حين فازت رواية "مصائر" للكاتب الفلسطيني ربعي المدهون بالجائزة العالمية للرواية العربية عام 2016، لفتت الأنظار ليس فقط بموضوعها الفلسطيني، بل ببنائها الفني المبتكر وجرأتها في طرح أسئلة شائكة طالما تجنبها كثيرون. فالرواية التي تحمل عنوانًا فرعيًا لافتًا هو "كونشرتو الهولوكوست والنكبة" لا تكتفي بسرد مأساة الفلسطينيين، بل تضعها في حوار معقد مع المأساة اليهودية، وتطرح أسئلة عن الهوية والبقاء والعودة لا تقبل الإجابات السهلة. وهي رواية عن الفلسطينيين الموزعين بين المنفى في أوروبا، والبقاء داخل أراضي عام 1948، واللجوء في المخيمات، وعن الأشكال المختلفة التي تتخذها الهوية في كل حالة من هذه الحالات.
أول ما يلفت القارئ في "مصائر" بناؤها المستوحى من الموسيقى الكلاسيكية. فالرواية مقسمة إلى أربع حركات، كما في الكونشرتو، ولكل حركة شخصياتها وإيقاعها الخاص، ثم تلتقي الخيوط في الحركة الأخيرة. ويوضح الكاتب أن الكونشرتو يقوم على حوار بين آلة منفردة والأوركسترا، وكأنه يقترح أن الحكايات الفردية للفلسطينيين في أماكن الشتات المختلفة هي أصوات منفردة تتحاور مع الأوركسترا الكبيرة للتاريخ.
هذا البناء ليس زخرفًا شكليًا، بل يعكس رؤية الرواية للهوية الفلسطينية بوصفها هوية متعددة الأصوات، لا يمكن اختزالها في صوت واحد أو تجربة واحدة. ففلسطيني لندن يختلف عن فلسطيني يافا، وكلاهما يختلف عن فلسطيني المخيم، ومع ذلك تجمعهم ذاكرة واحدة وجرح واحد. والرواية تحاول أن تسمع هذه الأصوات كلها، وأن تجعلها تتناغم دون أن تذوب في بعضها.
تنطلق الرواية من حكاية مؤثرة عن امرأة تعيش في لندن، تنحدر أصولها من عكا، وتوصي قبل وفاتها بأن يُقسم رمادها بين مدينتين: جزء يُنثر في لندن حيث عاشت حياتها، وجزء يعود إلى عكا حيث ولدت. وتتولى ابنتها وزوجها الفلسطيني وليد دهمان تنفيذ هذه الوصية، فيقومان برحلة إلى البلاد تتحول إلى رحلة اكتشاف للذات والمكان.
تحمل هذه الوصية رمزية عميقة، فهي تعبر عن هوية منقسمة بين مكانين، لا تستطيع أن تتخلى عن أي منهما. والرماد الذي يُقسم هو صورة للإنسان المنفي الذي يعيش بقلب مقسوم، جزء منه في الوطن الذي غادره، وجزء في الوطن البديل الذي احتضنه. والعودة هنا ليست عودة الأحياء، بل عودة الموتى، وكأن الرواية تقول بمرارة إن بعض الفلسطينيين لا يعودون إلا رمادًا.
وحين يصل وليد إلى البلاد، يكتشف أن العودة ليست بالبساطة التي تخيلها. فالأماكن تغيرت، والناس تغيروا، واللغة على الجدران صارت عبرية، وهو نفسه صار غريبًا بجواز سفره البريطاني ولهجته التي امتزجت بلكنات أخرى. ويتساءل في لحظات كثيرة إن كان يستطيع أن يعيش هنا فعلًا، أم أن الوطن صار بالنسبة إليه فكرة أكثر منه مكانًا للإقامة.
تخصص الرواية مساحة مهمة لفلسطينيي الداخل، أي الذين بقوا في أرضهم بعد عام 1948 وحملوا الجنسية الإسرائيلية. ومن خلال شخصية كاتبة فلسطينية تعيش في يافا وتكتب رواية داخل الرواية، تطرح "مصائر" أسئلة معقدة عن معنى أن تكون فلسطينيًا في دولة لا تعترف بك شعبًا، وعن العزلة التي يعيشها هؤلاء بين مجتمع إسرائيلي يراهم غرباء، وعالم عربي ينظر إليهم أحيانًا بريبة.
وهنا تتجلى قيمة الرواية في كسرها للصور النمطية. فالفلسطيني الباقي ليس خائنًا ولا متعاونًا كما صوره بعضهم في مراحل سابقة، بل هو إنسان اختار البقاء أو فُرض عليه، ودفع ثمنًا باهظًا لذلك، وحافظ على هويته في ظروف بالغة الصعوبة. وتظهر الرواية كيف يعيش هؤلاء تناقضات يومية، بين لغة الدولة ولغة الأم، بين مؤسسات الاحتلال وذاكرة النكبة، بين الرغبة في حياة طبيعية والإحساس الدائم بالتهديد.
أكثر ما أثار النقاش حول الرواية هو جمعها بين الهولوكوست والنكبة في عنوان واحد ونص واحد. ففي أحد مشاهدها يزور بعض الشخصيات متحف ذكرى المحرقة في القدس، ويقفون أمام صور الضحايا اليهود، فتتولد لديهم مشاعر متناقضة: التعاطف الإنساني مع ضحايا جريمة مروعة، والمرارة من أن هذه المأساة صارت تستخدم لتبرير مأساة أخرى وقعت على شعبهم.
لا تساوي الرواية بين المأساتين، ولا تنكر أيًا منهما، بل تضعهما في حوار صعب، وتسأل: هل يمكن للضحية أن تعترف بألم الآخر دون أن تتنازل عن حقها؟ وهل يمكن للذاكرتين أن تتجاورا دون أن تلغي إحداهما الأخرى؟ وهذه الأسئلة جريئة في سياق عربي اعتاد أن يتعامل مع موضوع المحرقة بحذر شديد، لكنها تعكس نضجًا فكريًا وإنسانيًا يسعى إلى فهم التاريخ بكل تعقيداته، لا إلى تبسيطه في ثنائيات حادة.
وقد انقسم القراء والنقاد حول هذا الطرح، فرأى فريق منهم أنه شجاعة أدبية تخرج الرواية الفلسطينية من خطاب الضحية المنغلق إلى أفق إنساني أرحب، وتخاطب القارئ العالمي بلغة يفهمها. بينما رأى فريق آخر أن وضع المأساتين جنبًا إلى جنب قد يوحي بتوازن غير موجود في الواقع، لأن الفلسطيني ما زال يعيش نكبته المستمرة، بينما صارت المحرقة جزءًا من الماضي تستثمره دولة قوية. وبين الموقفين تبقى الرواية نصًا يستفز التفكير ويرفض الإجابات الجاهزة، وهذه في حد ذاتها قيمة أدبية مهمة.
من التقنيات اللافتة في "مصائر" تقنية الرواية داخل الرواية، إذ تكتب إحدى الشخصيات عملًا أدبيًا عن فلسطيني يعيش داخل إسرائيل، ويقرأ القارئ مقاطع من هذا العمل ضمن النص الأصلي. وتتيح هذه التقنية للكاتب أن ينتقل بين مستويات متعددة من السرد، وأن يعلق على فعل الكتابة نفسه، وعلى الطريقة التي يكتب بها الفلسطينيون حكايتهم. كما تطرح سؤالًا مهمًا: هل الأدب قادر على تمثيل التجربة الفلسطينية بكل تعقيداتها؟ أم أن كل رواية تبقى مجرد زاوية نظر محدودة على واقع أكبر منها؟
وتتقاطع الحكايات في الرواية بطرق ذكية، فالشخصيات التي تبدو منفصلة في البداية تلتقي في النهاية، والمصائر التي تبدو متباعدة تكشف عن خيوط خفية تربطها. وهذا التقاطع يعكس فكرة جوهرية في الرواية: أن الفلسطينيين مهما تفرقوا في الجغرافيا، يبقون مرتبطين بشبكة من العلاقات والذكريات والمصائر المشتركة.
ورغم ثقل الموضوعات، لا تخلو الرواية من السخرية، وهي سمة يتقنها المدهون منذ روايته السابقة "السيدة من تل أبيب". فالسخرية هنا وسيلة لمقاومة الألم، ولكشف المفارقات الصارخة في الواقع الفلسطيني، كأن يحمل الفلسطيني جواز سفر أجنبيًا ليتمكن من زيارة بيته، أو أن يضطر إلى الشرح بلغة المحتل أنه ابن هذه الأرض. ويكتب المدهون بلغة سلسة قريبة من القارئ، تمزج بين السرد والتأمل والحوار، وتتنقل بين الأماكن والأزمنة بخفة.
يكشف عنوان الرواية بصيغة الجمع عن فكرتها الأساسية: فليس للفلسطينيين مصير واحد، بل مصائر متعددة رسمتها النكبة والشتات. وكل مصير من هذه المصائر يحمل نوعًا من الخسارة ونوعًا من الصمود. وفي النهاية، تطرح الرواية سؤال العودة بطريقة جديدة: هل العودة ممكنة؟ وإلى أين نعود؟ إلى المكان كما كان، أم إلى المكان كما صار؟ وهل يمكن للمنفي أن يعود دون أن يحمل معه منفاه؟ إن هذه الأسئلة التي تتركها الرواية معلقة هي ما يجعلها عملًا حيًا يتجاوز لحظة كتابته، ويظل قادرًا على محاورة قراء جدد في كل مرحلة.
هل ترى أن الجمع بين المحرقة والنكبة في عمل أدبي واحد خطوة جريئة مبررة، أم أنه يثير إشكاليات؟ شاركنا رأيك في الردود.
بناء موسيقي: الرواية بوصفها كونشرتو
أول ما يلفت القارئ في "مصائر" بناؤها المستوحى من الموسيقى الكلاسيكية. فالرواية مقسمة إلى أربع حركات، كما في الكونشرتو، ولكل حركة شخصياتها وإيقاعها الخاص، ثم تلتقي الخيوط في الحركة الأخيرة. ويوضح الكاتب أن الكونشرتو يقوم على حوار بين آلة منفردة والأوركسترا، وكأنه يقترح أن الحكايات الفردية للفلسطينيين في أماكن الشتات المختلفة هي أصوات منفردة تتحاور مع الأوركسترا الكبيرة للتاريخ.
هذا البناء ليس زخرفًا شكليًا، بل يعكس رؤية الرواية للهوية الفلسطينية بوصفها هوية متعددة الأصوات، لا يمكن اختزالها في صوت واحد أو تجربة واحدة. ففلسطيني لندن يختلف عن فلسطيني يافا، وكلاهما يختلف عن فلسطيني المخيم، ومع ذلك تجمعهم ذاكرة واحدة وجرح واحد. والرواية تحاول أن تسمع هذه الأصوات كلها، وأن تجعلها تتناغم دون أن تذوب في بعضها.
العودة إلى عكا: رماد ووصية
تنطلق الرواية من حكاية مؤثرة عن امرأة تعيش في لندن، تنحدر أصولها من عكا، وتوصي قبل وفاتها بأن يُقسم رمادها بين مدينتين: جزء يُنثر في لندن حيث عاشت حياتها، وجزء يعود إلى عكا حيث ولدت. وتتولى ابنتها وزوجها الفلسطيني وليد دهمان تنفيذ هذه الوصية، فيقومان برحلة إلى البلاد تتحول إلى رحلة اكتشاف للذات والمكان.
تحمل هذه الوصية رمزية عميقة، فهي تعبر عن هوية منقسمة بين مكانين، لا تستطيع أن تتخلى عن أي منهما. والرماد الذي يُقسم هو صورة للإنسان المنفي الذي يعيش بقلب مقسوم، جزء منه في الوطن الذي غادره، وجزء في الوطن البديل الذي احتضنه. والعودة هنا ليست عودة الأحياء، بل عودة الموتى، وكأن الرواية تقول بمرارة إن بعض الفلسطينيين لا يعودون إلا رمادًا.
وحين يصل وليد إلى البلاد، يكتشف أن العودة ليست بالبساطة التي تخيلها. فالأماكن تغيرت، والناس تغيروا، واللغة على الجدران صارت عبرية، وهو نفسه صار غريبًا بجواز سفره البريطاني ولهجته التي امتزجت بلكنات أخرى. ويتساءل في لحظات كثيرة إن كان يستطيع أن يعيش هنا فعلًا، أم أن الوطن صار بالنسبة إليه فكرة أكثر منه مكانًا للإقامة.
الباقون: فلسطينيو الداخل وأسئلة الهوية
تخصص الرواية مساحة مهمة لفلسطينيي الداخل، أي الذين بقوا في أرضهم بعد عام 1948 وحملوا الجنسية الإسرائيلية. ومن خلال شخصية كاتبة فلسطينية تعيش في يافا وتكتب رواية داخل الرواية، تطرح "مصائر" أسئلة معقدة عن معنى أن تكون فلسطينيًا في دولة لا تعترف بك شعبًا، وعن العزلة التي يعيشها هؤلاء بين مجتمع إسرائيلي يراهم غرباء، وعالم عربي ينظر إليهم أحيانًا بريبة.
وهنا تتجلى قيمة الرواية في كسرها للصور النمطية. فالفلسطيني الباقي ليس خائنًا ولا متعاونًا كما صوره بعضهم في مراحل سابقة، بل هو إنسان اختار البقاء أو فُرض عليه، ودفع ثمنًا باهظًا لذلك، وحافظ على هويته في ظروف بالغة الصعوبة. وتظهر الرواية كيف يعيش هؤلاء تناقضات يومية، بين لغة الدولة ولغة الأم، بين مؤسسات الاحتلال وذاكرة النكبة، بين الرغبة في حياة طبيعية والإحساس الدائم بالتهديد.
الهولوكوست والنكبة: حوار المآسي
أكثر ما أثار النقاش حول الرواية هو جمعها بين الهولوكوست والنكبة في عنوان واحد ونص واحد. ففي أحد مشاهدها يزور بعض الشخصيات متحف ذكرى المحرقة في القدس، ويقفون أمام صور الضحايا اليهود، فتتولد لديهم مشاعر متناقضة: التعاطف الإنساني مع ضحايا جريمة مروعة، والمرارة من أن هذه المأساة صارت تستخدم لتبرير مأساة أخرى وقعت على شعبهم.
لا تساوي الرواية بين المأساتين، ولا تنكر أيًا منهما، بل تضعهما في حوار صعب، وتسأل: هل يمكن للضحية أن تعترف بألم الآخر دون أن تتنازل عن حقها؟ وهل يمكن للذاكرتين أن تتجاورا دون أن تلغي إحداهما الأخرى؟ وهذه الأسئلة جريئة في سياق عربي اعتاد أن يتعامل مع موضوع المحرقة بحذر شديد، لكنها تعكس نضجًا فكريًا وإنسانيًا يسعى إلى فهم التاريخ بكل تعقيداته، لا إلى تبسيطه في ثنائيات حادة.
وقد انقسم القراء والنقاد حول هذا الطرح، فرأى فريق منهم أنه شجاعة أدبية تخرج الرواية الفلسطينية من خطاب الضحية المنغلق إلى أفق إنساني أرحب، وتخاطب القارئ العالمي بلغة يفهمها. بينما رأى فريق آخر أن وضع المأساتين جنبًا إلى جنب قد يوحي بتوازن غير موجود في الواقع، لأن الفلسطيني ما زال يعيش نكبته المستمرة، بينما صارت المحرقة جزءًا من الماضي تستثمره دولة قوية. وبين الموقفين تبقى الرواية نصًا يستفز التفكير ويرفض الإجابات الجاهزة، وهذه في حد ذاتها قيمة أدبية مهمة.
الرواية داخل الرواية
من التقنيات اللافتة في "مصائر" تقنية الرواية داخل الرواية، إذ تكتب إحدى الشخصيات عملًا أدبيًا عن فلسطيني يعيش داخل إسرائيل، ويقرأ القارئ مقاطع من هذا العمل ضمن النص الأصلي. وتتيح هذه التقنية للكاتب أن ينتقل بين مستويات متعددة من السرد، وأن يعلق على فعل الكتابة نفسه، وعلى الطريقة التي يكتب بها الفلسطينيون حكايتهم. كما تطرح سؤالًا مهمًا: هل الأدب قادر على تمثيل التجربة الفلسطينية بكل تعقيداتها؟ أم أن كل رواية تبقى مجرد زاوية نظر محدودة على واقع أكبر منها؟
وتتقاطع الحكايات في الرواية بطرق ذكية، فالشخصيات التي تبدو منفصلة في البداية تلتقي في النهاية، والمصائر التي تبدو متباعدة تكشف عن خيوط خفية تربطها. وهذا التقاطع يعكس فكرة جوهرية في الرواية: أن الفلسطينيين مهما تفرقوا في الجغرافيا، يبقون مرتبطين بشبكة من العلاقات والذكريات والمصائر المشتركة.
ورغم ثقل الموضوعات، لا تخلو الرواية من السخرية، وهي سمة يتقنها المدهون منذ روايته السابقة "السيدة من تل أبيب". فالسخرية هنا وسيلة لمقاومة الألم، ولكشف المفارقات الصارخة في الواقع الفلسطيني، كأن يحمل الفلسطيني جواز سفر أجنبيًا ليتمكن من زيارة بيته، أو أن يضطر إلى الشرح بلغة المحتل أنه ابن هذه الأرض. ويكتب المدهون بلغة سلسة قريبة من القارئ، تمزج بين السرد والتأمل والحوار، وتتنقل بين الأماكن والأزمنة بخفة.
مصائر متعددة لشعب واحد
يكشف عنوان الرواية بصيغة الجمع عن فكرتها الأساسية: فليس للفلسطينيين مصير واحد، بل مصائر متعددة رسمتها النكبة والشتات. وكل مصير من هذه المصائر يحمل نوعًا من الخسارة ونوعًا من الصمود. وفي النهاية، تطرح الرواية سؤال العودة بطريقة جديدة: هل العودة ممكنة؟ وإلى أين نعود؟ إلى المكان كما كان، أم إلى المكان كما صار؟ وهل يمكن للمنفي أن يعود دون أن يحمل معه منفاه؟ إن هذه الأسئلة التي تتركها الرواية معلقة هي ما يجعلها عملًا حيًا يتجاوز لحظة كتابته، ويظل قادرًا على محاورة قراء جدد في كل مرحلة.
هل ترى أن الجمع بين المحرقة والنكبة في عمل أدبي واحد خطوة جريئة مبررة، أم أنه يثير إشكاليات؟ شاركنا رأيك في الردود.