يرى رباح أرزقي وطارق يوسف، في مقالهما المنشور في مجلة Foreign Policy، أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة تحول بنيوي عميق يمكن وصفها بـ«التباعد الكبير»، حيث لم يعد الاعتماد الاقتصادي والأمني يسيران في الاتجاه نفسه كما كانا خلال عقود الهيمنة الأميركية. فبينما أصبحت الصين الشريك الاقتصادي الأبرز للمنطقة عبر التجارة والطاقة والبنية التحتية، ما تزال الولايات المتحدة تؤدي دور الضامن العسكري الرئيسي، وهو ما خلق انفصالًا متزايدًا بين من تستفيد منه المنطقة اقتصاديًا ومن تعتمد عليه أمنيًا. ويجادل الكاتبان بأن هذا الاختلال يضع دول الشرق الأوسط أمام واقع جديد، فهي تبيع الطاقة للصين، وتحتمي عسكريًا بالولايات المتحدة، وتتحوط أحيانًا عبر روسيا أو أطراف أخرى، في ظل نظام دولي أكثر تشتتًا وأقل قابلية للتنبؤ. ومن هنا، بدأت دول المنطقة تميل تدريجيًا إلى إدارة توتراتها بصورة مباشرة، كما يظهر في التقارب السعودي الإيراني، وتطبيع العلاقات التركية الخليجية، والانفتاح العربي على دمشق، ومحاولات طرح ترتيبات إقليمية لعدم الاعتداء. وخلاصة المقال أن الشرق الأوسط لا يتحرر كليًا من القوى الخارجية، لكنه ينتقل ببطء من نظام إقليمي تديره الضمانات الخارجية إلى تعايش تفاوضي أكثر براغماتية، تفرضه الحاجة إلى تقليل الانكشاف أمام تنافس القوى الكبرى.
The Middle East’s Great Divergence Is Underway
يعكس مصطلح «الشرق الأوسط» المركزية التاريخية للمنطقة بالنسبة إلى القوى الغربية. فقد شاع المصطلح عام 1902 على يد الاستراتيجي البحري الأميركي ألفرد ثاير ماهان، لوصف الأراضي الواقعة بين الجزيرة العربية والهند، وتحديدًا للتأكيد على أهميتها الاستراتيجية للمصالح الإمبراطورية البريطانية.
لذلك لم يكن مفاجئًا أن انتقال التفوق العالمي من بريطانيا إلى الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية تجلّى بأكثر صوره أهمية في الشرق الأوسط، إذ انتقل مركزه الجيوسياسي من الانتدابات الاستعمارية البريطانية في لندن إلى مصالح واشنطن في الحرب الباردة وأمن النفط.
سرعان ما أُدمج الشرق الأوسط في نظام تقوده الولايات المتحدة، وفّرت فيه واشنطن الحماية العسكرية، وتكفلت بالشروط السياسية اللازمة لاندماج المنطقة في الاقتصاد العالمي. فقد أمّنت الولايات المتحدة طرق التجارة البحرية، وضمنت تدفق الطاقة، ورسّخت سوق النفط القائم على الدولار. ودارت عائدات النفط عبر الأسواق المالية الغربية، ووجهت الاقتصادات الإقليمية نفسها نحو العولمة التي تقودها الولايات المتحدة، بينما مثّلت القوة العسكرية الأميركية الضامن النهائي للاستقرار.
كانت تماسك ذلك النظام قائمًا على أن أبعاده الاقتصادية والأمنية كانت تقودها القوة نفسها. أما اليوم، فإن هذا التوافق يتآكل مع إعادة توزيع القوة الاقتصادية باتجاه الصين، وما يرافق ذلك من إعادة تشكيل للجغرافيا السياسية. فبينما تمارس الولايات المتحدة نفوذها اليوم أساسًا من خلال القوة العسكرية وتوفير الأمن، وسّعت الصين حضورها عبر التجارة والبنية التحتية وأدوات الدولة الاقتصادية، وبصورة متزايدة عبر تقديم نفسها بوصفها فاعلًا يمكن التنبؤ بسلوكه على المسرح العالمي.
من المرجح أن يستغرق هذا الاختلال الجديد عقودًا حتى يكتمل، لكن نادرًا ما كان الاعتماد الاقتصادي وتوفير الأمن متركزين بهذا الوضوح في أيدٍ مختلفة. فعلى مدى سبعين عامًا، صمد النظام الذي تقوده الولايات المتحدة لأن التجارة والأمن كانا يتحركان معًا. والشرق الأوسط هو أول ساحة كبرى يتفكك فيها هذا التماسك. فالاتكال الاقتصادي والاتكال الأمني يشيران الآن إلى اتجاهين مختلفين، والنتيجة ليست انتقالًا نظيفًا للهيمنة من قوة عظمى إلى أخرى، بل احتمال تفكك الهيمنة نفسها.
خلال معظم فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، كانت الصين لاعبًا هامشيًا في الشرق الأوسط؛ مجرد مشترٍ للنفط من دون وزن سياسي كبير أو طموح استراتيجي واضح. لكن ذلك تغيّر مع إطلاق مبادرة الحزام والطريق عام 2013، التي دشّنت عصرًا جديدًا من التعاون يتمحور حول الطاقة والبنية التحتية.
حجم هذا التحول لافت. فقد ارتفعت التجارة بين الصين والعالم العربي من نحو 36 مليار دولار عام 2004 إلى قرابة 400 مليار دولار بحلول عام 2024. وأصبحت الصين أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، وأكبر شريك تجاري للشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه، وسّعت بكين حضورها الدبلوماسي في أنحاء المنطقة، وأبرز مثال على ذلك رعايتها التقارب السعودي الإيراني عام 2023. وقد تجنبت باستمرار الانخراط العسكري المباشر، ولا تملك أي قواعد عسكرية في المنطقة.
في المقابل، تحتفظ الولايات المتحدة بمنشآت عسكرية في ما لا يقل عن 19 موقعًا في الشرق الأوسط، وتواصل ضمان دفاعات دول الخليج عبر نشر حاملات الطائرات وأنظمة الدفاع الصاروخي. كما تقود عمليات مكافحة الإرهاب، وتسلّح شركاءها من خلال مبيعات بعشرات المليارات من الدولارات، وتتعامل مع حرية تدفق طاقة دول الخليج بوصفها التزامًا استراتيجيًا دائمًا. ومنذ عام 2019، أصبحت الولايات المتحدة مصدّرًا صافيًا للطاقة، ينافس المنتجين الإقليميين في الأسواق الدولية.
لكن بينما تواصل الولايات المتحدة تثبيت الأمن، فإنها لم تعد تحمل الوزن الاقتصادي للمنطقة.
لقد كشفت حرب إيران هذا الانقلاب بوضوح حاد. فعندما خنق الصراع حركة المرور عبر مضيق هرمز، لم تكن القوة الأكثر تعرضًا للخطر هي الولايات المتحدة أو إسرائيل أو إيران، بل الصين. فبصفتها أكبر مستورد للنفط الذي يمر عبر المضيق، وجدت الصين شريان طاقتها رهينة مواجهة لم تشارك في إشعالها ولا تملك قوات لإدارتها. أما الولايات المتحدة، من جانبها، فقد اعتمدت على حصار بحري لموانئ إيران بوصفه أداة الضغط الرئيسية، وكرّست موارد عسكرية لحراسة نقطة اختناق تقع فوائدها التجارية إلى حد كبير في آسيا.
هذا الاختلال بين مسارات التجارة ومواقع القوة العسكرية يعني أن الترابط الاقتصادي لم يعد يطابق بنى التحالفات. فالدول تبيع نفطها لقوة عظمى، بينما تعتمد على قوة أخرى في الحماية، كما أن شركاءها الاقتصاديين والأمنيين يعملون بصورة متزايدة وفق أولويات استراتيجية وتصوّرات تهديد مختلفة.
وقد أصبحت ضغوط هذه الديناميكية واضحة بالفعل. فعندما طلبت الولايات المتحدة من عدة حلفاء في الناتو، وكذلك من الصين واليابان وكوريا الجنوبية، المساعدة في تأمين المضيق، رفضوا، تاركين الولايات المتحدة تتحمل عبئًا تعود ثماره الاقتصادية إلى أماكن أخرى.
ومع تزايد انفصال التزامات واشنطن عن حصتها الاقتصادية في الشرق الأوسط، تكون النتيجة ردعًا أضعف، وخطرًا أكبر لسوء تقدير من جانب الخصوم، وميلًا متناميًا نحو التحوط بدل الاصطفاف. فدول المنطقة باتت تتودد إلى الصين اقتصاديًا، وإلى الولايات المتحدة عسكريًا، وإلى روسيا أو غيرها بصورة انتهازية.
ومع اتجاه الاعتماد الاقتصادي والاعتماد الأمني في مسارين متعاكسين، تُدفع دول الشرق الأوسط نحو توازن تديره بنفسها. فالتحوط وحده لا يستطيع تثبيت منطقة تتباين فيها مصالح الضامنين الخارجيين وتختلف التزاماتهم. وكلما أصبح النظام الدولي أكثر تشتتًا، زادت حوافز قوى الشرق الأوسط لتقليل تعرضها لمنافسة القوى الكبرى، عبر إدارة التوترات مباشرة فيما بينها.
ما يظهر الآن ليس استقلالًا بالمعنى التقليدي، بل شيء أضيق وأكثر براغماتية: انتقال تدريجي من نظام تتوسط فيه القوى الخارجية إلى تعايش تفاوضي إقليمي.
يصعب تجاهل الأدلة على أن دول الشرق الأوسط باتت تميل بصورة متزايدة إلى تجاوز الوساطة الخارجية، أي الانخراط المباشر فيما بينها بدل التعامل عبر الرعاة الخارجيين. فقد صمد التقارب السعودي الإيراني عام 2023 أمام صدمات متكررة. وانتقلت تركيا ودول الخليج من الخصومة المفتوحة إلى التطبيع النشط. كما أعادت معظم العواصم العربية الانخراط مع دمشق، منهية أكثر من عقد من العزلة الرسمية.
وتنسق دول الخليج مع جيرانها في مجالات البنية التحتية للطاقة، وممرات النقل، والخدمات اللوجستية، بطرق كان من غير الممكن تصورها سياسيًا قبل عقد واحد. كما باتت القنوات الهادئة بين الرياض وطهران، وأنقرة والقاهرة، وأبوظبي والدوحة، تحل بصورة متزايدة محل المساعي الحميدة التي كانت تقوم بها واشنطن.
قد تبدو الحرب الأميركية الإيرانية وكأنها تنقض هذه الأطروحة. لكنها، حتى الآن، لا تبدو مرشحة للاستمرار إلى أجل غير مسمى، بافتراض صمود اتفاق السلام الحالي. غير أن طريقة حل الصراع عمّقت مأزق المنطقة بدل أن تخففه. فقد أظهرت الولايات المتحدة أنها ما تزال قادرة على بدء حرب وتصعيدها وإيقافها، في الوقت الذي وقف فيه الشريك الاقتصادي الرئيسي للمنطقة جانبًا.
وفوق ذلك، ورغم أن الحرب كانت مدمرة للمنطقة بأكملها، فقد أُديرت وفق جدول زمني وشروط حددتها الولايات المتحدة وإيران ثنائيًا. وبالنسبة إلى دول الخليج، لم يكن الدرس أن راعيها الأمني غير موثوق، بل أن التزاماته، التي تنفصل بصورة متزايدة عن المصالح الاقتصادية، أصبحت غير قابلة للتنبؤ. وهذا الانكشاف يدفع هذه الدول نحو ترتيبات أكثر استقلالية.
في مايو/أيار، ورد أن السعودية طرحت فكرة ميثاق إقليمي لعدم الاعتداء يشمل إيران ودولًا أخرى، مستلهمًا إلى حد ما من اتفاقات هلسنكي لعام 1975، التي ساعدت في تخفيف توترات الحرب الباردة عبر قواعد مقننة وإجراءات لبناء الثقة. وقد شجعت الحكومات الأوروبية ومؤسسات الاتحاد الأوروبي دول الخليج على دعم المقترح باعتباره وسيلة لتقليل خطر اندلاع صراع مستقبلي، مع تقديم ضمانات أمنية محدودة لإيران. لكن استقبال الفكرة كان متباينًا، بما يعكس "ambivalence"، أي حالة التردد والازدواجية، التي تقود أصلًا هذا التحول نحو الاعتماد على الذات.
إن مخاوف عواصم الخليج من أن تخلّف حرب إيران قيادة أضعف لكنها أكثر تشددًا في طهران، وما تزال قادرة على تهديد جيرانها، تجعل الإطار الإقليمي جذابًا، لكنها تجعل ديمومته غير مؤكدة. ولا يرقى أي من ذلك بعد إلى نظام إقليمي متماسك، لكنه يمثل أول محاولة مستمرة منذ جيلين لبناء نظام كهذا من دون ضامن خارجي.
لقد قامت هلسنكي على كتلتين متماسكتين، وآليات مؤسسية لضبط التسلح، واعتراف مشترك، ولو على مضض، بوجود مأزق استراتيجي، وهي شروط لا توجد حاليًا في الشرق الأوسط. لكن المنطق الكامن وراءها ما يزال ذا صلة: فالدول لا تحتاج إلى الثقة بعضها ببعض كي تتفق على تقييد سلوكها، وتقنين خلافاتها، وإنشاء قنوات قادرة على الصمود في الأزمات.
لن يتطلب النجاح قيام نظام إقليمي مؤسسي بالكامل. بل سيتطلب بنية متواضعة قادرة على امتصاص الصدمات من دون أن تؤدي فورًا إلى تدخل خارجي؛ والتزامًا موثوقًا بوقف تسليح الوكلاء عبر الحدود؛ واعتيادًا على الانخراط المباشر والروتيني.
لقد تعثرت محاولات التكامل الإقليمي السابقة، من جامعة الدول العربية إلى مجلس التعاون الخليجي، عند العقبتين نفسيهما: استمرار الخصومات بين من يفترض أنهم مهندسو النظام، وبقاء خيار الاتصال بالولايات المتحدة للحصول على الضمان حاضرًا دائمًا. أما المختلف اليوم فهو أن واشنطن لم تعد ترد على الخط بالقدر نفسه من الموثوقية. لم تختفِ قوتها، لكن طريقة استخدامها باتت أصعب على التنبؤ. والتنبؤ هو الأساس الذي تقوم عليه الضمانات الأمنية في نهاية المطاف.
أما الفشل في بناء بنية قادرة على تعزيز التكامل، فسيترك المنطقة عالقة كساحة لتنافس القوى الكبرى بدل أن تكون فاعلًا داخل هذا التنافس، وأكثر اعتمادًا على ضامنين تتجه أنظارهم ومواردهم إلى أماكن أخرى. وبعد أن أجّل قادة الشرق الأوسط هذا الخيار نصف قرن، صار عليهم الآن أن يقرروا ما إذا كانوا سيبنون بنية إقليمية بأنفسهم، أم سيبقون غارقين في أزمات تتراجع قدرتهم على التحكم بها.
لذلك لم يكن مفاجئًا أن انتقال التفوق العالمي من بريطانيا إلى الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية تجلّى بأكثر صوره أهمية في الشرق الأوسط، إذ انتقل مركزه الجيوسياسي من الانتدابات الاستعمارية البريطانية في لندن إلى مصالح واشنطن في الحرب الباردة وأمن النفط.
سرعان ما أُدمج الشرق الأوسط في نظام تقوده الولايات المتحدة، وفّرت فيه واشنطن الحماية العسكرية، وتكفلت بالشروط السياسية اللازمة لاندماج المنطقة في الاقتصاد العالمي. فقد أمّنت الولايات المتحدة طرق التجارة البحرية، وضمنت تدفق الطاقة، ورسّخت سوق النفط القائم على الدولار. ودارت عائدات النفط عبر الأسواق المالية الغربية، ووجهت الاقتصادات الإقليمية نفسها نحو العولمة التي تقودها الولايات المتحدة، بينما مثّلت القوة العسكرية الأميركية الضامن النهائي للاستقرار.
كانت تماسك ذلك النظام قائمًا على أن أبعاده الاقتصادية والأمنية كانت تقودها القوة نفسها. أما اليوم، فإن هذا التوافق يتآكل مع إعادة توزيع القوة الاقتصادية باتجاه الصين، وما يرافق ذلك من إعادة تشكيل للجغرافيا السياسية. فبينما تمارس الولايات المتحدة نفوذها اليوم أساسًا من خلال القوة العسكرية وتوفير الأمن، وسّعت الصين حضورها عبر التجارة والبنية التحتية وأدوات الدولة الاقتصادية، وبصورة متزايدة عبر تقديم نفسها بوصفها فاعلًا يمكن التنبؤ بسلوكه على المسرح العالمي.
من المرجح أن يستغرق هذا الاختلال الجديد عقودًا حتى يكتمل، لكن نادرًا ما كان الاعتماد الاقتصادي وتوفير الأمن متركزين بهذا الوضوح في أيدٍ مختلفة. فعلى مدى سبعين عامًا، صمد النظام الذي تقوده الولايات المتحدة لأن التجارة والأمن كانا يتحركان معًا. والشرق الأوسط هو أول ساحة كبرى يتفكك فيها هذا التماسك. فالاتكال الاقتصادي والاتكال الأمني يشيران الآن إلى اتجاهين مختلفين، والنتيجة ليست انتقالًا نظيفًا للهيمنة من قوة عظمى إلى أخرى، بل احتمال تفكك الهيمنة نفسها.
خلال معظم فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، كانت الصين لاعبًا هامشيًا في الشرق الأوسط؛ مجرد مشترٍ للنفط من دون وزن سياسي كبير أو طموح استراتيجي واضح. لكن ذلك تغيّر مع إطلاق مبادرة الحزام والطريق عام 2013، التي دشّنت عصرًا جديدًا من التعاون يتمحور حول الطاقة والبنية التحتية.
حجم هذا التحول لافت. فقد ارتفعت التجارة بين الصين والعالم العربي من نحو 36 مليار دولار عام 2004 إلى قرابة 400 مليار دولار بحلول عام 2024. وأصبحت الصين أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، وأكبر شريك تجاري للشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه، وسّعت بكين حضورها الدبلوماسي في أنحاء المنطقة، وأبرز مثال على ذلك رعايتها التقارب السعودي الإيراني عام 2023. وقد تجنبت باستمرار الانخراط العسكري المباشر، ولا تملك أي قواعد عسكرية في المنطقة.
في المقابل، تحتفظ الولايات المتحدة بمنشآت عسكرية في ما لا يقل عن 19 موقعًا في الشرق الأوسط، وتواصل ضمان دفاعات دول الخليج عبر نشر حاملات الطائرات وأنظمة الدفاع الصاروخي. كما تقود عمليات مكافحة الإرهاب، وتسلّح شركاءها من خلال مبيعات بعشرات المليارات من الدولارات، وتتعامل مع حرية تدفق طاقة دول الخليج بوصفها التزامًا استراتيجيًا دائمًا. ومنذ عام 2019، أصبحت الولايات المتحدة مصدّرًا صافيًا للطاقة، ينافس المنتجين الإقليميين في الأسواق الدولية.
لكن بينما تواصل الولايات المتحدة تثبيت الأمن، فإنها لم تعد تحمل الوزن الاقتصادي للمنطقة.
لقد كشفت حرب إيران هذا الانقلاب بوضوح حاد. فعندما خنق الصراع حركة المرور عبر مضيق هرمز، لم تكن القوة الأكثر تعرضًا للخطر هي الولايات المتحدة أو إسرائيل أو إيران، بل الصين. فبصفتها أكبر مستورد للنفط الذي يمر عبر المضيق، وجدت الصين شريان طاقتها رهينة مواجهة لم تشارك في إشعالها ولا تملك قوات لإدارتها. أما الولايات المتحدة، من جانبها، فقد اعتمدت على حصار بحري لموانئ إيران بوصفه أداة الضغط الرئيسية، وكرّست موارد عسكرية لحراسة نقطة اختناق تقع فوائدها التجارية إلى حد كبير في آسيا.
هذا الاختلال بين مسارات التجارة ومواقع القوة العسكرية يعني أن الترابط الاقتصادي لم يعد يطابق بنى التحالفات. فالدول تبيع نفطها لقوة عظمى، بينما تعتمد على قوة أخرى في الحماية، كما أن شركاءها الاقتصاديين والأمنيين يعملون بصورة متزايدة وفق أولويات استراتيجية وتصوّرات تهديد مختلفة.
وقد أصبحت ضغوط هذه الديناميكية واضحة بالفعل. فعندما طلبت الولايات المتحدة من عدة حلفاء في الناتو، وكذلك من الصين واليابان وكوريا الجنوبية، المساعدة في تأمين المضيق، رفضوا، تاركين الولايات المتحدة تتحمل عبئًا تعود ثماره الاقتصادية إلى أماكن أخرى.
ومع تزايد انفصال التزامات واشنطن عن حصتها الاقتصادية في الشرق الأوسط، تكون النتيجة ردعًا أضعف، وخطرًا أكبر لسوء تقدير من جانب الخصوم، وميلًا متناميًا نحو التحوط بدل الاصطفاف. فدول المنطقة باتت تتودد إلى الصين اقتصاديًا، وإلى الولايات المتحدة عسكريًا، وإلى روسيا أو غيرها بصورة انتهازية.
ومع اتجاه الاعتماد الاقتصادي والاعتماد الأمني في مسارين متعاكسين، تُدفع دول الشرق الأوسط نحو توازن تديره بنفسها. فالتحوط وحده لا يستطيع تثبيت منطقة تتباين فيها مصالح الضامنين الخارجيين وتختلف التزاماتهم. وكلما أصبح النظام الدولي أكثر تشتتًا، زادت حوافز قوى الشرق الأوسط لتقليل تعرضها لمنافسة القوى الكبرى، عبر إدارة التوترات مباشرة فيما بينها.
ما يظهر الآن ليس استقلالًا بالمعنى التقليدي، بل شيء أضيق وأكثر براغماتية: انتقال تدريجي من نظام تتوسط فيه القوى الخارجية إلى تعايش تفاوضي إقليمي.
يصعب تجاهل الأدلة على أن دول الشرق الأوسط باتت تميل بصورة متزايدة إلى تجاوز الوساطة الخارجية، أي الانخراط المباشر فيما بينها بدل التعامل عبر الرعاة الخارجيين. فقد صمد التقارب السعودي الإيراني عام 2023 أمام صدمات متكررة. وانتقلت تركيا ودول الخليج من الخصومة المفتوحة إلى التطبيع النشط. كما أعادت معظم العواصم العربية الانخراط مع دمشق، منهية أكثر من عقد من العزلة الرسمية.
وتنسق دول الخليج مع جيرانها في مجالات البنية التحتية للطاقة، وممرات النقل، والخدمات اللوجستية، بطرق كان من غير الممكن تصورها سياسيًا قبل عقد واحد. كما باتت القنوات الهادئة بين الرياض وطهران، وأنقرة والقاهرة، وأبوظبي والدوحة، تحل بصورة متزايدة محل المساعي الحميدة التي كانت تقوم بها واشنطن.
قد تبدو الحرب الأميركية الإيرانية وكأنها تنقض هذه الأطروحة. لكنها، حتى الآن، لا تبدو مرشحة للاستمرار إلى أجل غير مسمى، بافتراض صمود اتفاق السلام الحالي. غير أن طريقة حل الصراع عمّقت مأزق المنطقة بدل أن تخففه. فقد أظهرت الولايات المتحدة أنها ما تزال قادرة على بدء حرب وتصعيدها وإيقافها، في الوقت الذي وقف فيه الشريك الاقتصادي الرئيسي للمنطقة جانبًا.
وفوق ذلك، ورغم أن الحرب كانت مدمرة للمنطقة بأكملها، فقد أُديرت وفق جدول زمني وشروط حددتها الولايات المتحدة وإيران ثنائيًا. وبالنسبة إلى دول الخليج، لم يكن الدرس أن راعيها الأمني غير موثوق، بل أن التزاماته، التي تنفصل بصورة متزايدة عن المصالح الاقتصادية، أصبحت غير قابلة للتنبؤ. وهذا الانكشاف يدفع هذه الدول نحو ترتيبات أكثر استقلالية.
في مايو/أيار، ورد أن السعودية طرحت فكرة ميثاق إقليمي لعدم الاعتداء يشمل إيران ودولًا أخرى، مستلهمًا إلى حد ما من اتفاقات هلسنكي لعام 1975، التي ساعدت في تخفيف توترات الحرب الباردة عبر قواعد مقننة وإجراءات لبناء الثقة. وقد شجعت الحكومات الأوروبية ومؤسسات الاتحاد الأوروبي دول الخليج على دعم المقترح باعتباره وسيلة لتقليل خطر اندلاع صراع مستقبلي، مع تقديم ضمانات أمنية محدودة لإيران. لكن استقبال الفكرة كان متباينًا، بما يعكس "ambivalence"، أي حالة التردد والازدواجية، التي تقود أصلًا هذا التحول نحو الاعتماد على الذات.
إن مخاوف عواصم الخليج من أن تخلّف حرب إيران قيادة أضعف لكنها أكثر تشددًا في طهران، وما تزال قادرة على تهديد جيرانها، تجعل الإطار الإقليمي جذابًا، لكنها تجعل ديمومته غير مؤكدة. ولا يرقى أي من ذلك بعد إلى نظام إقليمي متماسك، لكنه يمثل أول محاولة مستمرة منذ جيلين لبناء نظام كهذا من دون ضامن خارجي.
لقد قامت هلسنكي على كتلتين متماسكتين، وآليات مؤسسية لضبط التسلح، واعتراف مشترك، ولو على مضض، بوجود مأزق استراتيجي، وهي شروط لا توجد حاليًا في الشرق الأوسط. لكن المنطق الكامن وراءها ما يزال ذا صلة: فالدول لا تحتاج إلى الثقة بعضها ببعض كي تتفق على تقييد سلوكها، وتقنين خلافاتها، وإنشاء قنوات قادرة على الصمود في الأزمات.
لن يتطلب النجاح قيام نظام إقليمي مؤسسي بالكامل. بل سيتطلب بنية متواضعة قادرة على امتصاص الصدمات من دون أن تؤدي فورًا إلى تدخل خارجي؛ والتزامًا موثوقًا بوقف تسليح الوكلاء عبر الحدود؛ واعتيادًا على الانخراط المباشر والروتيني.
لقد تعثرت محاولات التكامل الإقليمي السابقة، من جامعة الدول العربية إلى مجلس التعاون الخليجي، عند العقبتين نفسيهما: استمرار الخصومات بين من يفترض أنهم مهندسو النظام، وبقاء خيار الاتصال بالولايات المتحدة للحصول على الضمان حاضرًا دائمًا. أما المختلف اليوم فهو أن واشنطن لم تعد ترد على الخط بالقدر نفسه من الموثوقية. لم تختفِ قوتها، لكن طريقة استخدامها باتت أصعب على التنبؤ. والتنبؤ هو الأساس الذي تقوم عليه الضمانات الأمنية في نهاية المطاف.
أما الفشل في بناء بنية قادرة على تعزيز التكامل، فسيترك المنطقة عالقة كساحة لتنافس القوى الكبرى بدل أن تكون فاعلًا داخل هذا التنافس، وأكثر اعتمادًا على ضامنين تتجه أنظارهم ومواردهم إلى أماكن أخرى. وبعد أن أجّل قادة الشرق الأوسط هذا الخيار نصف قرن، صار عليهم الآن أن يقرروا ما إذا كانوا سيبنون بنية إقليمية بأنفسهم، أم سيبقون غارقين في أزمات تتراجع قدرتهم على التحكم بها.
