يرى غريغوري غوز الثالث، في مقاله المنشور في مجلة Foreign Affairs، أن الحروب التي شهدها الشرق الأوسط منذ هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بما فيها الحرب على غزة والمواجهة الأميركية-الإسرائيلية مع إيران، أحدثت دمارًا وتحولات عسكرية وسياسية واسعة، لكنها لم تغيّر البنية الأساسية للنظام الإقليمي. فقد بقي النظام الإيراني متماسكًا واستعاد جزءًا من نفوذه، واستمر وكلاؤه في العراق ولبنان واليمن، فيما فشلت إسرائيل في تحويل تفوقها العسكري إلى تسويات سياسية، وواصلت إضعاف المؤسسات الفلسطينية والتدخل في الدول العربية المجاورة. كما ظلت دول الخليج معتمدة أمنيًا على الولايات المتحدة رغم تراجع ثقتها بإسرائيل وقلقها من إيران. ويؤكد غوز أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن تحقيقه بالقصف أو تغيير الأنظمة بالقوة، بل يتطلب تقوية مؤسسات الدول العربية، والحد من نفوذ الجماعات المسلحة، والتوصل إلى تفاهم مستدام مع إيران، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، والأهم معالجة القضية الفلسطينية عبر تسوية تحقق تقرير المصير الفلسطيني وأمن إسرائيل؛ وإلا ستبقى المنطقة عالقة في دائرة من الحروب المتكررة.
The New Old Middle East
من نواحٍ عديدة، تبدو الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، والحرب في غزة التي سبقتها، تحوّليتين. فبعد عقود من حرب الظل، باتت إيران وإسرائيل تهاجمان أراضي بعضهما بعضًا بصورة مباشرة. كما انضمت إسرائيل والولايات المتحدة إلى بعضهما بطريقة غير مسبوقة فعلًا لشنّ الحرب على إيران. وقد فقدت الجمهورية الإسلامية مرشدها الأعلى، الذي حكم البلاد طوال 36 عامًا، وجزءًا كبيرًا من بنيتها التحتية الدفاعية. أما دول الخليج، التي كانت في السابق قادرة إلى حدّ بعيد على تجنّب أضرار الصراعات، فقد شهدت منشآتها للطاقة ومطاراتها وفنادقها تشتعل بالنيران. وجرّ حزب الله لبنان، الذي كان قد بدأ للتو بالتعافي من حربه الأخيرة، مجددًا إلى الصراع. كما أُطيح بنظام الأسد، الذي حكم سوريا لنحو نصف قرن، بعدما تعرّض شركاؤه في بيروت وطهران لضربات قاسية وعجزوا عن تقديم أي مساعدة له. أما إسرائيل، فقد سوّت غزة بالأرض، واقتربت بحذر من ضمّ الضفة الغربية، وأعادت احتلال أجزاء من جنوب لبنان، ووسّعت سيطرتها على الأراضي السورية إلى ما وراء مرتفعات الجولان.
كل هذه التغيّرات حقيقية ومهمة، وقد تسببت في معاناة ملايين الأشخاص. ومع ذلك، فإن الشرق الأوسط الذي يخرج من هذه الاضطرابات يبدو، في مجمله، شبيهًا إلى حدّ بعيد بالشرق الأوسط الذي كان قائمًا قبلها. فلا تزال القوى الخارجية تمارس ألعاب توازن القوى داخل حدود الدول العربية الضعيفة، ولا يزال الصراع الإيراني-الإسرائيلي قائمًا، وتبقى القضية الفلسطينية من دون حل، فيما تفتقر الولايات المتحدة إلى القدرة أو الإرادة لفرض النظام، لكنها لا تزال منخرطة في المنطقة إلى درجة تحول دون مغادرتها.
ويجسّد وقف إطلاق النار الذي وقّعته إيران والولايات المتحدة في يونيو/حزيران 2026 فشل إدارة ترامب في إحداث تغيير جوهري في المنطقة. فبعد تعرضها لسلسلة من الضربات بين عامي 2023 و2025، أعادت طهران تأكيد قوتها من خلال إحكام قبضتها على مضيق هرمز ومهاجمة جيرانها الخليجيين. ولا يزال النظام الذي كان قائمًا في طهران قبل الحرب متماسكًا إلى حدّ بعيد، لكنه بات خاضعًا لهيمنة أعضاء في الحرس الثوري الإسلامي، لا يقلّون التزامًا عن أسلافهم بمعارضة إسرائيل والتدخل في الدول العربية الضعيفة. وكانت الحرب الأميركية-الإسرائيلية التي بدأت في فبراير/شباط 2026 تهدف إلى استنزاف قوة إيران، إن لم يكن القضاء على نظامها. لكنها، بدلًا من ذلك، منحت الجمهورية الإسلامية فرصة جديدة للحياة.
وعلى الرغم من عامين ونصف العام من القتال ومقتل عشرات الآلاف من الأشخاص، معظمهم من الفلسطينيين، فإن الوضع في إسرائيل وغزة والضفة الغربية لا يزال مشابهًا إلى حدّ بعيد لما كان عليه قبل هجمات حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. فقد جرى إضعاف حماس وتجريدها من جانب كبير من قدراتها، لكن الاستخدام الإسرائيلي الاستثنائي للقوة لم يحلّ المشكلات الجوهرية الكامنة في صلب الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. وعلى الرغم من أن بعض المسؤولين الإسرائيليين يؤيدون الطرد الكامل للفلسطينيين وضم أراضيهم، فإن ذلك لم يحدث، ولن يحدث في أي وقت قريب. وفي غياب تسوية سياسية تتضمن شكلًا من أشكال تقرير المصير الفلسطيني، يظل الشكل الأساسي للصراع كما هو. ولا تبدي إسرائيل أي مؤشرات على التفكير في نوع التسويات التي قد تقود إلى مثل هذه التسوية، فيما أحجمت الولايات المتحدة عن ممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل لدفعها إلى تقديم تنازلات.
لا تستطيع الولايات المتحدة وإسرائيل قصف المنطقة وصولًا إلى شرق أوسط أفضل. فالشرق الأوسط الذي يشهد تحولًا حقيقيًا، ويمكن أن يشكّل أساسًا لنظام إقليمي أكثر استقرارًا، ينبغي أن يتميز بوجود حكومات مركزية أقوى في دول عربية مثل العراق ولبنان وسوريا واليمن. أما اليوم، فتعاني هذه الدول الحروب الأهلية أو الاضطرابات الداخلية، وستظل المنطقة متقلبة ما دامت حكوماتها عاجزة عن ضبط حدودها ومنع الجهات الفاعلة من غير الدول الموجودة على أراضيها من اتباع سياسات خارجية وعسكرية خاصة بها. فالدول الضعيفة، في نهاية المطاف، لا تستطيع صنع سلام دائم.
كما أن شرق أوسط متحوّلًا سيشهد نهاية محاولات القوى الإقليمية والخارجية، وفي مقدمتها إيران وإن لم تكن الوحيدة، تشجيع الميليشيات أو تمويلها. وسيشمل أيضًا مسارًا دبلوماسيًا يحظى بدعم دولي واسع وقبول إقليمي، ويركز على العمل من أجل التوصل إلى تسوية للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني تضمن أمن إسرائيل وحق الفلسطينيين في تقرير المصير. وقد يتضمن كذلك تغييرًا حقيقيًا للنظام في إيران، ينفذه الإيرانيون أنفسهم، ويفضي إلى حكومة تحترم سيادة جيرانها وتتخلى عن حملتها الأيديولوجية ضد إسرائيل.
لكن الحرب الإقليمية التي بدأت عام 2023 لم تقرّب الشرق الأوسط من هذا النوع من التحول. وفي وقت كتابة هذا المقال، كانت إيران والولايات المتحدة تتناوبان بين التفاوض والقتال، لكن أيًا منهما لم يكن مستعدًا للتصعيد بطريقة تغيّر الأسس الجوهرية للوضع القائم بينهما منذ فبراير/شباط. فلن تسمح طهران بحرية الملاحة غير المقيّدة عبر مضيق هرمز، ولن تتخلى عن برنامجها النووي أو وكلائها الإقليميين. كما لا يبدو أن واشنطن ستُقدم على إرسال قوات إلى إيران، وهو شرط أساسي لفرض تغيير النظام من الخارج. وما لم تنهَر الحكومة في طهران بوسائل أخرى ويحلّ محلها نظام مختلف جذريًا، وهي نتيجة تبدو الآن أقل احتمالًا مما كانت عليه قبل اندلاع الحرب، فإنه بصرف النظر عن المدة التي ستستمر فيها الحرب أو الطريقة التي ستنتهي بها، لن تكون المآسي وسفك الدماء اللذان شهدهما العالم خلال السنوات الماضية أكثر من ضجيج وغضب بلا أثر حقيقي. ولأنه لم يطرأ أي تغيير جوهري على الديناميكيات والمصالح الأساسية في الشرق الأوسط، فإن العدّ التنازلي للحرب المقبلة سيكون قد بدأ بالفعل، حتى لو أمكن التوصل إلى وقف إطلاق نار أكثر استدامة.
كل هذه التغيّرات حقيقية ومهمة، وقد تسببت في معاناة ملايين الأشخاص. ومع ذلك، فإن الشرق الأوسط الذي يخرج من هذه الاضطرابات يبدو، في مجمله، شبيهًا إلى حدّ بعيد بالشرق الأوسط الذي كان قائمًا قبلها. فلا تزال القوى الخارجية تمارس ألعاب توازن القوى داخل حدود الدول العربية الضعيفة، ولا يزال الصراع الإيراني-الإسرائيلي قائمًا، وتبقى القضية الفلسطينية من دون حل، فيما تفتقر الولايات المتحدة إلى القدرة أو الإرادة لفرض النظام، لكنها لا تزال منخرطة في المنطقة إلى درجة تحول دون مغادرتها.
ويجسّد وقف إطلاق النار الذي وقّعته إيران والولايات المتحدة في يونيو/حزيران 2026 فشل إدارة ترامب في إحداث تغيير جوهري في المنطقة. فبعد تعرضها لسلسلة من الضربات بين عامي 2023 و2025، أعادت طهران تأكيد قوتها من خلال إحكام قبضتها على مضيق هرمز ومهاجمة جيرانها الخليجيين. ولا يزال النظام الذي كان قائمًا في طهران قبل الحرب متماسكًا إلى حدّ بعيد، لكنه بات خاضعًا لهيمنة أعضاء في الحرس الثوري الإسلامي، لا يقلّون التزامًا عن أسلافهم بمعارضة إسرائيل والتدخل في الدول العربية الضعيفة. وكانت الحرب الأميركية-الإسرائيلية التي بدأت في فبراير/شباط 2026 تهدف إلى استنزاف قوة إيران، إن لم يكن القضاء على نظامها. لكنها، بدلًا من ذلك، منحت الجمهورية الإسلامية فرصة جديدة للحياة.
وعلى الرغم من عامين ونصف العام من القتال ومقتل عشرات الآلاف من الأشخاص، معظمهم من الفلسطينيين، فإن الوضع في إسرائيل وغزة والضفة الغربية لا يزال مشابهًا إلى حدّ بعيد لما كان عليه قبل هجمات حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. فقد جرى إضعاف حماس وتجريدها من جانب كبير من قدراتها، لكن الاستخدام الإسرائيلي الاستثنائي للقوة لم يحلّ المشكلات الجوهرية الكامنة في صلب الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. وعلى الرغم من أن بعض المسؤولين الإسرائيليين يؤيدون الطرد الكامل للفلسطينيين وضم أراضيهم، فإن ذلك لم يحدث، ولن يحدث في أي وقت قريب. وفي غياب تسوية سياسية تتضمن شكلًا من أشكال تقرير المصير الفلسطيني، يظل الشكل الأساسي للصراع كما هو. ولا تبدي إسرائيل أي مؤشرات على التفكير في نوع التسويات التي قد تقود إلى مثل هذه التسوية، فيما أحجمت الولايات المتحدة عن ممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل لدفعها إلى تقديم تنازلات.
لا تستطيع الولايات المتحدة وإسرائيل قصف المنطقة وصولًا إلى شرق أوسط أفضل. فالشرق الأوسط الذي يشهد تحولًا حقيقيًا، ويمكن أن يشكّل أساسًا لنظام إقليمي أكثر استقرارًا، ينبغي أن يتميز بوجود حكومات مركزية أقوى في دول عربية مثل العراق ولبنان وسوريا واليمن. أما اليوم، فتعاني هذه الدول الحروب الأهلية أو الاضطرابات الداخلية، وستظل المنطقة متقلبة ما دامت حكوماتها عاجزة عن ضبط حدودها ومنع الجهات الفاعلة من غير الدول الموجودة على أراضيها من اتباع سياسات خارجية وعسكرية خاصة بها. فالدول الضعيفة، في نهاية المطاف، لا تستطيع صنع سلام دائم.
كما أن شرق أوسط متحوّلًا سيشهد نهاية محاولات القوى الإقليمية والخارجية، وفي مقدمتها إيران وإن لم تكن الوحيدة، تشجيع الميليشيات أو تمويلها. وسيشمل أيضًا مسارًا دبلوماسيًا يحظى بدعم دولي واسع وقبول إقليمي، ويركز على العمل من أجل التوصل إلى تسوية للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني تضمن أمن إسرائيل وحق الفلسطينيين في تقرير المصير. وقد يتضمن كذلك تغييرًا حقيقيًا للنظام في إيران، ينفذه الإيرانيون أنفسهم، ويفضي إلى حكومة تحترم سيادة جيرانها وتتخلى عن حملتها الأيديولوجية ضد إسرائيل.
لكن الحرب الإقليمية التي بدأت عام 2023 لم تقرّب الشرق الأوسط من هذا النوع من التحول. وفي وقت كتابة هذا المقال، كانت إيران والولايات المتحدة تتناوبان بين التفاوض والقتال، لكن أيًا منهما لم يكن مستعدًا للتصعيد بطريقة تغيّر الأسس الجوهرية للوضع القائم بينهما منذ فبراير/شباط. فلن تسمح طهران بحرية الملاحة غير المقيّدة عبر مضيق هرمز، ولن تتخلى عن برنامجها النووي أو وكلائها الإقليميين. كما لا يبدو أن واشنطن ستُقدم على إرسال قوات إلى إيران، وهو شرط أساسي لفرض تغيير النظام من الخارج. وما لم تنهَر الحكومة في طهران بوسائل أخرى ويحلّ محلها نظام مختلف جذريًا، وهي نتيجة تبدو الآن أقل احتمالًا مما كانت عليه قبل اندلاع الحرب، فإنه بصرف النظر عن المدة التي ستستمر فيها الحرب أو الطريقة التي ستنتهي بها، لن تكون المآسي وسفك الدماء اللذان شهدهما العالم خلال السنوات الماضية أكثر من ضجيج وغضب بلا أثر حقيقي. ولأنه لم يطرأ أي تغيير جوهري على الديناميكيات والمصالح الأساسية في الشرق الأوسط، فإن العدّ التنازلي للحرب المقبلة سيكون قد بدأ بالفعل، حتى لو أمكن التوصل إلى وقف إطلاق نار أكثر استدامة.
ما زالت تملك القوة
بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 و28 فبراير/شباط 2026، تعرضت إيران لسلسلة من الضربات جعلتها تبدو كأنها نمر من ورق. فقد تحولت بنيتها التحتية النووية إلى ركام بفعل الضربات الإسرائيلية والأميركية في يونيو/حزيران 2025. وتمكنت إسرائيل من اختراق إيران من الداخل، فقتلت جنرالات وعلماء نوويين على الأراضي الإيرانية، واغتالت رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في طهران نفسها. كما أدى سقوط بشار الأسد في سوريا في ديسمبر/كانون الأول 2024 إلى قطع الجسر البري الإيراني الممتد إلى لبنان. ووجهت إسرائيل ضربات مدمرة إلى أقوى وكلاء إيران، حماس وحزب الله. وأدت المشكلات الاقتصادية المستمرة إلى اندلاع موجة احتجاجات ضد النظام الإيراني في ديسمبر/كانون الأول 2025، قمعها النظام بوحشية. ووفقًا لوكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان، قتلت قوات الأمن التابعة للنظام ما لا يقل عن سبعة آلاف متظاهر، في حين قدّرت منظمات أخرى عدد القتلى بعشرات الآلاف. ولا شك في أن الضعف الظاهر لإيران أغرى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالاعتقاد أن المزيد من الضربات يمكن أن يقود إلى تغيير النظام. وعندما شنّ هجماته بالتنسيق مع إسرائيل في 28 فبراير/شباط من هذا العام، دعا الإيرانيين إلى «تولي السيطرة» على حكومتهم.
ومع ذلك، خرجت إيران منتصرة من هذه الجولة الأخيرة من القتال. صحيح أن البلاد لا تزال تعاني المشكلات الاقتصادية ذاتها وحالة السخط الاجتماعي التي دفعت الإيرانيين إلى النزول إلى الشوارع في ديسمبر/كانون الأول، لكن النظام الإيراني استعاد مكانته بعد صموده في وجه الهجوم الأميركي-الإسرائيلي واكتشافه حجم النفوذ الذي يملكه على أسواق الطاقة العالمية. ومن المؤكد أنه سيواصل العناصر الأساسية لسياسته الإقليمية التي اتبعها طوال الأعوام السبعة والأربعين الماضية: معارضة إسرائيل، ومقاومة النفوذ الأميركي، والتدخل في سياسات الدول العربية الضعيفة. وسيكون لديه أيضًا كل الحوافز لبذل ما يستطيع من أجل تطوير أسلحة نووية باعتبارها وسيلة الردع القصوى ضد أي هجمات إسرائيلية أو أميركية مستقبلية.
ولا يزال حلفاء إيران، رغم إضعافهم، يتمتعون بنفوذ كبير في أنحاء العالم العربي. ففي الانتخابات العراقية التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، حققت الأحزاب الشيعية المتحالفة مع إيران والميليشيات العراقية التي تدعمها نتائج جيدة. وفي فبراير/شباط ومارس/آذار وأبريل/نيسان من هذا العام، أطلقت تلك الميليشيات صواريخ على قواعد أميركية في المنطقة. كما ملأت الحكومة العراقية الجديدة، برئاسة رئيس الوزراء علي الزيدي، شأنها شأن الحكومات التي سبقتها، مناصب مهمة بعدد كبير من حلفاء إيران المحليين.
وقد فتحت الهجمات الإسرائيلية على حزب الله بين عامي 2023 و2025 نافذة قصيرة أمام الحكومة اللبنانية، الضعيفة تاريخيًا، لفرض سلطتها. ففي يناير/كانون الثاني 2025، انتخب البرلمان اللبناني جوزيف عون، المسيحي الماروني والقائد العسكري السابق الذي كان حزب الله قد عرقل انتخابه لسنوات، رئيسًا للجمهورية. وحقق لبنان بعد ذلك بعض التقدم في تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل لعام 2024؛ فقد كان حزب الله، على سبيل المثال، قد انسحب إلى حد كبير من المنطقة الحدودية اللبنانية مع إسرائيل بحلول نهاية عام 2025.
لكن مهمة استعادة أولوية الدولة في لبنان بقيت غير مكتملة، إذ انضم حزب الله إلى الضربات الانتقامية الإيرانية ردًا على الحملة الأميركية-الإسرائيلية عام 2026. وردت إسرائيل بشن اجتياح بري لجنوب لبنان وحملة جوية شملت البلاد بأكملها، ما أسفر عن مقتل أكثر من 4200 شخص ونزوح مليون آخرين. وعلى الرغم من أن حزب الله هو الهدف المعلن لإسرائيل، فمن المرجح أن تكون الحكومة اللبنانية الجديدة هي الضحية الفعلية للحملة، رغم أنها أدانت هجوم حزب الله وعرضت التفاوض مع إسرائيل. فقد نجا حزب الله من أكثر من أربعين عامًا من الصراع مع إسرائيل، بما في ذلك هذا الهجوم الأخير. أما الحكومة اللبنانية، فمن المرجح أن تفقد صدقيتها بسبب عجزها عن منع اضطراب هائل جديد في حياة المواطنين العاديين.
أما الحوثيون، حلفاء إيران في اليمن، فقد عرقلوا حركة الملاحة العالمية في مضيق باب المندب بين عامي 2023 و2025، بدعوى التضامن مع الفلسطينيين، لكنهم ظلوا بعيدين عن المواجهة خلال النصف الأول من عام 2026، رغم الهجمات التي تعرضت لها إيران. وجاء هذا الهدوء نتيجة العلاقة الناشئة بين الجماعة والسعودية. فمنذ عام 2022 وحتى يوليو/تموز 2026، حافظ الحوثيون على وقف لإطلاق النار مع جارتهم، وخلال تلك الفترة دفعت الرياض رواتب موظفي الخدمة المدنية اليمنيين، الذين يعمل كثير منهم في مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين. ومع ذلك، لا يزال الحوثيون ملتزمين أيديولوجيًا وسياسيًا بطهران، ويبدو أنهم يعودون الآن إلى الانخراط في القتال دعمًا لحليفتهم. وفي وقت كتابة هذا المقال، كان الحوثيون قد أعلنوا فرض حصار بحري على السعودية، ولا يزال تأثير ذلك في تدفقات الطاقة عبر البحر الأحمر غير واضح، لكنه لن يكون إيجابيًا على الأرجح. ومن شأن التوصل إلى تسوية سياسية يمنية أن يعزز الأمن في الشرق الأوسط، لكن النتيجة الأكثر ترجيحًا للأحداث الأخيرة هي عودة الحوثيين إلى الصراع الإقليمي.
ومع ذلك، خرجت إيران منتصرة من هذه الجولة الأخيرة من القتال. صحيح أن البلاد لا تزال تعاني المشكلات الاقتصادية ذاتها وحالة السخط الاجتماعي التي دفعت الإيرانيين إلى النزول إلى الشوارع في ديسمبر/كانون الأول، لكن النظام الإيراني استعاد مكانته بعد صموده في وجه الهجوم الأميركي-الإسرائيلي واكتشافه حجم النفوذ الذي يملكه على أسواق الطاقة العالمية. ومن المؤكد أنه سيواصل العناصر الأساسية لسياسته الإقليمية التي اتبعها طوال الأعوام السبعة والأربعين الماضية: معارضة إسرائيل، ومقاومة النفوذ الأميركي، والتدخل في سياسات الدول العربية الضعيفة. وسيكون لديه أيضًا كل الحوافز لبذل ما يستطيع من أجل تطوير أسلحة نووية باعتبارها وسيلة الردع القصوى ضد أي هجمات إسرائيلية أو أميركية مستقبلية.
ولا يزال حلفاء إيران، رغم إضعافهم، يتمتعون بنفوذ كبير في أنحاء العالم العربي. ففي الانتخابات العراقية التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، حققت الأحزاب الشيعية المتحالفة مع إيران والميليشيات العراقية التي تدعمها نتائج جيدة. وفي فبراير/شباط ومارس/آذار وأبريل/نيسان من هذا العام، أطلقت تلك الميليشيات صواريخ على قواعد أميركية في المنطقة. كما ملأت الحكومة العراقية الجديدة، برئاسة رئيس الوزراء علي الزيدي، شأنها شأن الحكومات التي سبقتها، مناصب مهمة بعدد كبير من حلفاء إيران المحليين.
وقد فتحت الهجمات الإسرائيلية على حزب الله بين عامي 2023 و2025 نافذة قصيرة أمام الحكومة اللبنانية، الضعيفة تاريخيًا، لفرض سلطتها. ففي يناير/كانون الثاني 2025، انتخب البرلمان اللبناني جوزيف عون، المسيحي الماروني والقائد العسكري السابق الذي كان حزب الله قد عرقل انتخابه لسنوات، رئيسًا للجمهورية. وحقق لبنان بعد ذلك بعض التقدم في تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل لعام 2024؛ فقد كان حزب الله، على سبيل المثال، قد انسحب إلى حد كبير من المنطقة الحدودية اللبنانية مع إسرائيل بحلول نهاية عام 2025.
لكن مهمة استعادة أولوية الدولة في لبنان بقيت غير مكتملة، إذ انضم حزب الله إلى الضربات الانتقامية الإيرانية ردًا على الحملة الأميركية-الإسرائيلية عام 2026. وردت إسرائيل بشن اجتياح بري لجنوب لبنان وحملة جوية شملت البلاد بأكملها، ما أسفر عن مقتل أكثر من 4200 شخص ونزوح مليون آخرين. وعلى الرغم من أن حزب الله هو الهدف المعلن لإسرائيل، فمن المرجح أن تكون الحكومة اللبنانية الجديدة هي الضحية الفعلية للحملة، رغم أنها أدانت هجوم حزب الله وعرضت التفاوض مع إسرائيل. فقد نجا حزب الله من أكثر من أربعين عامًا من الصراع مع إسرائيل، بما في ذلك هذا الهجوم الأخير. أما الحكومة اللبنانية، فمن المرجح أن تفقد صدقيتها بسبب عجزها عن منع اضطراب هائل جديد في حياة المواطنين العاديين.
أما الحوثيون، حلفاء إيران في اليمن، فقد عرقلوا حركة الملاحة العالمية في مضيق باب المندب بين عامي 2023 و2025، بدعوى التضامن مع الفلسطينيين، لكنهم ظلوا بعيدين عن المواجهة خلال النصف الأول من عام 2026، رغم الهجمات التي تعرضت لها إيران. وجاء هذا الهدوء نتيجة العلاقة الناشئة بين الجماعة والسعودية. فمنذ عام 2022 وحتى يوليو/تموز 2026، حافظ الحوثيون على وقف لإطلاق النار مع جارتهم، وخلال تلك الفترة دفعت الرياض رواتب موظفي الخدمة المدنية اليمنيين، الذين يعمل كثير منهم في مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين. ومع ذلك، لا يزال الحوثيون ملتزمين أيديولوجيًا وسياسيًا بطهران، ويبدو أنهم يعودون الآن إلى الانخراط في القتال دعمًا لحليفتهم. وفي وقت كتابة هذا المقال، كان الحوثيون قد أعلنوا فرض حصار بحري على السعودية، ولا يزال تأثير ذلك في تدفقات الطاقة عبر البحر الأحمر غير واضح، لكنه لن يكون إيجابيًا على الأرجح. ومن شأن التوصل إلى تسوية سياسية يمنية أن يعزز الأمن في الشرق الأوسط، لكن النتيجة الأكثر ترجيحًا للأحداث الأخيرة هي عودة الحوثيين إلى الصراع الإقليمي.
الشيوخ تحت الضغط
بين عامي 2023 و2025، ظلت دول الخليج العربية إلى حد كبير متفرجة على الحرب الإقليمية. وكانت قطر قد استضافت قادة حماس وقدمت التمويل للحركة، بموافقة إسرائيلية وأميركية، على مدى سنوات. لكن أيًا من دول الخليج الأخرى لم يكن منزعجًا بصورة خاصة من إضعاف حماس وحزب الله. غير أن شراسة الحملة الإسرائيلية في غزة رفعت مكانة القضية الفلسطينية في وعي الشعوب العربية، وجعلت أي دعم علني لإسرائيل خيارًا محفوفًا بالمخاطر. ومع ازدياد هشاشة إيران، تنامى قلق قادة الخليج من أن تسعى إسرائيل إلى فرض هيمنة عسكرية إقليمية. وتفاقمت هذه المخاوف في سبتمبر/أيلول 2025، عندما قصفت إسرائيل مقرًا سكنيًا في قطر في محاولة فاشلة لقتل مسؤولين من حماس كانوا موجودين هناك للتفاوض بشأن مقترح تدعمه الولايات المتحدة.
ولسنوات، فضلت دول الخليج الاستقرار في محيطها حتى تتمكن من التركيز على جذب السياحة والتجارة والاستثمارات الأجنبية اللازمة لتقليل اعتمادها الشديد على صادرات الطاقة. فالحرب تضر بالأعمال، ولهذا السبب التزمت حكومات الخليج موقفًا منخفضًا خلال الضربات الأميركية-الإسرائيلية على إيران في يونيو/حزيران 2025، وضغطت على الولايات المتحدة لمنعها من مهاجمة إيران في مطلع عام 2026.
لكن هذا التحفظ لم يحمِ دول الخليج من إيران. فعندما بدأت إسرائيل والولايات المتحدة حربهما على إيران في فبراير/شباط 2026، تحمل الخليج العبء الأكبر من الرد الإيراني. ومع تعرض هذه الدول للضربات، بدأت تصوراتها تتغير. ففي بداية الصراع، بدا قادة الخليج منزعجين من الولايات المتحدة لأنها وضعتهم في مرمى الانتقام الإيراني. لكن عددًا كبيرًا من نخب الخليج تبنى لاحقًا الرأي القائل إن على الولايات المتحدة مواصلة الحرب إلى أن تفقد إيران قدرتها على تهديد جيرانها. وفي النهاية، أصيبوا بخيبة أمل من طرفي الصراع.
وتُعد المشاعر المتناقضة سمة شائعة في التحالفات بين دولة ضعيفة وأخرى قوية. فالشركاء الأضعف يخشون غالبًا أن يُستدرجوا إلى حروب يبدأها الشريك الأقوى، كما يخشون في الوقت نفسه أن يتخلى عنهم ذلك الشريك في مواجهة عدوهم المشترك. وتقدم دول الخليج نموذجًا تقليديًا لهذه الديناميكية. فعلى سبيل المثال، أثارت مذكرة التفاهم التي وقعتها إيران والولايات المتحدة في يونيو/حزيران 2026 مخاوف من التخلي، لأنها لم تشر إلى دول الخليج ولم تتطرق إلى قدرات إيران الصاروخية وقدراتها في مجال الطائرات المسيّرة. ومع ذلك، أيدت جميع دول الخليج المذكرة خشية أن يؤدي مزيد من التصعيد الأميركي إلى تجدد الهجمات الإيرانية على أراضيها. وقد تحققت هذه المخاوف عندما انهار وقف إطلاق النار.
ورغم إحباطها، من غير المرجح أن تبتعد دول الخليج عن الولايات المتحدة في أي وقت قريب. فالتكنولوجيا والتدريب الأميركيان يشكلان أساس منظومات الدفاع الجوي الخليجية، التي أثبتت نجاحًا كبيرًا في التصدي للطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية. وإضافة إلى ذلك، لا تملك دول الخليج ضامنًا أمنيًا آخر يمكن أن تتجه إليه. فلم تُبدِ الصين أي رغبة في أداء هذا الدور، كما أنها لا تمتلك قدرات إسقاط القوة اللازمة للقيام به. أما روسيا، فقد انحازت إلى إيران وهي منشغلة بحربها الخاصة في أوكرانيا. ولا تستطيع الدول الأوروبية أو القوى الإقليمية، مثل مصر وباكستان وتركيا، مضاهاة الولايات المتحدة من حيث القدرات القتالية.
أما التغيير الذي حدث خلال الأعوام الثلاثة الماضية، فيتعلق بنظرة دول الخليج إلى إسرائيل. فقد بدأت دول الخليج، على مدى سنوات، تتجه ببطء نحو احتضان إسرائيل بوصفها حليفًا محتملًا ضد إيران. وحتى السعودية كانت تدرس إقامة علاقات أكثر دفئًا معها. لكن هذا الاتجاه انعكس الآن، وتوقف الزخم نحو توسيع اتفاقيات أبراهام، وهي سلسلة من الاتفاقيات التي أُبرمت عام 2020 وطبّعت العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية. وجعلت حرب غزة تعاون القادة العرب علنًا مع إسرائيل أكثر خطورة من الناحية السياسية. كما دفعت الضربة الإسرائيلية ضد قطر ومساعي إسرائيل لمواصلة الحرب على إيران قادة الخليج إلى الشك في أن إسرائيل تكترث أصلًا بأمنهم. والدولة الخليجية الوحيدة التي جددت التزامها بعلاقاتها مع إسرائيل هي الإمارات العربية المتحدة، التي كانت تمتلك أصلًا أقوى الروابط معها.
ولسنوات، فضلت دول الخليج الاستقرار في محيطها حتى تتمكن من التركيز على جذب السياحة والتجارة والاستثمارات الأجنبية اللازمة لتقليل اعتمادها الشديد على صادرات الطاقة. فالحرب تضر بالأعمال، ولهذا السبب التزمت حكومات الخليج موقفًا منخفضًا خلال الضربات الأميركية-الإسرائيلية على إيران في يونيو/حزيران 2025، وضغطت على الولايات المتحدة لمنعها من مهاجمة إيران في مطلع عام 2026.
لكن هذا التحفظ لم يحمِ دول الخليج من إيران. فعندما بدأت إسرائيل والولايات المتحدة حربهما على إيران في فبراير/شباط 2026، تحمل الخليج العبء الأكبر من الرد الإيراني. ومع تعرض هذه الدول للضربات، بدأت تصوراتها تتغير. ففي بداية الصراع، بدا قادة الخليج منزعجين من الولايات المتحدة لأنها وضعتهم في مرمى الانتقام الإيراني. لكن عددًا كبيرًا من نخب الخليج تبنى لاحقًا الرأي القائل إن على الولايات المتحدة مواصلة الحرب إلى أن تفقد إيران قدرتها على تهديد جيرانها. وفي النهاية، أصيبوا بخيبة أمل من طرفي الصراع.
وتُعد المشاعر المتناقضة سمة شائعة في التحالفات بين دولة ضعيفة وأخرى قوية. فالشركاء الأضعف يخشون غالبًا أن يُستدرجوا إلى حروب يبدأها الشريك الأقوى، كما يخشون في الوقت نفسه أن يتخلى عنهم ذلك الشريك في مواجهة عدوهم المشترك. وتقدم دول الخليج نموذجًا تقليديًا لهذه الديناميكية. فعلى سبيل المثال، أثارت مذكرة التفاهم التي وقعتها إيران والولايات المتحدة في يونيو/حزيران 2026 مخاوف من التخلي، لأنها لم تشر إلى دول الخليج ولم تتطرق إلى قدرات إيران الصاروخية وقدراتها في مجال الطائرات المسيّرة. ومع ذلك، أيدت جميع دول الخليج المذكرة خشية أن يؤدي مزيد من التصعيد الأميركي إلى تجدد الهجمات الإيرانية على أراضيها. وقد تحققت هذه المخاوف عندما انهار وقف إطلاق النار.
ورغم إحباطها، من غير المرجح أن تبتعد دول الخليج عن الولايات المتحدة في أي وقت قريب. فالتكنولوجيا والتدريب الأميركيان يشكلان أساس منظومات الدفاع الجوي الخليجية، التي أثبتت نجاحًا كبيرًا في التصدي للطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية. وإضافة إلى ذلك، لا تملك دول الخليج ضامنًا أمنيًا آخر يمكن أن تتجه إليه. فلم تُبدِ الصين أي رغبة في أداء هذا الدور، كما أنها لا تمتلك قدرات إسقاط القوة اللازمة للقيام به. أما روسيا، فقد انحازت إلى إيران وهي منشغلة بحربها الخاصة في أوكرانيا. ولا تستطيع الدول الأوروبية أو القوى الإقليمية، مثل مصر وباكستان وتركيا، مضاهاة الولايات المتحدة من حيث القدرات القتالية.
أما التغيير الذي حدث خلال الأعوام الثلاثة الماضية، فيتعلق بنظرة دول الخليج إلى إسرائيل. فقد بدأت دول الخليج، على مدى سنوات، تتجه ببطء نحو احتضان إسرائيل بوصفها حليفًا محتملًا ضد إيران. وحتى السعودية كانت تدرس إقامة علاقات أكثر دفئًا معها. لكن هذا الاتجاه انعكس الآن، وتوقف الزخم نحو توسيع اتفاقيات أبراهام، وهي سلسلة من الاتفاقيات التي أُبرمت عام 2020 وطبّعت العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية. وجعلت حرب غزة تعاون القادة العرب علنًا مع إسرائيل أكثر خطورة من الناحية السياسية. كما دفعت الضربة الإسرائيلية ضد قطر ومساعي إسرائيل لمواصلة الحرب على إيران قادة الخليج إلى الشك في أن إسرائيل تكترث أصلًا بأمنهم. والدولة الخليجية الوحيدة التي جددت التزامها بعلاقاتها مع إسرائيل هي الإمارات العربية المتحدة، التي كانت تمتلك أصلًا أقوى الروابط معها.
أحبب جارك
بحلول نهاية عام 2025، كانت إسرائيل محقة في اعتبار نفسها المنتصرة في الحروب الإقليمية. لكنها عجزت عن تحقيق هدفها الطموح المتمثل في إسقاط النظام الإيراني. فقد أبقى وقف إطلاق النار الأميركي-الإيراني في يونيو/حزيران 2026 الجمهورية الإسلامية في السلطة، مع احتفاظها بما يكفي من القدرات العسكرية لفرض حضورها في مختلف أنحاء المنطقة، ومن دون إلزام واضح بالتخلي عن برنامجها النووي. كما وافقت واشنطن على مطلب طهران بأن يشمل وقف إطلاق النار لبنان أيضًا، حيث كانت إسرائيل تواصل هجومها على حزب الله. وحتى عندما خرجت إسرائيل منتصرة من حروب الأعوام الثلاثة الماضية، فإنها لم تُبدِ أي اهتمام بتحويل انتصاراتها إلى مبادرات دبلوماسية. لقد اختارت إسرائيل أن تؤدي دور القوة المزعزعة للاستقرار في المنطقة، واثقة بأن تفوقها العسكري يكفي لحمايتها إلى أجل غير مسمى. غير أن هذا رهان مشكوك فيه، بالنظر إلى أن قوتها الصلبة كانت تبدو مبهرة بالقدر نفسه قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول.
وكانت حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو واضحة تمامًا في رفضها منح السلطة الفلسطينية أي دور في غزة، ما جعل التوصل إلى حل لمسألة الحكم في مرحلة ما بعد حماس شبه مستحيل. ولا يزال العنف مستمرًا في غزة نفسها. فقد قتلت القوات الإسرائيلية أكثر من ألف فلسطيني منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025. أما القوة الدولية التي اقترحت خطة ترامب للسلام، المؤلفة من عشرين بندًا، نشرها لتوفير الأمن في غزة، فلم ترَ النور بعد. وتدعو الخطة إلى تشكيل لجنة من التكنوقراط الفلسطينيين لإدارة غزة، لكن إسرائيل لم تكن قد سمحت لهم بدخول القطاع حتى يوليو/تموز 2026. وترفض حماس إلقاء سلاحها، رغم التزامها بذلك في هدنة أكتوبر/تشرين الأول 2025، فيما لا تزال القوات الإسرائيلية تحتل نحو 70 في المئة من القطاع. ويبدو وقف إطلاق النار في غزة أقرب إلى فترة استراحة في الصراع منه إلى نهاية له. ولا توجد بالتأكيد أي إشارة إلى حل سياسي طويل الأمد يمكن أن يغيّر الدينامية القائمة.
وتتردد الدول الأخرى في الانخراط في غزة، سواء بإرسال قوات أمنية أو بالمشاركة في جهود إعادة الإعمار والتنمية، في غياب شريك فلسطيني ذي صدقية يمكنها العمل معه. وعلى الرغم من جميع أوجه قصورها، تظل السلطة الفلسطينية الخيار الواقعي الوحيد. لكن إسرائيل، بدلًا من تشجيعها على أداء دور في غزة، تقوّض وظائفها الإدارية في الضفة الغربية. ففي عام 2025، قتل الجنود والمستوطنون الإسرائيليون 240 فلسطينيًا في الضفة، ووافقت إسرائيل على إقامة 54 مستوطنة جديدة، وهو أعلى عدد سنوي منذ توقيع اتفاقيات أوسلو للسلام عام 1993، وهي سلسلة اتفاقيات كان يُفترض أن تفضي إلى حل الدولتين. وفي فبراير/شباط 2026، أقرت الحكومة تشريعًا جديدًا يسهّل على المستوطنين الإسرائيليين شراء الأراضي في الضفة الغربية، في خطوة يقول الفلسطينيون إنها تنتهك اتفاقيات أوسلو وتسرّع ما يرونه اندفاعًا نحو الضم. وتمنح الحكومة الإسرائيلية الحالية الأولوية للتوسع الإقليمي وإضعاف المؤسسات الفلسطينية، على حساب أي إمكانية لقيام حكم مستقر في الضفة الغربية وغزة.
يعتقد نتنياهو أن إسرائيل تكون أكثر أمنًا عندما يكون جيرانها ضعفاء ومنقسمين. لكنه يغفل حقيقة أن معاهدتي السلام اللتين أبرمتهما إسرائيل مع مصر والأردن، وهما دولتان متماسكتان قادرتان على ضبط حدودهما ومنع صعود جهات مسلحة من غير الدول داخل أراضيهما، شكّلتا على مدى عقود ركيزتين ثابتتين لأمن إسرائيل. وبدلًا من الترحيب بإمكانية قيام حكومة لبنانية متعاونة ومستعدة للعمل ضد حزب الله، جدّدت إسرائيل حربها في لبنان عام 2026. أما في سوريا، فقد سيطرت على ما سمته «منطقة عازلة»، وشجعت الدروز السوريين على مقاومة الحكومة الجديدة، وسلّحت ميليشيات درزية، وقصفت مواقع للجيش السوري، من بينها مقر وزارة الدفاع، تحت ذريعة حماية الدروز.
ويعرقل نتنياهو جهود بناء الدولة في لبنان وسوريا، رغم مساعي الولايات المتحدة لدعم الحكومتين الجديدتين في بيروت ودمشق. وعلى الرغم من توبيخ واشنطن إسرائيل بسبب هذه السياسات، فإن السياسة الإسرائيلية لم تتغير بصورة جوهرية. ولم ينجح ترامب في إخضاع نتنياهو إلا عندما قادت غطرسة إسرائيل إلى قصف قطر في سبتمبر/أيلول 2025، فأجبره على تقديم اعتذار علني لأمير قطر، وضغط عليه أخيرًا للقبول بوقف إطلاق النار في غزة. وعلى واشنطن أن تمارس ضغطًا مماثلًا على إسرائيل لكي تسمح للحكومتين الجديدتين في بيروت ودمشق بإعادة بسط سيطرتهما داخل حدودهما وبناء مؤسسات دولة أقوى.
وكان أهم تغيير جيوسياسي، بفارق كبير، نتج عن حروب الأعوام الثلاثة الماضية هو سقوط نظام الأسد في سوريا وقيام حكومة جديدة بقيادة أحمد الشرع، الذي كان في السابق عضوًا في تنظيم القاعدة. ومنذ سيطرته على العاصمة السورية، عمل الشرع على كسب دعم الولايات المتحدة وتركيا والاتحاد الأوروبي والعالم العربي، وأبعد سوريا عن التحالف الإيراني الذي حافظ عليه نظام الأسد منذ ثمانينيات القرن الماضي. وقد قلّصت هذه التحولات أيضًا بدرجة كبيرة قدرة إيران على التأثير في السياسة اللبنانية وتهديد إسرائيل انطلاقًا من الأراضي السورية، وهو ما شكّل ضربة حقيقية لنفوذ طهران الإقليمي.
وقد قال الشرع كل ما ينبغي قوله منذ وصوله إلى السلطة، وتعهد بإقامة نظام متسامح وتشاوري وديمقراطي في نهاية المطاف. لكن رغم هذه التصريحات المطمئنة، لا تزال سوريا شديدة الانقسام ومثقلة بآثار أربعة عشر عامًا من الحرب الأهلية الوحشية. وقد اشتبكت القوات المتحالفة مع الحكومة الجديدة مع الأقلية العلوية في الغرب، والدروز في الجنوب، والأكراد في الشمال الشرقي. ولا تزال سوريا دولة ضعيفة. وفي غياب سيطرة فعالة للحكومة المركزية، ستبقى البلاد أداة في أيدي الدول الأقوى في محيطها، كما كانت خلال الحرب الأهلية. وإذا أغرى ضعف سوريا إيران أو إسرائيل أو تركيا أو دول الخليج بالعودة إلى جولة جديدة من الحرب الأهلية، فقد تتبدد فرص الاستقرار الإقليمي.
وكانت حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو واضحة تمامًا في رفضها منح السلطة الفلسطينية أي دور في غزة، ما جعل التوصل إلى حل لمسألة الحكم في مرحلة ما بعد حماس شبه مستحيل. ولا يزال العنف مستمرًا في غزة نفسها. فقد قتلت القوات الإسرائيلية أكثر من ألف فلسطيني منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025. أما القوة الدولية التي اقترحت خطة ترامب للسلام، المؤلفة من عشرين بندًا، نشرها لتوفير الأمن في غزة، فلم ترَ النور بعد. وتدعو الخطة إلى تشكيل لجنة من التكنوقراط الفلسطينيين لإدارة غزة، لكن إسرائيل لم تكن قد سمحت لهم بدخول القطاع حتى يوليو/تموز 2026. وترفض حماس إلقاء سلاحها، رغم التزامها بذلك في هدنة أكتوبر/تشرين الأول 2025، فيما لا تزال القوات الإسرائيلية تحتل نحو 70 في المئة من القطاع. ويبدو وقف إطلاق النار في غزة أقرب إلى فترة استراحة في الصراع منه إلى نهاية له. ولا توجد بالتأكيد أي إشارة إلى حل سياسي طويل الأمد يمكن أن يغيّر الدينامية القائمة.
وتتردد الدول الأخرى في الانخراط في غزة، سواء بإرسال قوات أمنية أو بالمشاركة في جهود إعادة الإعمار والتنمية، في غياب شريك فلسطيني ذي صدقية يمكنها العمل معه. وعلى الرغم من جميع أوجه قصورها، تظل السلطة الفلسطينية الخيار الواقعي الوحيد. لكن إسرائيل، بدلًا من تشجيعها على أداء دور في غزة، تقوّض وظائفها الإدارية في الضفة الغربية. ففي عام 2025، قتل الجنود والمستوطنون الإسرائيليون 240 فلسطينيًا في الضفة، ووافقت إسرائيل على إقامة 54 مستوطنة جديدة، وهو أعلى عدد سنوي منذ توقيع اتفاقيات أوسلو للسلام عام 1993، وهي سلسلة اتفاقيات كان يُفترض أن تفضي إلى حل الدولتين. وفي فبراير/شباط 2026، أقرت الحكومة تشريعًا جديدًا يسهّل على المستوطنين الإسرائيليين شراء الأراضي في الضفة الغربية، في خطوة يقول الفلسطينيون إنها تنتهك اتفاقيات أوسلو وتسرّع ما يرونه اندفاعًا نحو الضم. وتمنح الحكومة الإسرائيلية الحالية الأولوية للتوسع الإقليمي وإضعاف المؤسسات الفلسطينية، على حساب أي إمكانية لقيام حكم مستقر في الضفة الغربية وغزة.
يعتقد نتنياهو أن إسرائيل تكون أكثر أمنًا عندما يكون جيرانها ضعفاء ومنقسمين. لكنه يغفل حقيقة أن معاهدتي السلام اللتين أبرمتهما إسرائيل مع مصر والأردن، وهما دولتان متماسكتان قادرتان على ضبط حدودهما ومنع صعود جهات مسلحة من غير الدول داخل أراضيهما، شكّلتا على مدى عقود ركيزتين ثابتتين لأمن إسرائيل. وبدلًا من الترحيب بإمكانية قيام حكومة لبنانية متعاونة ومستعدة للعمل ضد حزب الله، جدّدت إسرائيل حربها في لبنان عام 2026. أما في سوريا، فقد سيطرت على ما سمته «منطقة عازلة»، وشجعت الدروز السوريين على مقاومة الحكومة الجديدة، وسلّحت ميليشيات درزية، وقصفت مواقع للجيش السوري، من بينها مقر وزارة الدفاع، تحت ذريعة حماية الدروز.
ويعرقل نتنياهو جهود بناء الدولة في لبنان وسوريا، رغم مساعي الولايات المتحدة لدعم الحكومتين الجديدتين في بيروت ودمشق. وعلى الرغم من توبيخ واشنطن إسرائيل بسبب هذه السياسات، فإن السياسة الإسرائيلية لم تتغير بصورة جوهرية. ولم ينجح ترامب في إخضاع نتنياهو إلا عندما قادت غطرسة إسرائيل إلى قصف قطر في سبتمبر/أيلول 2025، فأجبره على تقديم اعتذار علني لأمير قطر، وضغط عليه أخيرًا للقبول بوقف إطلاق النار في غزة. وعلى واشنطن أن تمارس ضغطًا مماثلًا على إسرائيل لكي تسمح للحكومتين الجديدتين في بيروت ودمشق بإعادة بسط سيطرتهما داخل حدودهما وبناء مؤسسات دولة أقوى.
وكان أهم تغيير جيوسياسي، بفارق كبير، نتج عن حروب الأعوام الثلاثة الماضية هو سقوط نظام الأسد في سوريا وقيام حكومة جديدة بقيادة أحمد الشرع، الذي كان في السابق عضوًا في تنظيم القاعدة. ومنذ سيطرته على العاصمة السورية، عمل الشرع على كسب دعم الولايات المتحدة وتركيا والاتحاد الأوروبي والعالم العربي، وأبعد سوريا عن التحالف الإيراني الذي حافظ عليه نظام الأسد منذ ثمانينيات القرن الماضي. وقد قلّصت هذه التحولات أيضًا بدرجة كبيرة قدرة إيران على التأثير في السياسة اللبنانية وتهديد إسرائيل انطلاقًا من الأراضي السورية، وهو ما شكّل ضربة حقيقية لنفوذ طهران الإقليمي.
وقد قال الشرع كل ما ينبغي قوله منذ وصوله إلى السلطة، وتعهد بإقامة نظام متسامح وتشاوري وديمقراطي في نهاية المطاف. لكن رغم هذه التصريحات المطمئنة، لا تزال سوريا شديدة الانقسام ومثقلة بآثار أربعة عشر عامًا من الحرب الأهلية الوحشية. وقد اشتبكت القوات المتحالفة مع الحكومة الجديدة مع الأقلية العلوية في الغرب، والدروز في الجنوب، والأكراد في الشمال الشرقي. ولا تزال سوريا دولة ضعيفة. وفي غياب سيطرة فعالة للحكومة المركزية، ستبقى البلاد أداة في أيدي الدول الأقوى في محيطها، كما كانت خلال الحرب الأهلية. وإذا أغرى ضعف سوريا إيران أو إسرائيل أو تركيا أو دول الخليج بالعودة إلى جولة جديدة من الحرب الأهلية، فقد تتبدد فرص الاستقرار الإقليمي.
كلما تغيرت الأمور
تبدو آفاق قيام شرق أوسط جديد قاتمة. فإيران وإسرائيل، وهما الدولتان اللتان تسببتا في قدر كبير من اضطرابات المنطقة خلال العقود الأخيرة، لا تزالان بالقوة نفسها تقريبًا، ويبدو قادتهما أكثر تمسكًا بقناعاتهم مما كانوا عليه قبل عام 2023. كما لا تزال دول عربية عديدة تعاني فراغات سياسية تقود إلى الحروب الأهلية، وتجذب تدخلات خارجية مزعزعة، وتتحول إلى بيئات حاضنة لجماعات مسلحة، مثل حماس وحزب الله، تضيق أكثر فأكثر فرص السلام المحدودة أصلًا.
وقد أوضحت إدارة ترامب أنها لا تعمل في مجال بناء الدول في الشرق الأوسط، وهو موقف جدير بالتقدير بالنظر إلى فشل الجهود الأميركية في أفغانستان والعراق. ومع ذلك، يدرك ترامب بوضوح أن الشرق الأوسط لن يصبح أكثر استقرارًا إلا إذا تمكنت الدول العربية الضعيفة من ترتيب أوضاعها. فقد رفع العقوبات عن سوريا واحتضن رئيسها الجديد. وفي فبراير/شباط 2026، سلّمت الولايات المتحدة إلى الجيش السوري قاعدة التنف التي كانت تحتفظ بها منذ سنوات، منهية وجودًا أميركيًا في سوريا يعود إلى عام 2014. كما عمل الدبلوماسيون الأميركيون على خفض التوتر بين إسرائيل وسوريا، وحاولوا قبل الجولة الأخيرة من القتال دفع الحكومة اللبنانية إلى اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه حزب الله. وفي يونيو/حزيران 2026، توصلت إسرائيل ولبنان إلى اتفاق بوساطة أميركية، يلزم إسرائيل بالبدء في تسليم السيطرة على أجزاء معينة من جنوب لبنان إلى القوات المسلحة اللبنانية. وإذا عملت الولايات المتحدة بصورة أكثر حزمًا على الحد من التدخل الإسرائيلي في لبنان وسوريا، مع دعم جهود حكومتيهما لقمع الجهات المسلحة من غير الدول داخل حدودهما، فإن فرص قيام منطقة أكثر استقرارًا ستتحسن.
والطريقة التي ستتعامل بها إدارة ترامب مع نظام إيراني بات أكثر قوة وطموحًا ستحدد ما إذا كانت حرب عام 2026 مجرد محطة إضافية في عقود الصراع بين البلدين، أم بداية جهد لوقف الانحدار الإقليمي. وأي تقدم نحو الاستقرار الإقليمي سيتطلب من الولايات المتحدة الحفاظ على قوتها العسكرية في الخليج. فعلى واشنطن أن تُبقي مقر الأسطول الخامس الأميركي في البحرين، وقاعدة العديد الجوية في قطر، وما بين خمسة آلاف وعشرة آلاف جندي منتشرين في الكويت، إلى جانب حق الوصول إلى قواعد في عُمان والإمارات العربية المتحدة. فمن دون موطئ قدم عسكري أميركي، يمكن لإيران التهديد باستخدام القوة ضد جيرانها متى شاءت. كما يطمئن الوجود العسكري الأميركي دول الخليج إلى التزام واشنطن بأمنها بعد الأضرار التي لحقت بها. وهذا الاطمئنان ضروري لمنعها من الرضوخ ببساطة، بدافع الخوف، للضغوط الإيرانية في قضايا مثل سياسة النفط والعلاقات مع إسرائيل.
لكن ما من شأنه أن يهدئ المنطقة فعلًا هو جهد دبلوماسي للتوصل إلى صيغة تعايش مستدامة مع طهران. فقد أشار وزير الخارجية العُماني إلى أن الدبلوماسيين الإيرانيين طرحوا، قبيل بدء الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران في فبراير/شباط، اتفاقًا تتعهد إيران بموجبه بعدم تخزين اليورانيوم المخصب مطلقًا. وبالنظر إلى أن إيران خرجت من الحرب في وضع أقوى مما كانت عليه في فبراير/شباط، فقد يبدو هذا الاقتراح الآن غير واقعي. لكن الحكومة الإيرانية في حاجة ماسة إلى رفع العقوبات، إلى درجة تدفع الولايات المتحدة إلى استخدامه نقطة انطلاق لمفاوضات نووية جديدة. وعلى الرغم من أن أوراق الضغط الأميركية في هذه المفاوضات ليست بالقوة التي كانت إدارة ترامب تأملها، فإن إبقاء إيران على طاولة الحوار يستحق المحاولة. أما الاستراتيجية البديلة، أي تغيير النظام عن طريق الحرب، فقد فشلت بوضوح.
وبصورة منفصلة، ينبغي للولايات المتحدة أن تقود جهدًا متعدد الأطراف، تشارك فيه دول معنية أخرى مثل الصين والهند والمملكة المتحدة، إلى جانب دول أوروبية وخليجية ومن جنوب شرق آسيا، لوضع إطار لإدارة مضيق هرمز. ويمكن للاتفاقيات الدولية التي تنظم قناة السويس والمضائق التركية أن تقدم بعض الإرشادات لمثل هذا الجهد، كما يمكن الاستفادة من النظام المعمول به في مضيق ملقا، حيث تجمع مؤسسة خاصة مساهمات طوعية لتمويل المسوحات الهيدروغرافية والبنية التحتية للملاحة وإزالة حطام السفن. ويعتمد الاقتصاد العالمي على المرور الحر والآمن عبر مضيق هرمز، وتتفق معظم الدول على أنه ينبغي أن يظل خاليًا من الرسوم بصورة دائمة. وعلى الرغم من نفور ترامب من الدبلوماسية متعددة الأطراف، ينبغي له توظيف ثقل هذه الدول الأخرى في المفاوضات مع إيران، وتوزيع مسؤولية إبقاء الممر المائي مفتوحًا.
أما السياسة الأميركية الأكثر قدرة على إحداث تحول جذري، فتتطلب مواجهة القضية الفلسطينية بصورة مباشرة. فقد أثبت هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول مرة أخرى أن عدم تحقيق تقرير المصير الفلسطيني يجعل رفض الفلسطينيين للوضع القائم قادرًا على تفجير الشرق الأوسط. فالاستقرار الحقيقي للمنطقة يتطلب إعمال الحق الأساسي للفلسطينيين في تقرير المصير، مع ضمان أمن إسرائيل في الوقت نفسه. لكن لم تكن أي حكومة أميركية مستعدة لاستخدام أوراق الضغط التي تملكها على إسرائيل، وهي أوراق ضرورية لجعل الحل السياسي للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني ممكنًا. ومن دون هذا الاستعداد، فإن أي أمل في تحقيق استقرار حقيقي وطويل الأمد في الشرق الأوسط ليس سوى وهم. ففاعلو المنطقة لم يتغيروا: إيران أكثر جرأة ولديها حسابات تريد تصفيتها، ووكلاء إيرانيون تعرضوا للضرب لكنهم لم يُهزموا، وإسرائيل اختارت، بدلًا من التسوية، القبول بحالة من الحرب شبه الدائمة. وهكذا، أصبح المسرح مهيأً للمواجهة الكبرى المقبلة.
وقد أوضحت إدارة ترامب أنها لا تعمل في مجال بناء الدول في الشرق الأوسط، وهو موقف جدير بالتقدير بالنظر إلى فشل الجهود الأميركية في أفغانستان والعراق. ومع ذلك، يدرك ترامب بوضوح أن الشرق الأوسط لن يصبح أكثر استقرارًا إلا إذا تمكنت الدول العربية الضعيفة من ترتيب أوضاعها. فقد رفع العقوبات عن سوريا واحتضن رئيسها الجديد. وفي فبراير/شباط 2026، سلّمت الولايات المتحدة إلى الجيش السوري قاعدة التنف التي كانت تحتفظ بها منذ سنوات، منهية وجودًا أميركيًا في سوريا يعود إلى عام 2014. كما عمل الدبلوماسيون الأميركيون على خفض التوتر بين إسرائيل وسوريا، وحاولوا قبل الجولة الأخيرة من القتال دفع الحكومة اللبنانية إلى اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه حزب الله. وفي يونيو/حزيران 2026، توصلت إسرائيل ولبنان إلى اتفاق بوساطة أميركية، يلزم إسرائيل بالبدء في تسليم السيطرة على أجزاء معينة من جنوب لبنان إلى القوات المسلحة اللبنانية. وإذا عملت الولايات المتحدة بصورة أكثر حزمًا على الحد من التدخل الإسرائيلي في لبنان وسوريا، مع دعم جهود حكومتيهما لقمع الجهات المسلحة من غير الدول داخل حدودهما، فإن فرص قيام منطقة أكثر استقرارًا ستتحسن.
والطريقة التي ستتعامل بها إدارة ترامب مع نظام إيراني بات أكثر قوة وطموحًا ستحدد ما إذا كانت حرب عام 2026 مجرد محطة إضافية في عقود الصراع بين البلدين، أم بداية جهد لوقف الانحدار الإقليمي. وأي تقدم نحو الاستقرار الإقليمي سيتطلب من الولايات المتحدة الحفاظ على قوتها العسكرية في الخليج. فعلى واشنطن أن تُبقي مقر الأسطول الخامس الأميركي في البحرين، وقاعدة العديد الجوية في قطر، وما بين خمسة آلاف وعشرة آلاف جندي منتشرين في الكويت، إلى جانب حق الوصول إلى قواعد في عُمان والإمارات العربية المتحدة. فمن دون موطئ قدم عسكري أميركي، يمكن لإيران التهديد باستخدام القوة ضد جيرانها متى شاءت. كما يطمئن الوجود العسكري الأميركي دول الخليج إلى التزام واشنطن بأمنها بعد الأضرار التي لحقت بها. وهذا الاطمئنان ضروري لمنعها من الرضوخ ببساطة، بدافع الخوف، للضغوط الإيرانية في قضايا مثل سياسة النفط والعلاقات مع إسرائيل.
لكن ما من شأنه أن يهدئ المنطقة فعلًا هو جهد دبلوماسي للتوصل إلى صيغة تعايش مستدامة مع طهران. فقد أشار وزير الخارجية العُماني إلى أن الدبلوماسيين الإيرانيين طرحوا، قبيل بدء الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران في فبراير/شباط، اتفاقًا تتعهد إيران بموجبه بعدم تخزين اليورانيوم المخصب مطلقًا. وبالنظر إلى أن إيران خرجت من الحرب في وضع أقوى مما كانت عليه في فبراير/شباط، فقد يبدو هذا الاقتراح الآن غير واقعي. لكن الحكومة الإيرانية في حاجة ماسة إلى رفع العقوبات، إلى درجة تدفع الولايات المتحدة إلى استخدامه نقطة انطلاق لمفاوضات نووية جديدة. وعلى الرغم من أن أوراق الضغط الأميركية في هذه المفاوضات ليست بالقوة التي كانت إدارة ترامب تأملها، فإن إبقاء إيران على طاولة الحوار يستحق المحاولة. أما الاستراتيجية البديلة، أي تغيير النظام عن طريق الحرب، فقد فشلت بوضوح.
وبصورة منفصلة، ينبغي للولايات المتحدة أن تقود جهدًا متعدد الأطراف، تشارك فيه دول معنية أخرى مثل الصين والهند والمملكة المتحدة، إلى جانب دول أوروبية وخليجية ومن جنوب شرق آسيا، لوضع إطار لإدارة مضيق هرمز. ويمكن للاتفاقيات الدولية التي تنظم قناة السويس والمضائق التركية أن تقدم بعض الإرشادات لمثل هذا الجهد، كما يمكن الاستفادة من النظام المعمول به في مضيق ملقا، حيث تجمع مؤسسة خاصة مساهمات طوعية لتمويل المسوحات الهيدروغرافية والبنية التحتية للملاحة وإزالة حطام السفن. ويعتمد الاقتصاد العالمي على المرور الحر والآمن عبر مضيق هرمز، وتتفق معظم الدول على أنه ينبغي أن يظل خاليًا من الرسوم بصورة دائمة. وعلى الرغم من نفور ترامب من الدبلوماسية متعددة الأطراف، ينبغي له توظيف ثقل هذه الدول الأخرى في المفاوضات مع إيران، وتوزيع مسؤولية إبقاء الممر المائي مفتوحًا.
أما السياسة الأميركية الأكثر قدرة على إحداث تحول جذري، فتتطلب مواجهة القضية الفلسطينية بصورة مباشرة. فقد أثبت هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول مرة أخرى أن عدم تحقيق تقرير المصير الفلسطيني يجعل رفض الفلسطينيين للوضع القائم قادرًا على تفجير الشرق الأوسط. فالاستقرار الحقيقي للمنطقة يتطلب إعمال الحق الأساسي للفلسطينيين في تقرير المصير، مع ضمان أمن إسرائيل في الوقت نفسه. لكن لم تكن أي حكومة أميركية مستعدة لاستخدام أوراق الضغط التي تملكها على إسرائيل، وهي أوراق ضرورية لجعل الحل السياسي للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني ممكنًا. ومن دون هذا الاستعداد، فإن أي أمل في تحقيق استقرار حقيقي وطويل الأمد في الشرق الأوسط ليس سوى وهم. ففاعلو المنطقة لم يتغيروا: إيران أكثر جرأة ولديها حسابات تريد تصفيتها، ووكلاء إيرانيون تعرضوا للضرب لكنهم لم يُهزموا، وإسرائيل اختارت، بدلًا من التسوية، القبول بحالة من الحرب شبه الدائمة. وهكذا، أصبح المسرح مهيأً للمواجهة الكبرى المقبلة.
