.

ويمثل استمرار تحدي إيران للولايات المتحدة أكثر من مجرد نجاح تكتيكي. إذ تتعامل إيران، بصورة متزايدة، مع ساحات القتال المنفصلة بوصفها مكونات داخل منظومة استراتيجية واحدة. فهي تدعم أنشطة حزب الله في لبنان، والميليشيات المتحالفة معها في العراق، والحوثيين في اليمن. كما استهدفت قواعد أميركية وبنى تحتية حيوية في دول الخليج المجاورة. والنتيجة هي نشوء مجال نفوذ إيراني لا يُبنى من خلال الغزو، بل من خلال التعطيل المستمر. وقد جعلت الثورة الثانية في الحرب الدقيقة هذا النوع واسع النطاق والعنيد من التعطيل أمرًا ممكنًا.

ليس مقدرًا لإيران أن تصبح القوة المهيمنة في الشرق الأوسط. فاقتصادها لا يزال ضعيفًا، وجيشها التقليدي لا يزال أدنى من جيشي الولايات المتحدة وإسرائيل، كما أن كثيرًا من الحكومات العربية لا تزال تخشى طهران أكثر مما تثق بها. لكن نجاحها العملياتي قد يولّد فرصة سياسية. فإذا خلصت الحكومات والأسواق والقوى الخارجية بصورة متزايدة إلى أنه لا يمكن اتخاذ أي قرار رئيسي في الخليج من دون مراعاة التفضيلات الإيرانية، فإن النفوذ العسكري الإيراني سيتحول تدريجيًا إلى نفوذ سياسي. فأسواق التأمين، وتجار الطاقة، وشركات الشحن، والحكومات الإقليمية، لا تستجيب للقوة القائمة وحدها، بل أيضًا للتوقعات المتغيرة بشأن شكل القوة في المستقبل. تتغير التوقعات أولًا، ثم تلحق بها المؤسسات عادةً في مرحلة لاحقة.

ولا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت إيران ستنجح في نهاية المطاف في تحويل نفوذها العملياتي إلى شكل من أشكال الزعامة الإقليمية، ولا سيما أنه لا يزال من غير الواضح كيف ستنتهي المرحلة الحالية من القتال. لكن انتشار تكنولوجيات الدقة قلب المعادلة. فقد أوحى الانتصار الأميركي السريع والحاسم في حرب الخليج بأن الحرب الدقيقة تتيح للقوى الكبرى السيطرة على الأراضي المتنازع عليها بتكلفة منخفضة نسبيًا. أما الحرب مع إيران فتشير، على العكس من ذلك، إلى أن انتشار تكنولوجيا الدقة يربك القوى الكبرى، ويجعل السيطرة على المساحات المتنازع عليها أكثر صعوبة بكثير.​

ساحة المعركة المقبلة​

قد يتكرر ما حدث في مضيق هرمز على نطاق أكبر بكثير في شرق آسيا. فالسيناريو التقليدي لنشوب صراع حول تايوان يفترض أن الصين ستفرض حصارًا على الجزيرة، وأن تايوان ستعاني تحت وطأة هذا الحصار. غير أن الثورة الثانية في الحرب الدقيقة تطرح احتمالًا أكثر تعقيدًا، يتمثل في قدرة تايوان على استخدام الطائرات المسيّرة، وبطاريات الصواريخ المتنقلة، وأجهزة الاستشعار التجارية، والذكاء الاصطناعي، لتعطيل التجارة البحرية الصينية وتهديدها.

يمر نحو خُمس التجارة البحرية العالمية عبر مضيق تايوان، ما يجعله واحدًا من أهم الممرات المائية اقتصاديًا في العالم. وعلى الرغم من النجاح الاقتصادي الاستثنائي الذي حققته الصين، يعتمد نحو 40 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي على التجارة، ويجري الجزء الأكبر منها بحرًا. وكما اختارت إيران تحويل مضيق هرمز، بوصفه نقطة اختناق، إلى أداة استراتيجية، يمكن لتايوان أن تفعل الشيء نفسه.

يمكن النظر إلى تايوان بوصفها منصة إطلاق ضخمة غير قابلة للإغراق، تمتلك آلاف الطائرات المسيّرة التي يصل مداها إلى 750 ميلًا. وتقع الموانئ البحرية الصينية الرئيسية ضمن هذا المدى، بما في ذلك ميناء شنغهاي، وميناء نينغبو-تشوشان، وميناء شنجن. ولذلك، لا يقتصر الخطر على حركة الملاحة العابرة لمضيق تايوان. بل تستطيع تايبيه إلحاق أضرار أكبر بخصمها الأضخم، وتهديد المسارات البحرية التجارية المؤدية إلى الموانئ الصينية الرئيسية بصورة متواصلة، حتى في غياب حصار رسمي.

يمكن للصين إعادة توجيه بعض السفن إلى شرق تايوان أو عبر ممرات بحرية أبعد بالقرب من دول أخرى. لكن، كما كانت الحال عند تحويل مسارات السفن حول رأس الرجاء الصالح خلال أزمة البحر الأحمر، لا تتعلق المسألة بما إذا كانت التجارة قادرة على الاستمرار أصلًا، بل بما إذا كانت تستطيع الاستمرار بصورة قابلة للتنبؤ وبتكاليف مقبولة. وستنبع قوة تايوان التفاوضية من موقعها الجغرافي الذي يتحكم في الممرات البحرية المؤدية إلى القلب الصناعي للصين، ومن قدرة الجزيرة، بفضل الثورة الثانية في الحرب الدقيقة، على جعل تلك الممرات محفوفة بالمخاطر بصورة دائمة.

لن تحتاج تايوان إلى إغراق عدد كبير من السفن لإحداث تداعيات مؤثرة في جيش التحرير الشعبي الصيني. فقد تكون مجموعة محدودة من هجمات الطائرات المسيّرة الناجحة، أو حتى مجرد احتمال وقوع هجمات مستقبلية، كافية لإطلاق سلسلة مألوفة من التطورات: ارتفاع حاد في أقساط التأمين، وإعادة شركات النقل التجارية تقييم المخاطر، وتراجع حركة الملاحة. وقد تتسلسل الاضطرابات الاقتصادية حتى لو ظل حجم الدمار المادي محدودًا. ونظرًا إلى اعتماد العالم على السلع الصينية، ستكون التداعيات على معظم الدول شديدة، وقد تظهر خلال أشهر، بما يهدد بانكماش الاقتصاد العالمي. ومن المرجح أن يتعرض الاقتصاد الصيني المعتمد على التجارة لأشد صدمة خارجية منذ إطلاق الإصلاحات الاقتصادية الكبرى في ثمانينيات القرن العشرين. وسيتعين عليه مواجهة انهيار الثقة التي تقوم عليها التجارة الحديثة. وستتعرض واردات الطاقة، وسلاسل التوريد الصناعية، وقطاعات التصدير، وتمويل الشحن، والاستثمارات الأجنبية، لضغوط متزامنة.

وقد تدفع الصعوبات التي واجهتها الولايات المتحدة خلال الحرب مع إيران الصينَ فعليًا إلى إدراك حماقة مهاجمة تايوان، إذ يمكن للجزيرة أن تكرر الاستراتيجية الإيرانية، مع ما قد يترتب على ذلك من تداعيات هائلة على الصين والعالم.​

القواعد الجديدة للقوة​

قد تتركز الصراعات المستقبلية بصورة متزايدة حول نقاط الاختناق الاقتصادية الرئيسية في العالم، بما في ذلك مضيق تايوان، وبحر الصين الجنوبي، ومضيق ملقا، والبحر الأحمر، ومضيق هرمز نفسه. وستؤدي زيادة أقساط التأمين، وارتفاع تكاليف الشحن، وإنشاء سلاسل توريد مكررة، والحاجة إلى الاحتفاظ بمخزونات أكبر واحتياطيات استراتيجية، والضغوط السياسية من أجل توطين الإنتاج، إلى رفع تكاليف التجارة الدولية تدريجيًا. وسيعود العالم الذي سوّته العولمة إلى الامتلاء بالنتوءات والشقوق. ونتيجة لذلك، بدأت تظهر الآن مجموعة جديدة من الافتراضات والقواعد التي ستحكم النظام العالمي.

لم يعد التفوق العسكري الأميركي يضمن تحقيق النتائج السياسية بتكلفة منخفضة. فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك قوة تدميرية لا تضاهيها قوة أخرى. غير أن تدمير الأهداف شيء، وتحديد نتائج الصراع شيء آخر. وبقدر ما تستطيع واشنطن معاقبة خصومها، فإنها تواجه صعوبة في إجبارهم على الامتثال لإرادتها. ولم يعد التصعيد يصب تلقائيًا في مصلحة الولايات المتحدة. فالأسلحة الدقيقة، والجغرافيا، والشبكات الموزعة، تسمح للفاعلين الأضعف برفع التكاليف بوتيرة أسرع من قدرة القوى الأقوى على احتواء هذه التهديدات. ويمكن للولايات المتحدة التصعيد باستخدام القوة الجوية، بل وحتى نشر قوات برية، لكنها لم تعد تحتفظ بالهيمنة على مسار التصعيد.

وفي الوقت نفسه، لم يعد التدخل الأميركي يضمن الاستقرار الاقتصادي في المنطقة المستهدفة. فعلى مدى ثلاثة عقود، افترضت الأسواق أن القوة الأميركية تساعد على تقليل المخاطر. أما اليوم، فقد أصبحت التدخلات الأميركية تؤجج حالة عدم اليقين. لقد أوجدت العولمة ازدهارًا استثنائيًا، لكنها أنشأت أيضًا مواطن ضعف لا يمكن للقوة العسكرية وحدها إزالتها بسهولة. وترى القوى الأضعف الآن أن تحدي الولايات المتحدة ممكن، وأن المقاومة لم تعد تبدو عديمة الجدوى بصورة واضحة. ولا تحتاج هذه القوى إلى هزيمة الولايات المتحدة حتى تتمكن من إحباطها. بل يكفيها أن تقوّض الثقة، وتفرض التكاليف، وتصمد مدة أطول من الفترة التي يتوقع الآخرون خلالها هزيمتها. ولم يعد الهدف هو تحقيق نصر تقليدي في ساحة المعركة، بل خلق أدوات ضغط من خلال التعطيل.

ولا يعني ذلك أن كل دولة ضعيفة قادرة اليوم على إحباط الولايات المتحدة، بل يعني أن عددًا أكبر بكثير من الدول مرشح لاكتساب هذه القدرة مع استمرار انتشار تكنولوجيات الثورة الثانية في الحرب الدقيقة. وستسهم الجغرافيا، والأهداف الاستراتيجية، وإمكانية الوصول إلى أنظمة دقيقة منخفضة التكلفة، في رسم ملامح هذه البيئة الجيوسياسية الجديدة.

خلال معظم مراحل التاريخ الحديث، حولت الدول الأقوى ثروتها الاقتصادية إلى تفوق عسكري، ثم حولت تفوقها العسكري إلى نفوذ سياسي. وبدا عصر ما بعد الحرب الباردة وكأنه يعزز هذه العلاقة. غير أن الثورة الثانية في الحرب الدقيقة تشير إلى نمط مختلف. فالنجاح الاقتصادي يؤدي إلى انتشار التكنولوجيات الجديدة واعتمادها على نطاق واسع، وهو ما يساعد الفاعلين الأضعف، ويتيح لهم فرض تكاليف على الخصوم الأقوى تفوق بكثير ما كانوا قادرين على فرضه في الماضي. ولا تُقاس القوة الجيوسياسية لدولة كبرى، مثل الولايات المتحدة، بقدرتها على السيطرة على الآخرين بقدر ما تعكس مستوى الثقة التي يضعها هؤلاء في الأنظمة التي تحافظ عليها تلك الدولة وتشكل ركيزتها الأساسية.

وقد يتبين أن مضيق هرمز لم يكن سوى البداية. فإذا ظهرت الآليات نفسها حول تايوان، فإن العصر المقبل من السياسة الدولية لن يتحدد بتوسع العولمة، بل بتكاليف حمايتها.​
 
عودة
أعلى