"سأبدأ غدًا"، كم مرة قلت هذه العبارة لنفسك؟ وكم مرة تحول ذلك الغد إلى أسبوع، ثم إلى شهر، ثم إلى مشروع منسي في زاوية من زوايا الذاكرة؟ إن التسويف من أكثر العادات انتشارًا بين الناس على اختلاف أعمارهم ومهنهم، فالطالب يؤجل المذاكرة حتى ليلة الامتحان، والموظف يؤجل التقرير حتى الساعة الأخيرة، وصاحب الحلم يؤجل خطوته الأولى سنوات طويلة. والمؤلم في الأمر أننا ندرك تمامًا أن التأجيل يضرنا، ومع ذلك نكرره مرة بعد مرة، وكأن قوة خفية تمنعنا من البدء.
يخلط كثيرون بين التسويف والكسل، لكن الفرق بينهما كبير وجوهري. فالكسول لا يرغب في العمل أصلًا ولا يشعر بالانزعاج من ذلك، أما المسوّف فيريد أن ينجز، ويشعر بالذنب والقلق لأنه لم يبدأ بعد، لكنه يجد نفسه يهرب إلى أي نشاط آخر بدلًا من المهمة المطلوبة. قد ينظف غرفته، أو يرتب ملفات حاسوبه، أو يتصفح هاتفه لساعات، وكل ذلك ليتجنب مواجهة تلك المهمة الثقيلة.
ويرى كثير من الباحثين في علم النفس أن التأجيل المزمن مشكلة في إدارة المشاعر أكثر من كونه مشكلة في إدارة الوقت. فنحن لا نهرب من المهمة نفسها، بل من المشاعر السلبية التي ترتبط بها، كالملل أو القلق أو الخوف من الفشل أو الشعور بالعجز أمام حجمها. وحين نؤجل، نحصل على راحة مؤقتة من هذه المشاعر، فيكافئنا عقلنا على هذا السلوك، فنكرره مرة أخرى في المرة القادمة، وهكذا ندخل في حلقة مفرغة يصعب الخروج منها.
من أبرز أسباب هذه العادة الخوف من الفشل، فبعض الناس يفضلون عدم المحاولة على أن يحاولوا ويفشلوا، لأن عدم المحاولة يترك لهم عذرًا مريحًا: "لو حاولت لنجحت". ويرتبط بذلك السعي إلى الكمال، حيث يتردد الشخص في البدء لأنه يريد أن يكون العمل مثاليًا من اللحظة الأولى، وحين يدرك أن ذلك مستحيل، يؤجل البدء إلى أجل غير مسمى.
ومن الأسباب أيضًا غموض المهمة. فحين تكون المهمة كبيرة وغير محددة المعالم، مثل "كتابة البحث" أو "تنظيم حياتي"، يشعر العقل بالضياع ولا يعرف من أين يبدأ، فيختار الهروب. كما أن غياب المعنى يلعب دورًا كبيرًا، فإذا لم تكن مقتنعًا بأهمية ما تفعله، أو لم تر ارتباطه بأهدافك الشخصية، سيكون من الصعب جدًا أن تجد الدافع للبدء فيه.
ولا يمكن أن نغفل عن دور البيئة المحيطة في تغذية هذه العادة. فالهاتف الذكي بإشعاراته المتواصلة، والتطبيقات المصممة لجذب انتباهنا لأطول فترة ممكنة، تقدم لنا بديلًا ممتعًا وسهلًا في كل لحظة نشعر فيها بثقل المهمة. ولذلك فإن جيلنا يواجه تحديًا أكبر من الأجيال السابقة في مقاومة الإغراءات والتركيز على ما يهم.
أولى هذه الاستراتيجيات تقسيم المهمة الكبيرة إلى خطوات صغيرة جدًا. فبدلًا من "كتابة البحث"، اكتب "فتح ملف جديد وكتابة العنوان"، ثم "كتابة ثلاث أفكار للمقدمة"، وهكذا. كل خطوة صغيرة تبدو سهلة وغير مخيفة، والعقل لا يقاومها كما يقاوم المهمة الضخمة. والجميل أنك بمجرد أن تبدأ، ستجد غالبًا أنك تستمر أطول مما خططت.
ومن الطرق الفعالة كذلك قاعدة الدقيقتين، أي أن تلزم نفسك بالعمل على المهمة لمدة دقيقتين فقط، وبعدها يمكنك التوقف إن أردت. هذه القاعدة تخدع العقل بطريقة لطيفة، لأن أصعب جزء في أي مهمة هو البداية، وبمجرد أن تتجاوزها يصبح الاستمرار أسهل بكثير مما تتوقع.
كذلك احرص على تهيئة بيئة تساعدك على التركيز. ضع هاتفك في غرفة أخرى، وأغلق التبويبات غير الضرورية في المتصفح، وجهّز كل ما تحتاجه قبل أن تبدأ. فكلما قلّت المشتتات من حولك، قلّت الفرص التي يجد فيها عقلك مهربًا من العمل.
ومن المهم أيضًا أن تحدد مواعيد نهائية واضحة لنفسك، حتى للمهام التي لا يفرض عليك أحد موعدًا لإنجازها. ويمكنك أن تجعل هذه المواعيد أكثر إلزامًا بإخبار صديق بها، أو بالعمل مع شريك يتابع تقدمك، فالالتزام أمام الآخرين يمنحنا دفعة إضافية لا نجدها حين نكون مسؤولين أمام أنفسنا فقط.
قد يبدو غريبًا، لكن من أهم طرق التخلص من التسويف أن تسامح نفسك على التأجيل السابق. فقد وجدت بعض الدراسات أن الطلاب الذين سامحوا أنفسهم على تأجيل المذاكرة لامتحان سابق كانوا أقل ميلًا للتأجيل في الامتحان التالي. والسبب أن جلد الذات يزيد المشاعر السلبية المرتبطة بالمهمة، وهذا بدوره يزيد الرغبة في الهروب منها، بينما التسامح يخفف هذا العبء ويفتح الباب لبداية جديدة.
تذكر أن التخلص من هذه العادة لا يحدث بين يوم وليلة، بل هو تدريب مستمر للعقل على مواجهة المشاعر غير المريحة بدلًا من الهروب منها. ومع كل مرة تبدأ فيها رغم رغبتك في التأجيل، تبني عضلة الانضباط شيئًا فشيئًا، حتى يصبح الإنجاز عادة والتأجيل استثناء.
ما هي المهمة التي تؤجلها منذ فترة طويلة؟ ربما يكون اليوم هو الوقت المناسب لتبدأ بخطوة صغيرة نحوها.
التسويف ليس كسلًا كما نظن
يخلط كثيرون بين التسويف والكسل، لكن الفرق بينهما كبير وجوهري. فالكسول لا يرغب في العمل أصلًا ولا يشعر بالانزعاج من ذلك، أما المسوّف فيريد أن ينجز، ويشعر بالذنب والقلق لأنه لم يبدأ بعد، لكنه يجد نفسه يهرب إلى أي نشاط آخر بدلًا من المهمة المطلوبة. قد ينظف غرفته، أو يرتب ملفات حاسوبه، أو يتصفح هاتفه لساعات، وكل ذلك ليتجنب مواجهة تلك المهمة الثقيلة.
ويرى كثير من الباحثين في علم النفس أن التأجيل المزمن مشكلة في إدارة المشاعر أكثر من كونه مشكلة في إدارة الوقت. فنحن لا نهرب من المهمة نفسها، بل من المشاعر السلبية التي ترتبط بها، كالملل أو القلق أو الخوف من الفشل أو الشعور بالعجز أمام حجمها. وحين نؤجل، نحصل على راحة مؤقتة من هذه المشاعر، فيكافئنا عقلنا على هذا السلوك، فنكرره مرة أخرى في المرة القادمة، وهكذا ندخل في حلقة مفرغة يصعب الخروج منها.
الأسباب الخفية وراء التأجيل
من أبرز أسباب هذه العادة الخوف من الفشل، فبعض الناس يفضلون عدم المحاولة على أن يحاولوا ويفشلوا، لأن عدم المحاولة يترك لهم عذرًا مريحًا: "لو حاولت لنجحت". ويرتبط بذلك السعي إلى الكمال، حيث يتردد الشخص في البدء لأنه يريد أن يكون العمل مثاليًا من اللحظة الأولى، وحين يدرك أن ذلك مستحيل، يؤجل البدء إلى أجل غير مسمى.
ومن الأسباب أيضًا غموض المهمة. فحين تكون المهمة كبيرة وغير محددة المعالم، مثل "كتابة البحث" أو "تنظيم حياتي"، يشعر العقل بالضياع ولا يعرف من أين يبدأ، فيختار الهروب. كما أن غياب المعنى يلعب دورًا كبيرًا، فإذا لم تكن مقتنعًا بأهمية ما تفعله، أو لم تر ارتباطه بأهدافك الشخصية، سيكون من الصعب جدًا أن تجد الدافع للبدء فيه.
ولا يمكن أن نغفل عن دور البيئة المحيطة في تغذية هذه العادة. فالهاتف الذكي بإشعاراته المتواصلة، والتطبيقات المصممة لجذب انتباهنا لأطول فترة ممكنة، تقدم لنا بديلًا ممتعًا وسهلًا في كل لحظة نشعر فيها بثقل المهمة. ولذلك فإن جيلنا يواجه تحديًا أكبر من الأجيال السابقة في مقاومة الإغراءات والتركيز على ما يهم.
استراتيجيات عملية للتغلب على التسويف
أولى هذه الاستراتيجيات تقسيم المهمة الكبيرة إلى خطوات صغيرة جدًا. فبدلًا من "كتابة البحث"، اكتب "فتح ملف جديد وكتابة العنوان"، ثم "كتابة ثلاث أفكار للمقدمة"، وهكذا. كل خطوة صغيرة تبدو سهلة وغير مخيفة، والعقل لا يقاومها كما يقاوم المهمة الضخمة. والجميل أنك بمجرد أن تبدأ، ستجد غالبًا أنك تستمر أطول مما خططت.
ومن الطرق الفعالة كذلك قاعدة الدقيقتين، أي أن تلزم نفسك بالعمل على المهمة لمدة دقيقتين فقط، وبعدها يمكنك التوقف إن أردت. هذه القاعدة تخدع العقل بطريقة لطيفة، لأن أصعب جزء في أي مهمة هو البداية، وبمجرد أن تتجاوزها يصبح الاستمرار أسهل بكثير مما تتوقع.
كذلك احرص على تهيئة بيئة تساعدك على التركيز. ضع هاتفك في غرفة أخرى، وأغلق التبويبات غير الضرورية في المتصفح، وجهّز كل ما تحتاجه قبل أن تبدأ. فكلما قلّت المشتتات من حولك، قلّت الفرص التي يجد فيها عقلك مهربًا من العمل.
ومن المهم أيضًا أن تحدد مواعيد نهائية واضحة لنفسك، حتى للمهام التي لا يفرض عليك أحد موعدًا لإنجازها. ويمكنك أن تجعل هذه المواعيد أكثر إلزامًا بإخبار صديق بها، أو بالعمل مع شريك يتابع تقدمك، فالالتزام أمام الآخرين يمنحنا دفعة إضافية لا نجدها حين نكون مسؤولين أمام أنفسنا فقط.
سامح نفسك وابدأ من جديد
قد يبدو غريبًا، لكن من أهم طرق التخلص من التسويف أن تسامح نفسك على التأجيل السابق. فقد وجدت بعض الدراسات أن الطلاب الذين سامحوا أنفسهم على تأجيل المذاكرة لامتحان سابق كانوا أقل ميلًا للتأجيل في الامتحان التالي. والسبب أن جلد الذات يزيد المشاعر السلبية المرتبطة بالمهمة، وهذا بدوره يزيد الرغبة في الهروب منها، بينما التسامح يخفف هذا العبء ويفتح الباب لبداية جديدة.
تذكر أن التخلص من هذه العادة لا يحدث بين يوم وليلة، بل هو تدريب مستمر للعقل على مواجهة المشاعر غير المريحة بدلًا من الهروب منها. ومع كل مرة تبدأ فيها رغم رغبتك في التأجيل، تبني عضلة الانضباط شيئًا فشيئًا، حتى يصبح الإنجاز عادة والتأجيل استثناء.
ما هي المهمة التي تؤجلها منذ فترة طويلة؟ ربما يكون اليوم هو الوقت المناسب لتبدأ بخطوة صغيرة نحوها.