حين نشر الكاتب الفلسطيني إميل حبيبي روايته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" عام 1974، كان يقدم للأدب العربي شيئًا جديدًا تمامًا: رواية عن المأساة الفلسطينية تضحك القارئ حتى البكاء. فبطلها ليس فدائيًا ولا شهيدًا ولا لاجئًا يحن إلى قريته، بل رجل جبان متعاون مع السلطات الإسرائيلية، يتنقل بين التفاؤل والتشاؤم حتى صنع لنفسه صفة جديدة هي "المتشائل". ومن خلال هذه الشخصية الغريبة، استطاع حبيبي أن يكشف عبثية الواقع الذي عاشه الفلسطينيون الباقون في أرضهم بعد عام 1948، بأسلوب ساخر لاذع يمزج بين التراث العربي والأدب العالمي. وقد صارت كلمة "المتشائل" جزءًا من اللغة العربية الحديثة، تُستخدم لوصف كل من يعيش هذا التذبذب بين الأمل واليأس.
سعيد أبو النحس المتشائل فلسطيني بقي في أرضه بعد النكبة، وعمل مخبرًا لدى السلطات الإسرائيلية، تمامًا كما عمل أبوه من قبل في خدمة الانتداب البريطاني. وهو رجل ضعيف خائف، يريد أن ينجو بأي ثمن، ويبرر تعاونه بحجج واهية ومضحكة. وتبدأ الرواية برسائل يبعث بها سعيد إلى الراوي، يخبره فيها أنه اختفى لأنه التقى بكائنات من الفضاء الخارجي أنقذته، وأنه يكتب من مكان لا يعرفه أحد.
وهذه البداية الغرائبية ليست مجرد لعبة خيالية، بل هي إشارة ذكية إلى استحالة الخلاص في الواقع. فالفلسطيني في إسرائيل محاصر من كل الجهات، ولا يجد مخرجًا إلا بالهروب إلى الخيال، إلى الفضاء الخارجي حرفيًا. واسم البطل نفسه يحمل مفارقة ساخرة، فهو سعيد، لكنه من عائلة النحس، وكأن الحظ السيئ قدره المحتوم مهما تسمى بأسماء السعادة.
يشرح سعيد في الرواية فلسفته الخاصة في الحياة، وهي فلسفة تقوم على حمد الله أن الأسوأ لم يقع. فإذا أصابته مصيبة، قال الحمد لله أنها لم تكن أكبر. وإذا خسر شيئًا، فرح لأنه لم يخسر أكثر. وهذه الفلسفة تبدو في الظاهر حكمة شعبية بسيطة، لكنها في العمق تعبير عن حالة الاستسلام والتكيف المذل مع القهر، حين يصبح الإنسان راضيًا بالقليل لأنه يخاف من فقدان ما تبقى.
ومن خلال هذه الفلسفة، ينتقد حبيبي بسخرية لاذعة نمطًا من التفكير انتشر بين بعض الفلسطينيين الباقين، الذين اختاروا التكيف مع الواقع الجديد بدل مقاومته. لكنه لا يحتقر بطله، بل يفهم ضعفه، ويرى فيه ضحية لظروف تاريخية قاسية لم يكن يملك القوة لمواجهتها. وبهذا يتحول سعيد إلى شخصية مأساوية مضحكة، نضحك منها ونتألم لها في الوقت نفسه.
تتكون الرواية من ثلاثة كتب، يحمل كل منها اسم امرأة أحبها سعيد. فيعاد هي حبيبته الأولى التي طُردت من البلاد، وانتظر عودتها سنوات، ويحمل اسمها معنى العودة. وباقية هي زوجته التي تمثل الفلسطينيين الذين بقوا في أرضهم، وقد أنجبت له ابنًا اسمه ولاء، يتحول لاحقًا إلى فدائي يرفض الخضوع، فيموت مقاومًا. ثم تظهر يعاد الثانية، ابنة يعاد الأولى، التي تأتي في زمن لاحق لتعيد الأمل والحب من جديد.
هذه الأسماء ليست اعتباطية، بل تحمل دلالات رمزية واضحة عن حال الفلسطينيين: بين من طُرد وينتظر العودة، ومن بقي ويتمسك بالأرض، والجيل الجديد الذي يحمل الأمل. وابن سعيد، ولاء، يمثل التمرد على فلسفة أبيه المتشائلة، فهو يختار المقاومة بدل التكيف، والموت بكرامة بدل الحياة الذليلة. وموقف سعيد من ابنه يكشف تناقضه الداخلي، فهو يخاف عليه ويحاول إقناعه بالاستسلام، لكنه في أعماقه يعجب بشجاعته التي لا يملكها هو.
اختار حبيبي السخرية أسلوبًا لروايته لأسباب عدة. أولها أن السخرية تكشف العبث الكامن في الواقع، فحين يكون الواقع نفسه غير معقول، تصبح الكتابة الساخرة أصدق تعبير عنه. فالفلسطيني الذي يحمل جنسية الدولة التي احتلت أرضه، ويُطلب منه أن يحتفل بعيد استقلالها الذي هو يوم نكبته، ويُعامل كغريب في بيته، يعيش واقعًا عبثيًا لا يمكن وصفه إلا بالسخرية.
وثانيها أن السخرية تمنح الضحية قوة معنوية في مواجهة الجلاد، فالضحك من السلطة يجردها من هيبتها، ويكشف تفاهتها وتناقضاتها. وقد سخر حبيبي في الرواية من ضباط المخابرات الإسرائيليين ومن خطابهم الرسمي ومن تناقضاتهم، كما سخر من القيادات العربية وشعاراتها الفارغة، ومن السلبية التي سادت بين بعض الفلسطينيين أنفسهم. وثالثها أن السخرية كانت وسيلة للتحايل على الرقابة، فالنص الساخر يقول ما لا يستطيع النص الجاد قوله، ويمرر النقد تحت غطاء الضحك والطرافة.
ولا تخلو الرواية من لحظات تراجيدية تكسر الضحك فجأة، كمشاهد التهجير وهدم القرى ومقتل ولاء، فيجد القارئ نفسه ينتقل من القهقهة إلى الحزن في سطر واحد. وهذا الانتقال المفاجئ هو جوهر الكوميديا السوداء التي أتقنها حبيبي، إذ يجعل الضحك نفسه وسيلة لكشف الألم لا لإخفائه.
يرى النقاد أن حبيبي تأثر برواية "كانديد" للفيلسوف الفرنسي فولتير، التي تسخر من التفاؤل الساذج عبر بطل يتعرض لكل المصائب ويظل يردد أن كل شيء يسير نحو الأفضل في أفضل العوالم الممكنة. لكن حبيبي لم يقلد فولتير، بل مزج هذا التأثير بالتراث العربي الغني، فاستلهم المقامات وأدب الجاحظ وحكايات ألف ليلة وليلة، واستشهد بالشعر العربي القديم والأمثال الشعبية. والنتيجة نص هجين فريد، يجمع بين الحداثة الأوروبية والأصالة العربية في أسلوب لا يشبه أحدًا.
ويستخدم حبيبي في روايته أسلوب الاستطراد والتعليق المستمر، فالراوي يقطع الحكاية ليشرح ويعلق ويسخر ويستشهد، كأنه يجلس مع القارئ في مقهى يتحدث إليه. وهذا الأسلوب يمنح الرواية حيوية خاصة، ويجعلها أقرب إلى الحكي الشفوي الذي يحبه القارئ العربي.
واللافت أن حبيبي يمنح الرواية بعدًا توثيقيًا خفيًا، فهو يذكر أسماء القرى المهدمة والمدن والأحياء، ويستعيد أحداثًا حقيقية من تاريخ الفلسطينيين في الداخل، كالحكم العسكري الذي فرض عليهم حتى منتصف الستينيات، والقيود على التنقل، ومصادرة الأراضي. فتحت غطاء السخرية والخيال، تقدم الرواية سجلًا دقيقًا لمعاناة شعب حاول العالم أن ينساه.
تنتهي الرواية بصورة رمزية قوية، إذ يجد سعيد نفسه جالسًا على خازوق، لا يستطيع النزول ولا يستطيع البقاء، في وضعية مؤلمة ومضحكة في آن واحد. وهذه الصورة تلخص حال الفلسطيني المتشائل: معلق بين الأمل واليأس، بين البقاء والرحيل، بين التعاون والمقاومة، لا يملك حلًا ولا يجد مخرجًا. وقد قرأ كثيرون هذه النهاية بوصفها إدانة لخيار التكيف والاستسلام، ودعوة ضمنية إلى الخروج من هذه الوضعية المهينة.
عاش إميل حبيبي نفسه حياة مليئة بالتناقضات التي تشبه روايته، فقد كان سياسيًا شيوعيًا ونائبًا في الكنيست الإسرائيلي لسنوات، وكاتبًا ملتزمًا بالقضية الفلسطينية. وقد نال في أواخر حياته جائزتين متناقضتين: جائزة القدس من منظمة التحرير الفلسطينية، وجائزة إسرائيل للأدب، وهو ما أثار جدلًا واسعًا. وأوصى أن يُكتب على قبره عبارة معناها أنه باقٍ في حيفا، تأكيدًا على تمسكه بالأرض حتى النهاية. وبعد عقود على صدورها، ما زالت "المتشائل" تقرأ وتدرس وتقتبس على المسرح، إذ تحولت إلى عرض مسرحي شهير أداه الفنان محمد بكري مئات المرات، وظل جمهوره يضحك ويبكي في آن واحد، كما أراد حبيبي تمامًا.
هل قرأت "المتشائل"؟ وهل ترى أن السخرية وسيلة فعالة للتعبير عن المأساة، أم أنها قد تخفف من وقعها؟ شاركنا رأيك.
من هو سعيد أبو النحس؟
سعيد أبو النحس المتشائل فلسطيني بقي في أرضه بعد النكبة، وعمل مخبرًا لدى السلطات الإسرائيلية، تمامًا كما عمل أبوه من قبل في خدمة الانتداب البريطاني. وهو رجل ضعيف خائف، يريد أن ينجو بأي ثمن، ويبرر تعاونه بحجج واهية ومضحكة. وتبدأ الرواية برسائل يبعث بها سعيد إلى الراوي، يخبره فيها أنه اختفى لأنه التقى بكائنات من الفضاء الخارجي أنقذته، وأنه يكتب من مكان لا يعرفه أحد.
وهذه البداية الغرائبية ليست مجرد لعبة خيالية، بل هي إشارة ذكية إلى استحالة الخلاص في الواقع. فالفلسطيني في إسرائيل محاصر من كل الجهات، ولا يجد مخرجًا إلا بالهروب إلى الخيال، إلى الفضاء الخارجي حرفيًا. واسم البطل نفسه يحمل مفارقة ساخرة، فهو سعيد، لكنه من عائلة النحس، وكأن الحظ السيئ قدره المحتوم مهما تسمى بأسماء السعادة.
المتشائل: فلسفة البقاء الساخرة
يشرح سعيد في الرواية فلسفته الخاصة في الحياة، وهي فلسفة تقوم على حمد الله أن الأسوأ لم يقع. فإذا أصابته مصيبة، قال الحمد لله أنها لم تكن أكبر. وإذا خسر شيئًا، فرح لأنه لم يخسر أكثر. وهذه الفلسفة تبدو في الظاهر حكمة شعبية بسيطة، لكنها في العمق تعبير عن حالة الاستسلام والتكيف المذل مع القهر، حين يصبح الإنسان راضيًا بالقليل لأنه يخاف من فقدان ما تبقى.
ومن خلال هذه الفلسفة، ينتقد حبيبي بسخرية لاذعة نمطًا من التفكير انتشر بين بعض الفلسطينيين الباقين، الذين اختاروا التكيف مع الواقع الجديد بدل مقاومته. لكنه لا يحتقر بطله، بل يفهم ضعفه، ويرى فيه ضحية لظروف تاريخية قاسية لم يكن يملك القوة لمواجهتها. وبهذا يتحول سعيد إلى شخصية مأساوية مضحكة، نضحك منها ونتألم لها في الوقت نفسه.
يعاد وباقية: الحب في زمن الاحتلال
تتكون الرواية من ثلاثة كتب، يحمل كل منها اسم امرأة أحبها سعيد. فيعاد هي حبيبته الأولى التي طُردت من البلاد، وانتظر عودتها سنوات، ويحمل اسمها معنى العودة. وباقية هي زوجته التي تمثل الفلسطينيين الذين بقوا في أرضهم، وقد أنجبت له ابنًا اسمه ولاء، يتحول لاحقًا إلى فدائي يرفض الخضوع، فيموت مقاومًا. ثم تظهر يعاد الثانية، ابنة يعاد الأولى، التي تأتي في زمن لاحق لتعيد الأمل والحب من جديد.
هذه الأسماء ليست اعتباطية، بل تحمل دلالات رمزية واضحة عن حال الفلسطينيين: بين من طُرد وينتظر العودة، ومن بقي ويتمسك بالأرض، والجيل الجديد الذي يحمل الأمل. وابن سعيد، ولاء، يمثل التمرد على فلسفة أبيه المتشائلة، فهو يختار المقاومة بدل التكيف، والموت بكرامة بدل الحياة الذليلة. وموقف سعيد من ابنه يكشف تناقضه الداخلي، فهو يخاف عليه ويحاول إقناعه بالاستسلام، لكنه في أعماقه يعجب بشجاعته التي لا يملكها هو.
السخرية سلاحًا
اختار حبيبي السخرية أسلوبًا لروايته لأسباب عدة. أولها أن السخرية تكشف العبث الكامن في الواقع، فحين يكون الواقع نفسه غير معقول، تصبح الكتابة الساخرة أصدق تعبير عنه. فالفلسطيني الذي يحمل جنسية الدولة التي احتلت أرضه، ويُطلب منه أن يحتفل بعيد استقلالها الذي هو يوم نكبته، ويُعامل كغريب في بيته، يعيش واقعًا عبثيًا لا يمكن وصفه إلا بالسخرية.
وثانيها أن السخرية تمنح الضحية قوة معنوية في مواجهة الجلاد، فالضحك من السلطة يجردها من هيبتها، ويكشف تفاهتها وتناقضاتها. وقد سخر حبيبي في الرواية من ضباط المخابرات الإسرائيليين ومن خطابهم الرسمي ومن تناقضاتهم، كما سخر من القيادات العربية وشعاراتها الفارغة، ومن السلبية التي سادت بين بعض الفلسطينيين أنفسهم. وثالثها أن السخرية كانت وسيلة للتحايل على الرقابة، فالنص الساخر يقول ما لا يستطيع النص الجاد قوله، ويمرر النقد تحت غطاء الضحك والطرافة.
ولا تخلو الرواية من لحظات تراجيدية تكسر الضحك فجأة، كمشاهد التهجير وهدم القرى ومقتل ولاء، فيجد القارئ نفسه ينتقل من القهقهة إلى الحزن في سطر واحد. وهذا الانتقال المفاجئ هو جوهر الكوميديا السوداء التي أتقنها حبيبي، إذ يجعل الضحك نفسه وسيلة لكشف الألم لا لإخفائه.
بين فولتير والتراث العربي
يرى النقاد أن حبيبي تأثر برواية "كانديد" للفيلسوف الفرنسي فولتير، التي تسخر من التفاؤل الساذج عبر بطل يتعرض لكل المصائب ويظل يردد أن كل شيء يسير نحو الأفضل في أفضل العوالم الممكنة. لكن حبيبي لم يقلد فولتير، بل مزج هذا التأثير بالتراث العربي الغني، فاستلهم المقامات وأدب الجاحظ وحكايات ألف ليلة وليلة، واستشهد بالشعر العربي القديم والأمثال الشعبية. والنتيجة نص هجين فريد، يجمع بين الحداثة الأوروبية والأصالة العربية في أسلوب لا يشبه أحدًا.
ويستخدم حبيبي في روايته أسلوب الاستطراد والتعليق المستمر، فالراوي يقطع الحكاية ليشرح ويعلق ويسخر ويستشهد، كأنه يجلس مع القارئ في مقهى يتحدث إليه. وهذا الأسلوب يمنح الرواية حيوية خاصة، ويجعلها أقرب إلى الحكي الشفوي الذي يحبه القارئ العربي.
واللافت أن حبيبي يمنح الرواية بعدًا توثيقيًا خفيًا، فهو يذكر أسماء القرى المهدمة والمدن والأحياء، ويستعيد أحداثًا حقيقية من تاريخ الفلسطينيين في الداخل، كالحكم العسكري الذي فرض عليهم حتى منتصف الستينيات، والقيود على التنقل، ومصادرة الأراضي. فتحت غطاء السخرية والخيال، تقدم الرواية سجلًا دقيقًا لمعاناة شعب حاول العالم أن ينساه.
نهاية على الخازوق
تنتهي الرواية بصورة رمزية قوية، إذ يجد سعيد نفسه جالسًا على خازوق، لا يستطيع النزول ولا يستطيع البقاء، في وضعية مؤلمة ومضحكة في آن واحد. وهذه الصورة تلخص حال الفلسطيني المتشائل: معلق بين الأمل واليأس، بين البقاء والرحيل، بين التعاون والمقاومة، لا يملك حلًا ولا يجد مخرجًا. وقد قرأ كثيرون هذه النهاية بوصفها إدانة لخيار التكيف والاستسلام، ودعوة ضمنية إلى الخروج من هذه الوضعية المهينة.
عاش إميل حبيبي نفسه حياة مليئة بالتناقضات التي تشبه روايته، فقد كان سياسيًا شيوعيًا ونائبًا في الكنيست الإسرائيلي لسنوات، وكاتبًا ملتزمًا بالقضية الفلسطينية. وقد نال في أواخر حياته جائزتين متناقضتين: جائزة القدس من منظمة التحرير الفلسطينية، وجائزة إسرائيل للأدب، وهو ما أثار جدلًا واسعًا. وأوصى أن يُكتب على قبره عبارة معناها أنه باقٍ في حيفا، تأكيدًا على تمسكه بالأرض حتى النهاية. وبعد عقود على صدورها، ما زالت "المتشائل" تقرأ وتدرس وتقتبس على المسرح، إذ تحولت إلى عرض مسرحي شهير أداه الفنان محمد بكري مئات المرات، وظل جمهوره يضحك ويبكي في آن واحد، كما أراد حبيبي تمامًا.
هل قرأت "المتشائل"؟ وهل ترى أن السخرية وسيلة فعالة للتعبير عن المأساة، أم أنها قد تخفف من وقعها؟ شاركنا رأيك.