MotasemH

Administrator
طاقم الإدارة
يردّ Ilai Z. Saltzman في مقاله المنشور على موقع E-International Relations على ماثيو كرونيغ، منتقدًا تعامله مع الواقعية في العلاقات الدولية كما لو كانت نظرية واحدة ذات تنبؤات موحدة. ويوضح أن الواقعية هي في الحقيقة مظلة نظرية تضم الواقعية الكلاسيكية، والواقعية الجديدة، والواقعية الهجومية، والواقعية الدفاعية، والواقعية الكلاسيكية الجديدة، وأن هذه الاتجاهات تختلف في تفسيرها لسلوك الدول ودور القوة والأمن والمتغيرات الداخلية. ويرى أن إخفاق إحدى النظريات الواقعية في تفسير قرار أو سياسة أمريكية معينة لا يعني فشل الواقعية بأكملها، بل يتطلب تحديد النظرية التي أخفقت والظروف التي حدث فيها ذلك. ويستخدم الكاتب سياسات دونالد ترامب تجاه الناتو والصين وإيران مثالًا لإظهار أهمية الواقعية الكلاسيكية الجديدة، التي تربط بين ضغوط النظام الدولي وبين تصورات القادة والمؤسسات والسياسة الداخلية. ويخلص إلى أن تعدد النظريات داخل الواقعية ليس نقطة ضعف، بل يعكس تطورها النظري ومحاولتها تفسير آليات مختلفة في السياسة الدولية.
1789745649432.webp

Realism Is Not One Theory: A Response to Matthew Kroenig​

زعم ماثيو كرونيغ في مقاله المثير للجدل في Foreign Policy أن «الواقعية أصبحت غير واقعية»، لكن حجته برمتها تستند إلى أساس مفاهيمي معيب: فهو يتعامل مع الواقعية كما لو كانت نظرية أحادية ذات مجموعة واحدة من التنبؤات. وهي ليست كذلك. فمن الأفضل فهم الواقعية بوصفها نموذجًا إرشاديًا (باراديغم)، أو مدرسة فكرية، أو عائلة من النظريات. فإلى جانب الواقعية الكلاسيكية، تضم الواقعية مقاربات متعددة ومتميزة، بما في ذلك الواقعية الجديدة بفرعيها الدفاعي والهجومي، والواقعية الكلاسيكية الجديدة. وتشترك هذه النظريات في افتراضات مهمة بشأن القوة والأمن والمنافسة والقيود التي تفرضها الفوضى الدولية، لكنها تختلف بصورة جوهرية فيما تسعى إلى تفسيره، وفي كيفية تصورها للسببية، وفي ما تتنبأ به بشأن سلوك الدول. ويكتسب هذا التمييز أهمية لأن نقد كرونيغ المركزي، القائل إن الواقعية أخفقت مرارًا في تفسير سلوك السياسة الخارجية الأمريكية، يعتمد على تجميع تنبؤات نظريات واقعية مختلفة والتعامل مع قوتها التفسيرية باعتبارها إخفاقًا للواقعية بأكملها. غير أن هذه ليست طريقة مُرضية لتقييم صلاحية نموذج إرشادي بأكمله.


كرونيغ محق في أمر واحد: ينبغي مواجهة النظريات بالأدلة التجريبية. فإذا كانت نظرية ما تنتج بصورة متكررة تنبؤات تتناقض مع السلوك القابل للملاحظة، فعلى الباحثين إعادة النظر في افتراضاتها. لكن وحدة التقييم المناسبة هي النظرية أو النموذج الذي يُنتج التنبؤ فعليًا. فلا يمكن إسقاط المصداقية عن نموذج إرشادي بأكمله لمجرد إثبات أن نظريات معينة داخله قدمت تنبؤات معينة تبيّن لاحقًا أنها خاطئة.

لننظر في الواقعية الجديدة. تشدد الواقعية البنيوية لكينيث والتز على النظام الدولي، ولا سيما توزيع القدرات بين الدول، بوصفه المحدد الرئيسي للنتائج الدولية. وهي تتعمد التجريد من العديد من المتغيرات على المستوى الداخلي، وتنص على أنها ليست نظرية للسياسة الخارجية، بل نظرية في السياسة الدولية تهتم أساسًا بتفسير كيفية تشكّل موازين القوى النظامية بصورة متكررة.

أما الواقعية الهجومية، المرتبطة بصورة بارزة بـجون ميرشايمر، فتطرح ادعاءً أقوى ومختلفًا: فبما أن الدول توجد في نظام فوضوي ولا تستطيع التأكد من نوايا بعضها بعضًا، فإن القوى العظمى تمتلك حوافز قوية لتعظيم قوتها النسبية والسعي في نهاية المطاف إلى الهيمنة الإقليمية. أما الواقعية الدفاعية فتصل إلى استنتاجات مختلفة. فقد شدد باحثون مثل تشارلز غلاسر، وجيفري تاليافيرو، وستيفن والت على أن الأمن لا يتطلب بالضرورة تراكمًا غير محدود للقوة. إذ يمكن للتوسع المفرط أن يدفع إلى نشوء تحالفات موازِنة، ومن ثم يجعل الدول أقل أمنًا. ومن هذا المنظور، تعتمد الاستراتيجية المثلى للدولة على البيئة الأمنية، وتوازن الهجوم والدفاع، ونوايا الدول الأخرى وقدراتها، وتكاليف التوسع. وهذه ليست اختلافات دلالية داخل نظرية واحدة. فعلى الرغم من وجودها تحت المظلة الواسعة للواقعية، فإنها أطروحات نظرية متنافسة تفضي إلى مجموعة متنوعة بصورة واضحة من التنبؤات بشأن السياسة العالمية عمومًا، وبشأن دول بعينها أيضًا.

ثم هناك الواقعية الكلاسيكية الجديدة، التي تكتسب أهمية خاصة لفهم السياسة الخارجية الأمريكية في الوقت الراهن، وفقًا للمعيار الأساسي الذي يستخدمه كرونيغ. يقبل الواقعيون الكلاسيكيون الجدد بأهمية الضغوط النظامية، لكنهم يجادلون بأن التوزيع الدولي للقوة لا يتحول بصورة تلقائية إلى سلوك في السياسة الخارجية. إذ تتوسط آثار الحوافز النظامية المؤسسات السياسية الداخلية، وتصورات القادة، وقدرة الدولة، وإجماع النخب، وغيرها من المتغيرات الوسيطة.

وهنا تحديدًا تصبح حجة كرونيغ عرضة للنقد. فالدولة لا تكتفي بمراقبة التوزيع الدولي للقوة ثم تنتج بصورة آلية السياسة الخارجية التي يتنبأ بها نموذج واقعي بنيوي. بل يجب أن تُفسَّر الحوافز الدولية من قِبل بشر يعملون داخل أنظمة سياسية داخلية. فالقادة يدركون التهديدات بطرق مختلفة. والمؤسسات السياسية ترشح الضغوط الخارجية؛ كما تمتلك الدول ثقافات استراتيجية مختلفة، وقدرات متفاوتة على استخراج الموارد وتحويلها إلى قوة وطنية، فيما تؤثر الائتلافات الداخلية في تحديد الخيارات الاستراتيجية الممكنة سياسيًا من غير الممكنة. وقد طُورت الواقعية الكلاسيكية الجديدة، إلى حد كبير، لتفسير هذه الفجوة بين الحوافز النظامية والسلوك الفعلي للسياسة الخارجية. وبعبارة أخرى، أدرك الواقعيون الكلاسيكيون الجدد الشذوذات التجريبية التي حددها كرونيغ، وهو محق في ذلك، واستجابوا لها من خلال مراجعة التفسير النظري بحيث يأخذ مثل هذه الاختلالات في الحسبان. وسيواجه التفسير الواقعي الكلاسيكي الجديد تحديًا شديدًا إذا تعذر بصورة متسقة إرجاع الانحرافات عن التوقعات النظامية إلى متغيرات وسيطة على المستوى الداخلي، أو إذا كانت الدول التي تواجه ضغوطًا نظامية وظروفًا داخلية متشابهة تتصرف مع ذلك بطرق مختلفة بصورة منهجية لأسباب لا تستطيع النظرية تفسيرها.

وخلافًا لما يدعيه كرونيغ، فإن التاريخ الواسع والمعقد للسياسة الخارجية الأمريكية لا يجعل الواقعية غير ذات صلة، كما أن إنشاء الولايات المتحدة لتحالفات ما بعد الحرب والحفاظ عليها لا يدحض الواقعية تلقائيًا. ولا يفعل ذلك أيضًا توسع حلف الناتو، أو التحديث النووي، أو دعم تايوان، أو المساعدات المقدمة إلى إسرائيل، أو دعم أوكرانيا. فكل واحدة من هذه السياسات يمكن تفسيرها من خلال عدسات نظرية واقعية مختلفة تركز على الموازنة، أو الردع، أو القوة النسبية، أو الجغرافيا الاستراتيجية، أو المنافسة بين القوى العظمى.

وتوضح حالة دونالد ترامب هذه النقطة بصورة خاصة. إذ يمثل ترامب تحديًا واضحًا للنظريات الواقعية التي تفترض وجود علاقة مستقرة نسبيًا بين النظام الدولي والاستراتيجية الأمريكية الكبرى. فقد احتوت سياسته الخارجية والأمنية على عناصر تبدو متناقضة: الشك في التحالفات التقليدية بالتوازي مع القلق بشأن القوة الصينية؛ والعداء للمؤسسات متعددة الأطراف إلى جانب ممارسة حازمة لفن إدارة الدولة الاقتصادي؛ ومطالبة الحلفاء بزيادة إنفاقهم الدفاعي بالتوازي مع الاستمرار في الاعتراف بأهمية التفوق العسكري الأمريكي؛ والدبلوماسية القائمة على الصفقات إلى جانب التهديدات بالإكراه؛ والاستعداد للتشكيك في المسلمات الراسخة للسياسة الخارجية مع السعي في الوقت ذاته إلى اتباع سياسات مصممة للحفاظ على النفوذ الأمريكي.

يصعب تفسير ترامب من خلال نموذج واقعي بنيوي بسيط، لأن التوزيع الدولي للقوة لم يتغير فجأة عندما دخل ترامب البيت الأبيض. كانت الصين في صعود، وكانت روسيا تمتلك قدرات عسكرية كبيرة، وظلت الولايات المتحدة قوية بصورة استثنائية، كما أن البنية الأساسية للنظام الدولي بقيت، إلى حد بعيد، امتدادًا لما كانت عليه في ظل الإدارة السابقة. أما الذي تغير إلى حد كبير، فهو المتغير الوسيط الداخلي والإدراكي: الرئيس والسياسة الأمريكية، ولا سيما خلال ولايته الثانية. وهذا تحديدًا هو النوع من الظواهر الذي صُممت الواقعية الكلاسيكية الجديدة لاستيعابه. فلا يمكن فهم سياسة ترامب الخارجية بمجرد التساؤل عما «يتطلبه» النظام الدولي. بل يجب أن نسأل أيضًا كيف أدرك ترامب البيئة الدولية، وكيف تصوّر القوة الأمريكية، وكيف شكلت الضغوط السياسية الداخلية تفضيلاته، وكيف قيدته المؤسسات البيروقراطية أو مكنته، وكيف حولت إدارته تفضيلاته إلى سياسة.

يجادل كرونيغ بأن الواقعيين أخفقوا في التنبؤ بالقرار الأمريكي بالاستمرار في الالتزام بحلف الناتو في أعقاب الحرب الباردة. وبصفة عامة، يعتقد الواقعيون أن المؤسسات الدولية يمكن أن تسهل التعاون بينما تخدم في الوقت ذاته المصالح الاستراتيجية للدول القوية. ويوفر نهج ترامب تجاه الناتو والأمن الأوروبي مثالًا مفيدًا بصورة خاصة. فقد انتقد مرارًا حلفاء الناتو بسبب عدم كفاية إنفاقهم الدفاعي، وشكك في جوانب من الالتزام الأمريكي التقليدي، لكنه لم يقم ببساطة بتفكيك الحلف. وبدلًا من ذلك، سعى ترامب مرارًا إلى انتزاع مساهمات أكبر من الحلفاء مع الحفاظ على المزايا الاستراتيجية للحلف نفسه. وتشير بيانات حديثة إلى أن ترامب نجح في دفع أعضاء رئيسيين في الناتو إلى زيادة إنفاقهم الدفاعي كما أراد، وتحمل قدر أكبر من المسؤولية عن الأمن الأوروبي، بما في ذلك في أوكرانيا، مع إتاحة المجال لواشنطن للتعامل مع قضايا أخرى، وربما أكثر إلحاحًا، مثل صعود الصين في شرق آسيا.

ويمكن لتفسير واقعي كلاسيكي جديد أن يفسر هذا التناقض الظاهري أيضًا. فالبيئة الدولية تخلق حوافز للولايات المتحدة للحفاظ على توازن قوى ملائم في أوروبا مع إبقاء مناطق أخرى ذات أهمية استراتيجية حاسمة في الحسبان. لكن الشكل الدقيق الذي تتخذه السياسة يعتمد على كيفية تفسير الرئيس لقيمة التحالفات، وكيفية تقييم الدوائر السياسية الداخلية لأعباء التحالفات، وكيفية تحويل السلطة التنفيذية تلك التفضيلات إلى استراتيجيات تفاوضية.

وتوضح حرب ترامب الأخيرة مع إيران في محاولة لتدمير برنامجها النووي، وأزمة مضيق هرمز التي أعقبتها، بصورة إضافية سبب تسرع كرونيغ في التعامل مع الواقعية باعتبارها نظرية واحدة، أو انتقائه بعض الواقعيين الذين ربما عارضوا الحرب أيديولوجيًا وتقديمهم بوصفهم الأصوات الوحيدة لهذه المدرسة الفكرية الواسعة. فالصرع يعكس في الواقع اهتمامات واقعية مألوفة، مثل حرمان إيران من النفوذ الاستراتيجي، وحماية ممر بحري حيوي، والحفاظ على القوة الأمريكية في الخليج العربي، لكن استجابة ترامب لا يمكن تفسيرها بالقوة النظامية وحدها. فنهجه القائم على الصفقات، وتركيزه على المساومة القسرية، وحساسيته تجاه الضغوط الاقتصادية الداخلية، واستعداده للتناوب بين التصعيد والتفاوض، كلها تشير إلى أهمية تصورات القادة والسياسة الداخلية. وهذا هو بالضبط ما صُممت الواقعية الكلاسيكية الجديدة لالتقاطه: فالضغوط النظامية تشكل البيئة الاستراتيجية، لكن المتغيرات الداخلية والإدراكية تحدد كيفية استجابة الدول. وبدلًا من إثبات أن الواقعية «غير واقعية»، توضح سياسة ترامب تجاه إيران لماذا يحتاج النموذج الإرشادي إلى نظريات متعددة لتفسير الأبعاد المختلفة للسياسة الخارجية والأمنية الأمريكية.

وبذلك، تخاطر حجة كرونيغ بتحويل نقاش نظري إلى نقاش حول ما إذا كانت السياسة الخارجية الأمريكية ملائمة، أو ما إذا كان بعض الواقعيين الذين تحولوا إلى معلقين قد أصابوا في آرائهم. لكن هذه أسئلة مختلفة. فلا تُدحض نظرية في العلاقات الدولية بالضرورة لأن صناع السياسات يتخذون قرارات يراها المنظّر غير حكيمة. كما لا تُثبت صحة نظرية لأن صناع السياسات يُفترض أنهم يتبعون توصياتها. والسؤال ذو الصلة هو ما إذا كانت النظرية تفسر وتتنبأ بالأنماط القابلة للملاحظة في السلوك الدولي بصورة أفضل من منافساتها. وكرونيغ محق في انتقاد بعض الواقعيين بسبب إخفاق تنبؤاتهم النظرية. لكن الاستجابة المناسبة للشذوذات ليست إعلان موت الواقعية، وإنما تحديد أي نظرية واقعية أخفقت، وتحت أي ظروف، ولماذا.

ربما تفسر الواقعية البنيوية القيود الاستراتيجية العامة، لكنها لا تكفي لتفسير التباين في سلوك السياسة الخارجية داخل النظام الدولي نفسه. وربما تبالغ الواقعية الهجومية في تقدير نزعة الدول إلى تعظيم القوة. وربما تقدم الواقعية الدفاعية تفسيرًا أفضل للحالات التي يكون فيها الأمن، لا تعظيم القوة، هو الهدف. وربما تقدم الواقعية الكلاسيكية الجديدة تفسيرًا أفضل لذلك التباين لأنها تُدخل المتغيرات الوسيطة الداخلية والإدراكية في التحليل. وهذه أطروحات نظرية ذات معنى يمكن اختبارها في مواجهة الأدلة ونقدها عند الاقتضاء.

وفي الواقع، هذه إحدى نقاط قوة التقليد الواقعي منذ العصور القديمة: فقد تطور باستمرار استجابة للتحديات أو الابتكارات التجريبية والنظرية. فالواقعية الكلاسيكية، والواقعية الجديدة، والواقعية الدفاعية، والواقعية الهجومية، والواقعية الكلاسيكية الجديدة ليست تسميات قابلة للاستبدال فيما بينها. بل تمثل محاولات مختلفة لتحديد الآليات التي تربط القوة والأمن بالنتائج الدولية، وإن كانت جميعها تقع تحت المظلة العامة للواقعية.

وتكمن المفارقة، إذن، في أن نقد كرونيغ للواقعية قد يغفل في حد ذاته واحدة من أهم رؤاها: فالدول لا تستجيب لتوزيعات القوة بطريقة آلية. القوة مهمة، لكن الطريقة التي تدرك بها الدول القوة مهمة أيضًا. والقيود البنيوية مهمة، لكن المؤسسات الداخلية تحدد كيفية استجابة الدول لتلك القيود. والحوافز الأمنية مهمة، لكن القادة يختلفون بشأن ما يتطلبه الأمن. فالنظام الدولي يخلق ضغوطًا، لكن هذه الضغوط تمر عبر الدول وتُرشح من خلالها قبل أن تتحول إلى سياسة خارجية. وهذا ليس رفضًا للواقعية، بل هو الآلية المدمجة داخل النموذج الإرشادي لتطوره النظري.

ومن ثم، فإن الاستنتاج المناسب من السجل التجريبي ليس أن «الواقعية أصبحت غير واقعية». فالاستنتاج الأكثر صلاحية هو أنه لا توجد نظرية واقعية واحدة تستطيع تفسير كل أبعاد السياسة الدولية. ولا ينبغي أن يكون ذلك مفاجئًا. فوجود نظريات واقعية متعددة يعكس محاولة لتحديد آليات سببية مختلفة، وليس إخفاقًا فكريًا للنموذج الإرشادي.

كرونيغ محق في أن الواقعيين ينبغي أن يأخذوا الشذوذات التجريبية بجدية، وأن يولوا اهتمامًا أكبر للصلة بين النظرية وعالم السياسات. لكن القيام بذلك يتطلب دقة نظرية أكبر مما يوفره نقده. وقبل إعلان إفلاس الواقعية تجريبيًا، ينبغي لنا أن نسأل: عن أي واقعية نتحدث؟ كما ينبغي أن نميز بعناية بين الإسهام الأكاديمي للمفكرين الواقعيين وبين التعليقات العامة التي ينتجها بعضهم. فالأول ينبغي تقييمه باستخدام الأدوات المعتادة للبحث العلمي، في حين ينبغي تقييم الثاني من خلال منظور أكثر أيديولوجية أو سياسية.

إذا كان السؤال هو لماذا ينتج النظام الدولي حوافز للموازنة والردع والمنافسة والاهتمام بالقوة النسبية، فإن الواقعية الجديدة تظل ضرورية. وإذا كان السؤال هو لماذا تستجيب الدول أحيانًا بصورة مختلفة لظروف نظامية متشابهة، فإن الواقعية الدفاعية والواقعية الهجومية تقدمان إجابات مختلفة. أما إذا كان السؤال هو لماذا يمكن للسياسة الخارجية الأمريكية أن تتغير بصورة جذرية في ظل رؤساء يواجهون في جوهر الأمر التوزيع الدولي نفسه للقوة، فقد تكون الواقعية الكلاسيكية الجديدة ذات قيمة خاصة.

ليس دونالد ترامب بالضرورة الشذوذ الذي يدحض الواقعية. بل قد يكون، بدلًا من ذلك، الشذوذ الذي يوضح لماذا تحتاج الواقعية إلى أكثر من نظرية واحدة. ومع عودة الطلاب إلى الجامعات هذا الفصل الدراسي والتحاقهم بمقررات العلاقات الدولية (IR)، واستعارةً للافتتاحية التي استخدمها كرونيغ في مقاله في Foreign Policy، ينبغي للأساتذة أن يوضحوا أن الواقعية تضم طيفًا متنوعًا من المقاربات، وأنها ليست كتلة نظرية واحدة.​
 
عودة
أعلى