موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح: نقد الاستعمار أم إعادة إنتاج علاقاته؟

memoa

Well-known member
قليلة هي الروايات العربية التي نالت ما نالته "موسم الهجرة إلى الشمال" من اهتمام نقدي عالمي. فهذه الرواية التي نشرها الكاتب السوداني الطيب صالح عام 1966 اختارتها الأكاديمية العربية في دمشق عام 2001 بوصفها أهم رواية عربية في القرن العشرين، وتُرجمت إلى عشرات اللغات، وصارت نصًا أساسيًا في دراسات ما بعد الاستعمار في الجامعات حول العالم. ولم يأتِ هذا الاهتمام من فراغ، فالرواية تطرح بجرأة نادرة سؤال العلاقة بين الشرق والغرب، بين المستعمِر والمستعمَر، بين الشمال والجنوب، لكنها تطرحه بطريقة مركبة ومقلقة، تجعل القارئ يتساءل: هل تنتقد هذه الرواية الاستعمار فعلًا، أم أنها تكشف كيف يعيد ضحاياه إنتاج علاقاته وعنفه بطرق جديدة؟

مياه نهر تحيط بها أشجار النخيل تستحضر قرية ود حامد على ضفاف النيل في رواية موسم الهجرة إلى الشمال


عودة الراوي ولغز مصطفى سعيد​


تبدأ الرواية بعودة الراوي، وهو شاب سوداني أمضى سبع سنوات في إنجلترا يدرس الأدب ونال شهادة الدكتوراه في الشعر الإنجليزي، إلى قريته الصغيرة عند منحنى النيل. يعود مملوءًا بالحنين، ويشعر بالدفء وهو يرى النخلة أمام بيتهم وأهله وأصدقاء طفولته، ويؤكد لنفسه أن الحياة هنا لم تتغير، وأنه ما زال ابن هذه الأرض. لكن هذا الاطمئنان سرعان ما يهتز حين يلاحظ بين وجوه القرية وجهًا غريبًا لرجل وافد اسمه مصطفى سعيد، استقر في القرية قبل سنوات، وتزوج من إحدى بناتها، ويعيش حياة هادئة كأي مزارع بسيط.

وذات ليلة، وتحت تأثير الشراب، يتلو مصطفى سعيد قصيدة إنجليزية بإتقان مدهش، فيدرك الراوي أن هذا الرجل ليس كما يبدو. ومن هنا يبدأ لغز الرواية، ويبدأ مصطفى سعيد في الكشف عن ماضيه شيئًا فشيئًا: طفولته اليتيمة، وذكاؤه الخارق الذي لفت انتباه الإنجليز، وسفره إلى القاهرة ثم لندن، وتفوقه الأكاديمي حتى صار أستاذًا للاقتصاد، ثم حياته المظلمة في العاصمة البريطانية.

غزو معكوس: الجسد ساحة للصراع​


في لندن، يتحول مصطفى سعيد إلى شخص آخر. فهو يستخدم صورته بوصفه رجلًا أفريقيًا غامضًا لإغواء النساء الإنجليزيات، مستغلًا خيالهن الاستشراقي عن الشرق الساحر والجنوب المثير. يحيط غرفة نومه بالبخور والسجاد والتحف الشرقية، ويروي لهن حكايات مختلقة عن الصحراء والنيل، فينجذبن إليه كما تنجذب الفراشات إلى النار. لكن هذه العلاقات تنتهي نهايات مأساوية، إذ تنتحر عدد من النساء اللواتي ارتبطن به.

ويعلن مصطفى سعيد في لحظة من لحظات الرواية أنه جاء إلى أوروبا غازيًا، في قلب واضح لمعادلة الاستعمار. فإذا كان الأوروبي قد غزا أفريقيا بجيوشه واقتصاده وثقافته، فإن مصطفى سعيد يحاول أن يغزو أوروبا بجسده، ويحول غرفة نومه إلى ساحة معركة ينتقم فيها من تاريخ القهر. وتصل هذه العلاقة المريضة إلى ذروتها مع جين موريس، المرأة الوحيدة التي تتحداه وتقاومه وتذله، فيتزوجها في علاقة تقوم على الصراع والعنف، وتنتهي بقتلها.

وهنا يطرح النقاد سؤالهم المحوري: هل يمثل مصطفى سعيد مقاومة للاستعمار، أم أنه نتاج له؟ إن رده على الاستعمار لا يحرره، بل يحوله إلى نسخة أخرى من المستعمِر، يمارس الهيمنة والعنف والتملك على أجساد الآخرين. والانتقام الذي يمارسه لا يمس البنية الاستعمارية، بل يدمر نساء أفرادًا ويدمره هو نفسه. فالرواية بهذا المعنى لا تمجد هذا النوع من المقاومة، بل تكشف عقمه ومأساويته.

ومن اللافت أن الطيب صالح يربط بين هذا الغزو المعكوس وبين المعرفة نفسها. فمصطفى سعيد لم يكن رجلًا جاهلًا، بل كان من أذكى العقول، تشرب الثقافة الإنجليزية حتى صار يتقن لغتها وآدابها أفضل من أهلها. لكن هذه المعرفة لم تمنحه السلام، بل زادت من انقسامه الداخلي، فهو يتحدث لغة المستعمر ويفكر بأدواته، ومع ذلك يشعر في أعماقه بالغربة والحقد. وكأن الرواية تقول إن التعليم الاستعماري ينتج نخبة ممزقة، تعرف الغرب جيدًا لكنها لا تجد لنفسها مكانًا فيه ولا في وطنها.

المحاكمة: من يحاكم من؟​


حين يُحاكم مصطفى سعيد في لندن بتهمة قتل زوجته، يتحول المشهد إلى مسرح رمزي بالغ الدلالة. فمحاموه يحاولون تبرئته بتصويره ضحية لصدمة ثقافية، وكأنه طفل بريء أفسدته الحضارة الأوروبية. أما هو فيشعر بالرغبة في أن يصرخ أمامهم بأنه ليس ضحية ولا بريئًا، بل كاذب ومدعٍ، وأن هذه المحكمة كلها مسرحية. ويُحكم عليه بالسجن سبع سنوات فقط.

إن هذه المحاكمة تعري النظرة الاستعمارية حتى في تعاطفها، فالأوروبي لا يرى في الأفريقي إنسانًا مسؤولًا عن أفعاله، بل كائنًا يحتاج إلى التفسير والشفقة. وفي المقابل، يرفض مصطفى سعيد هذا الدور، لكنه لا يملك بديلًا عنه، فهو عالق بين صورتين مفروضتين عليه: صورة الغازي الشرس وصورة الضحية المسكينة.

القرية ليست بريئة أيضًا​


قد يتوقع القارئ أن تقدم الرواية القرية السودانية بوصفها فضاء النقاء والأصالة في مواجهة فساد الغرب، لكن الطيب صالح يفاجئنا برفض هذه الثنائية. فالقرية تحمل عنفها الخاص، وأوضح تجلياته في مصير حسنة بنت محمود، أرملة مصطفى سعيد بعد اختفائه في فيضان النيل. فقد أُجبرت على الزواج من ود الريس، الشيخ المسن الذي عُرف بكثرة زيجاته، رغم رفضها الصريح، فانتهى الأمر بمأساة دموية قتلت فيها الرجل ثم قتلت نفسها.

هذه الحكاية تكشف أن القهر لا يأتي من الخارج فقط، فالمرأة في القرية تعاني من سلطة ذكورية تقليدية لا تقل قسوة عن السلطة الاستعمارية. وبهذا تتسع الرواية لتصبح نقدًا شاملًا لكل أشكال الهيمنة، سواء جاءت من المستعمِر الأوروبي أو من التقاليد المحلية. ولعل الراوي، الذي كان يحب حسنة سرًا ولم يتدخل لإنقاذها، يمثل المثقف العاجز الذي يرى الظلم ولا يفعل شيئًا.

الراوي: قرين مصطفى سعيد​


مع تقدم الرواية يتضح أن الراوي ليس مجرد شاهد على حكاية مصطفى سعيد، بل هو قرينه وظله. فكلاهما تلقى تعليمه في الغرب، وكلاهما عاد إلى القرية، وكلاهما يعيش انقسامًا داخليًا بين عالمين. والفرق أن مصطفى سعيد اختار طريق الصدام والعنف، بينما اختار الراوي طريق الحياد والاستسلام للوظيفة الحكومية. وحين يدخل الراوي في النهاية الغرفة السرية التي بناها مصطفى سعيد في بيته على الطراز الإنجليزي، المليئة بالكتب والصور واللوحات، يواجه في الحقيقة نفسه وصورته المحتملة.

وتنتهي الرواية بمشهد شهير، إذ ينزل الراوي إلى النيل ويسبح نحو الضفة الشمالية، ثم يتوقف في المنتصف عاجزًا عن التقدم أو التراجع، ويقرر أن يختار الحياة، فيصرخ طالبًا النجدة. وهذه النهاية المفتوحة تحمل دلالة عميقة: فالإنسان العربي والأفريقي بعد الاستعمار عالق بين ضفتين، ولا يملك ترف الانتماء الكامل إلى أي منهما، لكنه يستطيع على الأقل أن يختار الحياة وأن يطلب العون.

بين النقد وإعادة الإنتاج​


إذن، هل تنتقد الرواية الاستعمار أم تعيد إنتاج علاقاته؟ الأرجح أنها تفعل الأمرين معًا بوعي فني بالغ. فهي تكشف أن الاستعمار لا ينتهي بخروج الجيوش، بل يترك أثره العميق في نفوس المستعمَرين، ويدفعهم أحيانًا إلى تقليد مستعمرهم في عنفه وهيمنته. وهي في الوقت نفسه تنتقد هذا التقليد، وتظهر عقمه ونهاياته المأساوية. إن عبقرية الطيب صالح تكمن في أنه لم يكتب رواية دعائية ضد الاستعمار، بل كتب رواية إنسانية معقدة تجعلنا نفهم كيف يتسلل القهر إلى داخل الضحية نفسها.

وقد أثارت الرواية عند صدورها جدلًا واسعًا بسبب جرأتها في تناول الجنس والعنف، ومُنعت في بعض البلدان لفترات، لكن هذا الجدل لم يمنعها من أن تصبح نصًا كلاسيكيًا. ويعود ذلك إلى لغتها الشعرية الآسرة، وبنائها المحكم الذي يتنقل بين الحاضر والماضي، وقدرتها على الجمع بين الحكاية المشوقة والعمق الفكري. وما زالت أسئلتها حاضرة بقوة في عالم اليوم، حيث تتجدد قضايا الهجرة والهوية والعلاقة بين الشمال والجنوب في أشكال جديدة.

ما قراءتك لشخصية مصطفى سعيد؟ هل تراه ضحية أم جلادًا أم الاثنين معًا؟ شاركنا رأيك في الردود.
 
عودة
أعلى