في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، بدأ عبد الرحمن منيف نشر خماسيته الروائية الضخمة "مدن الملح"، التي صدرت أجزاؤها الخمسة تباعًا: "التيه" و"الأخدود" و"تقاسيم الليل والنهار" و"المنبت" و"بادية الظلمات". وقد جاءت هذه الملحمة الروائية لتسد فراغًا كبيرًا في الأدب العربي، إذ لم يكن هناك من قبلها عمل روائي بهذا الحجم والعمق يتناول التحول الهائل الذي أحدثه اكتشاف النفط في الجزيرة العربية. فمنيف، المولود في عمّان لأب سعودي وأم عراقية، والذي درس اقتصاد النفط وعمل فيه خبيرًا، كان يملك معرفة نادرة بالموضوع، جمع فيها بين الخبرة الاقتصادية والحس الروائي. والنتيجة عمل يرى فيه كثير من النقاد واحدًا من أهم الإنجازات الروائية العربية في القرن العشرين، ويرون فيه رواية عن نهاية عالم وبداية عالم آخر.
يبدأ الجزء الأول "التيه" في وادي العيون، الواحة الخضراء التي تعيش حياة هادئة متوازنة، حيث الماء والنخيل والقوافل التي تمر محملة بالبضائع والأخبار. ويرسم منيف هذا العالم بحب كبير، بتفاصيل حياته اليومية وعلاقاته الاجتماعية وقيمه البدوية الأصيلة. لكن هذا الهدوء يتصدع مع وصول غرباء أمريكيين يحملون أدوات غريبة، ويبحثون عن شيء في باطن الأرض، بينما يراقبهم الأهالي بفضول وريبة.
ويبرز في هذا الجزء متعب الهذال، الرجل الذي يرفض هؤلاء الغرباء منذ البداية، ويحذر من الخراب الذي سيجلبونه. لكن صوته يضيع وسط الإغراءات والوعود، وحين تأتي الجرافات لتقتلع النخيل وتهدم الوادي، يختفي متعب الهذال على ظهر ناقته في الصحراء، ليتحول إلى أسطورة يتناقلها الناس، وإلى رمز للرفض الذي لا يموت. ويرى النقاد في متعب صوت الضمير الجمعي الذي يدرك بالفطرة أن ما يأتي ليس خيرًا، رغم أنه لا يملك لغة الاقتصاد والسياسة ليشرح ذلك.
ينتقل السرد بعد ذلك إلى حرّان، القرية الساحلية الصغيرة التي تتحول بسرعة مذهلة إلى مدينة نفطية تعج بالعمال والمهندسين والموظفين. ويصور منيف بدقة كيف يتحول البدو والفلاحون إلى عمال في شركة النفط، وكيف تنشأ طبقية جديدة صارخة بين الأمريكيين الذين يعيشون في مجمعات مكيفة معزولة، والعمال العرب الذين يعيشون في أكواخ بائسة تحت الشمس الحارقة. ويصف بمرارة كيف يُستغل هؤلاء العمال وتُهدر كرامتهم، وكيف ينظر إليهم الغرباء نظرة دونية.
ومن أقوى مشاهد الرواية تلك التي تصف ردود فعل الناس على التقنيات الحديثة: الراديو الذي يتكلم، والسيارات التي تسير، والطائرات التي تطير. فهي مشاهد تمزج بين الدهشة والخوف والسخرية، وتكشف الصدمة الحضارية التي عاشها مجتمع انتقل في سنوات قليلة من عالم القوافل إلى عالم الآلات، دون أن يمنح الوقت الكافي لاستيعاب هذا التحول. ثم تأتي ذروة هذا الجزء في إضراب العمال وانتفاضتهم، التي تمثل أول وعي جماعي بالظلم في هذا المجتمع الجديد.
ولا يغفل منيف عن التحول الذي يصيب العلاقات الإنسانية في هذا العالم الجديد. فالقيم البدوية التي كانت تقوم على الكرم والتضامن والشرف تبدأ في التآكل أمام سطوة المال، وتظهر شخصيات جديدة لا تعرف إلا الربح، كالتجار الذين يثرون من بيع البضائع المستوردة، والوسطاء الذين يتاجرون بحاجات العمال. وحتى الأسرة تتفكك، فالأبناء يتركون آباءهم في القرى ليعملوا في الشركة، والزوجات ينتظرن أزواجًا غائبين، والكبار يشعرون بأن العالم الذي عرفوه لم يعد موجودًا. ويرصد منيف كل ذلك بحزن عميق، لكن دون أن يقع في تمجيد ساذج للماضي، فهو يدرك أن الحياة القديمة كانت قاسية أيضًا، وأن المشكلة ليست في التغيير نفسه، بل في الطريقة التي فُرض بها من الخارج دون أن يكون للناس رأي فيه.
في الأجزاء اللاحقة، ينتقل منيف من رصد التحولات الاجتماعية إلى تشريح السلطة السياسية. فنتابع كيف تتحول المشيخة القبلية إلى سلطنة حديثة، تملك المال الهائل والجيش والمخابرات، وتتحالف مع القوى الأجنبية لحماية نفسها. ويرسم منيف شخصيات السلاطين والأمراء والحاشية بسخرية لاذعة، ويكشف الدسائس والصراعات داخل القصور، والفساد الذي ينخر في الإدارة، والقمع الذي يطال كل صوت معارض.
ومن أبرز الشخصيات في هذه الأجزاء الطبيب صبحي المحملجي، الوافد الذي يتسلق سلم السلطة بالتملق والمكر، حتى يصبح من أقرب المستشارين إلى الحكام. ومن خلاله يصور منيف نموذج الانتهازي الذي يزدهر في ظل الأنظمة المستبدة، ويحول المعرفة إلى أداة للنفوذ والثروة. كما يكشف كيف تتحول الدولة النفطية إلى دولة ريعية، يعيش فيها الناس على العطايا لا على الإنتاج، وتشتري فيها السلطة الولاء بالمال بدل أن تكسبه بالعدل والمشاركة.
يحمل عنوان الخماسية دلالة عميقة. فالملح في الصحراء يتشكل في طبقات قد تبدو صلبة، لكنها تذوب بسرعة حين يصيبها الماء. وكذلك المدن التي بنيت على النفط، فهي في رأي منيف مدن ضخمة لامعة، لكنها بلا جذور حقيقية في تاريخ المكان وثقافة أهله، وقد تذوب حين ينضب النفط أو تتغير الظروف. وقد قال منيف في أحد حواراته ما معناه إن مدن الملح هي المدن التي لا تعطي استمرارية، وإن الإنسان يحتاج إلى علاقة حقيقية بالمكان والعمل والإنتاج كي يبني حضارة.
هذه الرؤية النقدية جعلت الرواية مثار جدل واسع، فقد مُنعت في عدد من الدول، ووصفها بعض النقاد بأنها متحاملة، بينما رأى فيها آخرون شهادة شجاعة على تحول تاريخي لم يجرؤ أحد على كتابته بهذه الصراحة. وقد سُحبت الجنسية السعودية من منيف في وقت سابق بسبب مواقفه السياسية، فعاش منفيًا بين عدة عواصم عربية حتى وفاته في دمشق عام 2004.
من أبرز السمات الفنية في "مدن الملح" غياب البطل الفرد. فالرواية تتنقل بين عشرات الشخصيات، التي تظهر وتختفي، وتموت وتولد، دون أن يحتكر أي منها مركز الحكاية. والبطل الحقيقي هو المجتمع نفسه في تحوله، والمكان في تبدله، والزمن في تسارعه. وهذا الاختيار الفني يعكس رؤية منيف بأن التاريخ لا يصنعه الأفراد وحدهم، بل تصنعه حركة الجماعات والقوى الاقتصادية والسياسية الكبرى.
كما يتميز أسلوب منيف بالمزج بين اللغة الفصحى السلسة وروح الحكي الشفوي البدوي، فالراوي يبدو أحيانًا كأنه شيخ يحكي حكايات قديمة في مجلس، يستطرد ويعود، ويعلق ويسخر. وهذا الأسلوب يمنح الرواية حميمية خاصة، رغم ضخامتها واتساعها. وتتجاوز الخماسية آلاف الصفحات، وهو ما قد يرهب بعض القراء، لكن من يبدأ بالجزء الأول يجد نفسه مشدودًا إلى عالم غني بالحكايات والشخصيات، يصعب عليه مغادرته قبل أن يعرف مصائر أهله.
وقد ترجمت أجزاء من الخماسية إلى لغات عدة، ولفتت انتباه نقاد ومثقفين في العالم، ورأى فيها بعضهم نظيرًا عربيًا لروايات كبرى تناولت تحولات المجتمعات تحت ضغط الحداثة والرأسمالية، وعدّها آخرون مدخلًا لا غنى عنه لفهم الخليج العربي الحديث من الداخل، بعيدًا عن الصور السياحية والإعلامية اللامعة التي تخفي أكثر مما تظهر.
بعد عقود من صدورها، تبدو "مدن الملح" أكثر راهنية من أي وقت مضى. فأسئلتها عن الاقتصاد الريعي، وعلاقة السلطة بالثروة، والتحديث المفروض من أعلى، والتبعية للقوى الأجنبية، وتآكل القيم التقليدية دون بناء قيم بديلة، كلها أسئلة ما زالت مطروحة في المنطقة. وهي تذكرنا بأن الأدب قادر على قراءة التحولات الكبرى بعمق قد لا تبلغه الدراسات الاقتصادية والسياسية، لأنه يرى أثرها في حياة الناس ومشاعرهم وأحلامهم.
هل قرأت "مدن الملح" أو بعض أجزائها؟ وهل ترى أن رؤية منيف للتحول النفطي كانت منصفة أم قاسية أكثر من اللازم؟ شاركنا رأيك.
وادي العيون: الجنة قبل الطوفان
يبدأ الجزء الأول "التيه" في وادي العيون، الواحة الخضراء التي تعيش حياة هادئة متوازنة، حيث الماء والنخيل والقوافل التي تمر محملة بالبضائع والأخبار. ويرسم منيف هذا العالم بحب كبير، بتفاصيل حياته اليومية وعلاقاته الاجتماعية وقيمه البدوية الأصيلة. لكن هذا الهدوء يتصدع مع وصول غرباء أمريكيين يحملون أدوات غريبة، ويبحثون عن شيء في باطن الأرض، بينما يراقبهم الأهالي بفضول وريبة.
ويبرز في هذا الجزء متعب الهذال، الرجل الذي يرفض هؤلاء الغرباء منذ البداية، ويحذر من الخراب الذي سيجلبونه. لكن صوته يضيع وسط الإغراءات والوعود، وحين تأتي الجرافات لتقتلع النخيل وتهدم الوادي، يختفي متعب الهذال على ظهر ناقته في الصحراء، ليتحول إلى أسطورة يتناقلها الناس، وإلى رمز للرفض الذي لا يموت. ويرى النقاد في متعب صوت الضمير الجمعي الذي يدرك بالفطرة أن ما يأتي ليس خيرًا، رغم أنه لا يملك لغة الاقتصاد والسياسة ليشرح ذلك.
حرّان: ولادة المدينة النفطية
ينتقل السرد بعد ذلك إلى حرّان، القرية الساحلية الصغيرة التي تتحول بسرعة مذهلة إلى مدينة نفطية تعج بالعمال والمهندسين والموظفين. ويصور منيف بدقة كيف يتحول البدو والفلاحون إلى عمال في شركة النفط، وكيف تنشأ طبقية جديدة صارخة بين الأمريكيين الذين يعيشون في مجمعات مكيفة معزولة، والعمال العرب الذين يعيشون في أكواخ بائسة تحت الشمس الحارقة. ويصف بمرارة كيف يُستغل هؤلاء العمال وتُهدر كرامتهم، وكيف ينظر إليهم الغرباء نظرة دونية.
ومن أقوى مشاهد الرواية تلك التي تصف ردود فعل الناس على التقنيات الحديثة: الراديو الذي يتكلم، والسيارات التي تسير، والطائرات التي تطير. فهي مشاهد تمزج بين الدهشة والخوف والسخرية، وتكشف الصدمة الحضارية التي عاشها مجتمع انتقل في سنوات قليلة من عالم القوافل إلى عالم الآلات، دون أن يمنح الوقت الكافي لاستيعاب هذا التحول. ثم تأتي ذروة هذا الجزء في إضراب العمال وانتفاضتهم، التي تمثل أول وعي جماعي بالظلم في هذا المجتمع الجديد.
ولا يغفل منيف عن التحول الذي يصيب العلاقات الإنسانية في هذا العالم الجديد. فالقيم البدوية التي كانت تقوم على الكرم والتضامن والشرف تبدأ في التآكل أمام سطوة المال، وتظهر شخصيات جديدة لا تعرف إلا الربح، كالتجار الذين يثرون من بيع البضائع المستوردة، والوسطاء الذين يتاجرون بحاجات العمال. وحتى الأسرة تتفكك، فالأبناء يتركون آباءهم في القرى ليعملوا في الشركة، والزوجات ينتظرن أزواجًا غائبين، والكبار يشعرون بأن العالم الذي عرفوه لم يعد موجودًا. ويرصد منيف كل ذلك بحزن عميق، لكن دون أن يقع في تمجيد ساذج للماضي، فهو يدرك أن الحياة القديمة كانت قاسية أيضًا، وأن المشكلة ليست في التغيير نفسه، بل في الطريقة التي فُرض بها من الخارج دون أن يكون للناس رأي فيه.
السلطة: من المشيخة إلى الدولة
في الأجزاء اللاحقة، ينتقل منيف من رصد التحولات الاجتماعية إلى تشريح السلطة السياسية. فنتابع كيف تتحول المشيخة القبلية إلى سلطنة حديثة، تملك المال الهائل والجيش والمخابرات، وتتحالف مع القوى الأجنبية لحماية نفسها. ويرسم منيف شخصيات السلاطين والأمراء والحاشية بسخرية لاذعة، ويكشف الدسائس والصراعات داخل القصور، والفساد الذي ينخر في الإدارة، والقمع الذي يطال كل صوت معارض.
ومن أبرز الشخصيات في هذه الأجزاء الطبيب صبحي المحملجي، الوافد الذي يتسلق سلم السلطة بالتملق والمكر، حتى يصبح من أقرب المستشارين إلى الحكام. ومن خلاله يصور منيف نموذج الانتهازي الذي يزدهر في ظل الأنظمة المستبدة، ويحول المعرفة إلى أداة للنفوذ والثروة. كما يكشف كيف تتحول الدولة النفطية إلى دولة ريعية، يعيش فيها الناس على العطايا لا على الإنتاج، وتشتري فيها السلطة الولاء بالمال بدل أن تكسبه بالعدل والمشاركة.
الملح: مدن بلا جذور
يحمل عنوان الخماسية دلالة عميقة. فالملح في الصحراء يتشكل في طبقات قد تبدو صلبة، لكنها تذوب بسرعة حين يصيبها الماء. وكذلك المدن التي بنيت على النفط، فهي في رأي منيف مدن ضخمة لامعة، لكنها بلا جذور حقيقية في تاريخ المكان وثقافة أهله، وقد تذوب حين ينضب النفط أو تتغير الظروف. وقد قال منيف في أحد حواراته ما معناه إن مدن الملح هي المدن التي لا تعطي استمرارية، وإن الإنسان يحتاج إلى علاقة حقيقية بالمكان والعمل والإنتاج كي يبني حضارة.
هذه الرؤية النقدية جعلت الرواية مثار جدل واسع، فقد مُنعت في عدد من الدول، ووصفها بعض النقاد بأنها متحاملة، بينما رأى فيها آخرون شهادة شجاعة على تحول تاريخي لم يجرؤ أحد على كتابته بهذه الصراحة. وقد سُحبت الجنسية السعودية من منيف في وقت سابق بسبب مواقفه السياسية، فعاش منفيًا بين عدة عواصم عربية حتى وفاته في دمشق عام 2004.
بناء روائي بلا بطل واحد
من أبرز السمات الفنية في "مدن الملح" غياب البطل الفرد. فالرواية تتنقل بين عشرات الشخصيات، التي تظهر وتختفي، وتموت وتولد، دون أن يحتكر أي منها مركز الحكاية. والبطل الحقيقي هو المجتمع نفسه في تحوله، والمكان في تبدله، والزمن في تسارعه. وهذا الاختيار الفني يعكس رؤية منيف بأن التاريخ لا يصنعه الأفراد وحدهم، بل تصنعه حركة الجماعات والقوى الاقتصادية والسياسية الكبرى.
كما يتميز أسلوب منيف بالمزج بين اللغة الفصحى السلسة وروح الحكي الشفوي البدوي، فالراوي يبدو أحيانًا كأنه شيخ يحكي حكايات قديمة في مجلس، يستطرد ويعود، ويعلق ويسخر. وهذا الأسلوب يمنح الرواية حميمية خاصة، رغم ضخامتها واتساعها. وتتجاوز الخماسية آلاف الصفحات، وهو ما قد يرهب بعض القراء، لكن من يبدأ بالجزء الأول يجد نفسه مشدودًا إلى عالم غني بالحكايات والشخصيات، يصعب عليه مغادرته قبل أن يعرف مصائر أهله.
راهنية الخماسية
وقد ترجمت أجزاء من الخماسية إلى لغات عدة، ولفتت انتباه نقاد ومثقفين في العالم، ورأى فيها بعضهم نظيرًا عربيًا لروايات كبرى تناولت تحولات المجتمعات تحت ضغط الحداثة والرأسمالية، وعدّها آخرون مدخلًا لا غنى عنه لفهم الخليج العربي الحديث من الداخل، بعيدًا عن الصور السياحية والإعلامية اللامعة التي تخفي أكثر مما تظهر.
بعد عقود من صدورها، تبدو "مدن الملح" أكثر راهنية من أي وقت مضى. فأسئلتها عن الاقتصاد الريعي، وعلاقة السلطة بالثروة، والتحديث المفروض من أعلى، والتبعية للقوى الأجنبية، وتآكل القيم التقليدية دون بناء قيم بديلة، كلها أسئلة ما زالت مطروحة في المنطقة. وهي تذكرنا بأن الأدب قادر على قراءة التحولات الكبرى بعمق قد لا تبلغه الدراسات الاقتصادية والسياسية، لأنه يرى أثرها في حياة الناس ومشاعرهم وأحلامهم.
هل قرأت "مدن الملح" أو بعض أجزائها؟ وهل ترى أن رؤية منيف للتحول النفطي كانت منصفة أم قاسية أكثر من اللازم؟ شاركنا رأيك.