MotasemH

Administrator
طاقم الإدارة
يلخص كارتر مالكاسيان في مقاله “The Afghanistan Reckoning” المنشور في Foreign Affairs الحرب الأميركية في أفغانستان بوصفها تجربة طويلة قادها خوف مبالغ فيه من الإرهاب، وانتهت بانسحاب مهين كشف خللًا عميقًا في تقديرات واشنطن السياسية والاستخباراتية. يجادل الكاتب بأن الولايات المتحدة دخلت أفغانستان بعد 11 سبتمبر بدافع مبرر يتمثل في ضرب القاعدة وإسقاط طالبان، لكنها بقيت لعقدين لأنها افترضت أن أي انسحاب سيعيد أفغانستان فورًا إلى ملاذ آمن للإرهاب العالمي. غير أن السنوات الخمس التالية لعودة طالبان إلى الحكم أظهرت، بحسب المقال، أن هذا التهديد كان أضعف مما تصوره صانعو القرار، إذ لم تنطلق من أفغانستان أي هجمات إرهابية ضد الولايات المتحدة، رغم استمرار مخاطر القاعدة وتنظيم الدولة. وفي المقابل، يكشف المقال أن الثمن كان هائلًا: تريليون دولار، آلاف القتلى والجرحى الأميركيين، وأكثر من 120 ألف مدني أفغاني بين قتيل وجريح، إضافة إلى انهيار مشروع بناء الدولة والديمقراطية، خصوصًا مع قمع طالبان للنساء. ويرى مالكاسيان أن استمرار الحرب لم يكن سببه الإرهاب وحده، بل أيضًا الخوف من الهزيمة، وضغط الإجماع الاستخباراتي، وضعف النقاش المبكر حول الانسحاب، وسوء فهم طالبان. وخلاصة المقال أن الخطر الأكبر اليوم ليس فقط عودة الإرهاب، بل نسيان الدرس الأهم: أن الحروب التي تبدو ضرورية تحت ضغط الخوف قد تتحول إلى كلفة أخلاقية وسياسية باهظة يصعب تبريرها لاحقًا.
لحظة الحساب في أفغانستان

The Afghanistan Reckoning​

قبل خمس سنوات، انتهت الحرب الأميركية في أفغانستان، التي استمرت عشرين عامًا، نهايةً مُهينة. ففي أبريل/نيسان 2021، بدأت الولايات المتحدة انسحابها النهائي، بهدف إخراج آخر 2500 جندي أميركي كانوا ما يزالون في البلاد بحلول سبتمبر/أيلول. وخلال أسابيع من بدء المغادرة الأميركية الأولى، كانت حركة طالبان قد اجتاحت عشرات المواقع، بينما أخذت قوات الحكومة الأفغانية تتلاشى. وبحلول أوائل أغسطس/آب، كانت الحركة قد سيطرت على معظم عواصم الولايات. وأخيرًا، في 15 أغسطس/آب 2021، انهارت الحكومة المدعومة من الولايات المتحدة في كابول. حاصر مئات الآلاف من الأفغان المذعورين مطار المدينة. وتم إجلاء نحو 120 ألفًا منهم على متن طائرات نظّمتها الولايات المتحدة وحلفاؤها، بل وحتى مجموعات من مواطنين عاديين. وفي ضربة أخيرة مفجعة، قُتل 13 عسكريًا أميركيًا في تفجير انتحاري عند المطار قبل أربعة أيام من مغادرة آخر جندي أميركي في 30 أغسطس/آب. لقد انتهى عقدان من الجهد البطولي بالخزي.

توالت بعد ذلك الاتهامات المتبادلة، بعضها مبرر وبعضها غير مبرر. فالجماعة نفسها التي آوت تنظيم القاعدة أثناء تخطيطه وتنفيذه لهجمات 11 سبتمبر عادت منتصرة إلى السلطة، وتصاعدت المخاوف من عودة التهديد الإرهابي. ففي نهاية المطاف، كان السبب الرئيسي الذي دفع الرؤساء الأميركيين المتعاقبين إلى إبقاء القوات الأميركية في البلاد طوال تلك المدة هو الاعتقاد بأن أفغانستان، من دون هذه القوات، ستتحول مرة أخرى إلى ملاذ آمن للإرهابيين، حتى لو لم تتمكن طالبان من السيطرة الكاملة على البلاد.

لكن شيئًا من هذا لم يحدث. فعلى مدى السنوات الخمس الماضية، لم تُنفَّذ أي عملية إرهابية واحدة ضد الولايات المتحدة من قبل جماعة متمركزة في أفغانستان. أنفقت واشنطن نحو تريليون دولار على الحرب. وقُتل أو جُرح أكثر من 120 ألف مدني أفغاني. ونُشر أكثر من 775 ألف عسكري أميركي في أفغانستان، وأُصيب أكثر من 20,700 منهم، وقُتل أكثر من 2400، وكل ذلك دفاعًا ضد تهديد تبيّن لاحقًا أنه كان مبالغًا فيه.

لو كان المسؤولون الأميركيون يعرفون حينها ما يعرفونه اليوم، لكان كثيرون منهم، وأنا من بينهم، قد دافعوا بقوة أكبر عن انسحاب أبكر. هذا موقف غير مريح. فهو يضع موضع سؤال حُكم القادة، وفاعلية عملية صنع السياسات، وقيمة الجهد كله. وربما كانت واشنطن ستحقق نتيجة أفضل، أو حربًا أقصر على الأقل، لو أن المسؤولين ناقشوا خيار الانسحاب بجدية في وقت أبكر، ونظروا في نطاق أوسع من تقديرات التهديد، وسعوا إلى التفاوض في مرحلة أسبق، واعترفوا في بعض الحالات بالانحياز الذي غرسه النفور من الهزيمة.

بعد خمس سنوات، لا يكمن الخطر الأكبر في احتمال ظهور ملاذ إرهابي آمن مرة أخرى في أفغانستان. فالتهديد الأشد خطورة يأتي من خطر النسيان الجماعي. اليوم، نادرًا ما تحضر أطول حرب أميركية في النقاش العام. يعترف الأميركيون أحيانًا بالتضحيات النبيلة التي قدمها آلاف العسكريين الأميركيين في ذلك الصراع. لكن البلاد مضت قدمًا، متلهفة لنسيان تلك الأيام الأخيرة. أما أخطر أشكال النسيان، فهو أن يعجز القادة الأميركيون عن تذكر مدى خطورة قبول تكاليف باهظة وخسائر فادحة استجابةً لمخاوف اللحظة. إن تذكّر ذلك سيساعدهم على تجنب آلام مستقبلية.

«أنتم تستحقون الحماية»

في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2001، غزا الرئيس جورج دبليو بوش أفغانستان ردًا على هجمات 11 سبتمبر التي صدمت العالم. وخلال أشهر، أدى مزيج من القوة الجوية الأميركية، وقوات العمليات الخاصة، وعناصر الاستخبارات، والميليشيا الأفغانية المعروفة باسم التحالف الشمالي، إلى طرد تنظيم القاعدة وقلب نظام طالبان الذي كان يقوده الملا عمر. وتشكلت حكومة جديدة بقيادة الزعيم الأفغاني حامد كرزاي. وخلال السنوات الأربع التالية، بدت البلاد هادئة بصورة خادعة. وقد ساعد هذا النجاح الأولي في إغراء إدارة بوش بغزو العراق عام 2003، مما أدى إلى حرب وحشية استحوذت على معظم اهتمام واشنطن خلال السنوات الخمس اللاحقة. وفي تلك الأثناء، أعادت طالبان تجميع صفوفها. وبحلول عام 2006، كانت تستعيد أراضي وتتحدى الحكومة الأفغانية بجدية.

طوال هذه الفترة، كانت الولايات المتحدة واقعة تحت قبضة الخوف من الإرهاب، وهو قلق غذّته ليس فقط أهوال 11 سبتمبر، بل أيضًا هجمات الجمرة الخبيثة التي تلتها، وسلسلة من التفجيرات الجهادية القاتلة والمؤامرات التي أُحبطت في أوروبا في منتصف العقد الأول من الألفية. كانت «الحرب العالمية على الإرهاب» في ذروتها، وكانت أفغانستان مسرحها الرئيسي. ولم تكن مكافحة الإرهاب مجرد جانب من النشاط العسكري الأميركي في البلاد، بل كانت بلا شك مركزه، وهي المهمة التي صاغها الرؤساء ووزراء الدفاع والخارجية والقادة العسكريون ورؤساء الاستخبارات.

كانت للولايات المتحدة طموحات أخرى في أفغانستان أيضًا، بما في ذلك مهمة بناء دولة تهدف إلى إنشاء ديمقراطية قابلة للاستمرار. أعلن بوش هذا الهدف صراحة، وعلى الرغم من محاولات خلفائه التراجع عنه، فإنه ظل جزءًا ضمنيًا من المشروع الأميركي. لكن من دون التهديد الإرهابي، ما كانت لتكون هناك حرب ضد طالبان، ولا تسليح وتدريب للجيش الأفغاني، ولا بناء دولة، ولا ترويج للديمقراطية. ظل الإرهاب دائمًا هو الهاجس المحرك.

وبالنسبة إلى كثير من الرجال والنساء على الأرض، كانت تلك المهمة تبرر جهودهم وخسائرهم. وكما كتب روس بيركوف، وهو ملازم في الجيش الأميركي كان متمركزًا في قندهار عام 2003، في مذكراته: «11 سبتمبر 2001 يوم سيبقى خالدًا في العار، وحقيقة أن أفغانستان أصبحت مكانًا جديدًا ينتشر فيه الجنود الأميركيون مرتبطة مباشرة بذلك اليوم المشؤوم... أنا هنا لأرد. نحن هنا ردًا على ذلك». وفي مذكراته الصادرة عام 2019، لخّص كايل كاربنتر، الذي قاتل في أفغانستان ضمن قوات مشاة البحرية الأميركية وحصل على وسام الشرف، مشاعره تجاه خدمته نيابة عن الأميركيين بالقول: «أنتم تستحقون الحماية، وتستحقون القتال من أجلكم، وتستحقون الوقت الذي قضيته على سرير المستشفى والندوب العميقة في جسدي».

لكن هذا لا يعني أن الاستراتيجية كانت دائمًا واضحة التواصل أو مقنعة. فكثير من القوات الأميركية على الأرض لم تكن منخرطة مباشرة في مهام مكافحة الإرهاب أو العمليات الخاصة. وبالنسبة إلى بعضهم، بدا خوض الاشتباكات في جبال وصحارى نائية ضد عناصر محلية من طالبان، والتعرض لعبوات ناسفة، ومحاولة بناء حكومة وجيش أفغانيين مضطربين، أمرًا بعيدًا جدًا عن قتال إرهابيين دوليين مرعبين. وقد طوّر بعضهم شكوكًا عميقة في هدف الحرب، وهي شكوك كان يمكن أن تتحول إلى مرارة عندما يُقتل زملاء لهم أو يُصابون.

بين عامي 2009 و2011، عملتُ ضابطًا سياسيًا في وزارة الخارجية الأميركية في غرمسير، وهي منطقة ريفية في ولاية هلمند الجنوبية. كنت جزءًا من فريق صغير يضم نحو نصف دزينة من المدنيين الملحقين بكتيبة من مشاة البحرية الأميركية، نُقدّم المشورة لحاكم المنطقة والشرطة والزعماء القبليين والدينيين المحليين. كان كل أفغاني تقريبًا في المنطقة يعتقد أنه من دون قوات أميركية تدعم جيشًا وشرطة قويين، ستعود طالبان. وادعى قلة أن القاعدة ستعود معها.

وبقدر ما كنت أستطيع أن أرى، لم يكن هناك ما يشير إلى أن القاعدة كانت نشطة في غرمسير أو في أي مكان آخر في الجنوب. والحقيقة أن احتمال أن تعيد الجماعة إحياء معقلها الأفغاني كان أمرًا يستحيل قياسه بثقة، وأن تهديدًا غامضًا كهذا بالكاد بدا متناسبًا مع وجود 100 ألف جندي أميركي في البلاد آنذاك. لكن عندما غادرت، كنت أشعر بالتشجيع من إنجازات مشاة البحرية. فقد طُردت طالبان من الغالبية العظمى من المنطقة. وأصبح بإمكان مسؤول حكومي أفغاني أن يسافر بلا سلاح من أقصى المنطقة إلى أدناها. وكان أكثر من ألف جندي وشرطي أفغاني جديد في مواقعهم ويمارسون عملهم. كنت أعتقد أنه لا ضرورة لبقاء عشرات الآلاف من القوات الأميركية في أفغانستان، ما دام عدد أصغر سيبقى على المدى الطويل. وفي عام 2012، كتبتُ أنا وكايل ويستون في هذه الصفحات أن على 25 ألفًا من المستشارين الأميركيين وقوات العمليات الخاصة وأفراد الطيران والدعم أن يبقوا هناك. وإلا فإن «الحكومة المركزية الأفغانية ستفقد على الأرجح السيطرة على الشرق والجنوب البشتونيين»، وستكون، «وهي في موقع دفاعي، غير قادرة على منع عودة القاعدة إلى القلب البشتوني الواسع». وحذرنا من أن البلاد ستتراجع «بسرعة وربما بصورة لا رجعة فيها، آخذة معها قدرة الولايات المتحدة على مكافحة القاعدة».

ومن عام 2013 إلى 2014، عدت إلى أفغانستان بصفتي المستشار المدني للجنرال جوزيف دانفورد، قائد جميع القوات الأميركية والحليفة في أفغانستان. خلال تلك السنوات، كان الرئيس الأميركي باراك أوباما قد بدأ سحب القوات الأميركية من أفغانستان، وبحلول وقت مغادرتي كان أقل من 10 آلاف جندي ما يزالون هناك، وكان تركيزهم منصبًا على تسليم الحرب إلى الجنود والشرطة الأفغان. لكنهم في أماكن كثيرة جدًا كانوا يتعرضون لانتكاسات. ففي صيف 2014، في سانغين، وهي نقطة تقاطع استراتيجية في هلمند، سقط مئات من عناصر الشرطة والجنود الأفغان المسلحين جيدًا أمام هجوم لطالبان. وكانت تلك الهزيمة مقدمة لانتكاسات أسوأ وقعت في عامي 2015 و2016، وكلها اعتبرها المسؤولون الأميركيون مؤشرات على أن الحكومة الأفغانية لا تستطيع صد طالبان بمفردها، ولا منع إقامة ملاذ آمن للقاعدة لاحقًا. وبالنسبة إلي، كانت علامة على أن تكاليف البقاء في أفغانستان ربما أصبحت أكبر من خطر الإرهاب الذي سيأتي في أعقاب سقوط الحكومة.

وخلال ما تبقى من ولاية أوباما، ثم خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، كانت الحرب الأفغانية محور نقاش دائم في البيت الأبيض. تغيرت التفاصيل مع الوقت، لكن الخيار الأساسي ظل هو نفسه: البقاء في البلاد بعدد صغير من القوات، في وضع قابل للاستمرار لكنه قد يكون بلا نهاية، أو الخروج، بما يعني أن الحكومة ستسقط عاجلًا أو آجلًا وأن التهديد الإرهابي سيعود على الأرجح. ومنذ عام 2012 فصاعدًا، قدّرت أجهزة الاستخبارات أن القدرة الإرهابية على مهاجمة الولايات المتحدة يمكن أن تتشكل من جديد في أفغانستان خلال عام إلى ثلاثة أعوام بعد الانسحاب الأميركي.

احتفظ ترامب بأساسيات استراتيجية أوباما حتى منتصف عام 2018، عندما قرر أن الوقت قد حان لمغادرة أفغانستان والسعي إلى مفاوضات مباشرة مع طالبان. كان أوباما قد سمح بإجراء محادثات بين عامي 2010 و2014، لكن الجهد لم يكن أولوية عالية لإدارته. وبحلول عام 2018، كان السياق الاستراتيجي قد تغير. فقد هزم تحالف تقوده الولايات المتحدة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، وكان التهديد الإرهابي العالمي يتراجع، وبدأ يتشكل أخيرًا إجماع من الحزبين على أن على الولايات المتحدة إنهاء الحرب في أفغانستان. وقد نص اتفاق ترامب مع طالبان، الموقّع في فبراير/شباط 2020، على أن تسحب واشنطن جميع قواتها العسكرية بحلول مايو/أيار 2021. وفي المقابل، وعدت طالبان بعدم السماح للقاعدة بالتجنيد أو التدريب أو تنفيذ عمليات من أفغانستان، رغم أن طالبان رفضت قطع علاقاتها مع الجماعة.​

الأشرار انتصروا​

عند توليه منصبه في يناير/كانون الثاني 2021، واجه الرئيس الأميركي جو بايدن خيارًا صعبًا: إبقاء 2500 جندي في أفغانستان لكبح التهديد الإرهابي، أو الانسحاب وفقًا لاتفاق ترامب. كانت كلتا الاستراتيجيتين قابلة للتطبيق. وقد فضّل رئيس هيئة الأركان المشتركة، مارك ميلي، وكبار الجنرالات الأميركيين خيار البقاء. وجادلوا بأن عمليات مكافحة الإرهاب يمكن الحفاظ عليها بصورة أفضل من داخل أفغانستان، وأن استمرار وجود القوات الأميركية سيمنع هزيمة الحكومة الأفغانية. أما بايدن نفسه، فكان قلقًا بصدق من الإرهاب، وأقرّ باحتمال انهيار شبيه بسقوط سايغون، لكنه مال إلى الخروج من مهمة لا نهاية لها. بالنسبة إلى بايدن، كانت جائحة كوفيد-19، والمنافسة الأميركية مع الصين، والاقتصاد الأميركي المتعثر، مخاوف أكبر بكثير.

في أبريل/نيسان 2021، أعلن بايدن أن جميع القوات العسكرية الأميركية ستنسحب بحلول 11 سبتمبر/أيلول من ذلك العام. وكانت الإدارة تعتقد أن الحكومة الأفغانية ستصمد ستة أشهر على الأقل بعد ذلك الموعد. لكن كابول سقطت في أغسطس/آب، ومنذ ذلك الحين تحكم طالبان أفغانستان بقيادة أميرها المتجهم، مولوي هبة الله آخوند زاده. وقبل توليه المنصب الأعلى عام 2016، كان يشغل منصب كبير قضاة المحكمة الإسلامية التابعة لطالبان، وهو موقع منح قيادته شرعية دينية في أعين كثير من الأفغان. ويُقال إنه أقرّ عملية تفجير انتحارية نفذها ابنه في هلمند عام 2018. وعلى خطى الملا عمر، لا يحكم هبة الله من كابول، بل من قندهار، المعقل التقليدي لطالبان، ويتجنب الظهور العلني بعناية. أما في كابول، فإن وزير الداخلية هو سراج الدين حقاني، زعيم الجماعة الإرهابية المعروفة باسم شبكة حقاني، والعقل المدبر لعدد لا يحصى من الهجمات الانتحارية خلال الحرب، ومنها تفجير شاحنة أمام السفارة الألمانية عام 2017 أدى إلى مقتل 150 أفغانيًا وإصابة 400 آخرين.

إن صعود رجال من هذا النوع هو بالضبط النتيجة التي كان المسؤولون الأميركيون يخشونها عندما كانوا يتأملون مستقبل أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي. لكن حكم طالبان، بدلًا من أن يفتح عصرًا جديدًا من الفوضى والمجازر، أرسى فترة من الاستقرار النسبي. فالبلاد تعيش في سلام منذ خمس سنوات، وهي أطول فترة من نوعها منذ عام 1979، حين أعقب الغزو السوفييتي عقود من الحرب. وباستثناء هجمات متفرقة يشنها تنظيم الدولة الإسلامية، ظلّت مقاومة النظام محدودة. ويقول لي الأفغان باستمرار إن البلاد أصبحت الآن «آرام»، أي هادئة. ومنذ استعادتها السيطرة، لم تضطهد طالبان الشعب الأفغاني بوحشية. ولم تسجن الحركة بصورة ممنهجة خصومها السابقين أو أولئك الذين عملوا مع الولايات المتحدة أو حلفائها أو الحكومة الأفغانية. وقد سمح حكام طالبان وقضاتها عمومًا لهؤلاء الناس بمواصلة حياتهم. أما الخطر الأكبر عليهم فيتمثل في أعمال عنف ينفذها عناصر من طالبان في المستويات الدنيا بدافع الضغينة، أو خصوم محليون يبحثون عن ذريعة لتصفية حسابات قديمة.

ربما كان أكثر عناصر حكم طالبان إثارة للدهشة هو حظرها زراعة الخشخاش، التي جعلت أفغانستان طويلًا عقدة رئيسية في تجارة الهيروين الدولية. فقد كان الخشخاش مصدرًا مهمًا لإيرادات الحركة خلال الحرب. لكن في عام 2022، حظر هبة الله زراعة جميع أنواع المخدرات وبيعها واستهلاكها. وقد أدى هذا المرسوم، الذي فُرض عبر الجلد العلني وأحكام السجن الطويلة، ودُعم بجهود استئصال المحاصيل، إلى خفض زراعة الخشخاش بنحو 95 في المئة عام 2023، وفق تقديرات الأمم المتحدة. وحققت طالبان هذا الإنجاز رغم أن ذلك قلّص بشدة الإيرادات الضريبية التي كان يمكنها جمعها، وأثر سلبًا في سبل عيش ما قد يصل إلى خُمس السكان.

وبطبيعة الحال، كانت هناك أيضًا انتكاسات كبيرة. فقد ركد النمو الاقتصادي، وتفاقم الفقر. وتدهورت الرعاية الصحية مع توقف المساعدات الدولية. أما الخلل الأكثر فجاجة فهو محنة النساء الأفغانيات. ففي عام 2022، أصدر هبة الله مراسيم تحظر على الفتيات الالتحاق بالمدارس الثانوية والجامعات. كما تواجه النساء قيودًا على العمل وعلى الخروج من منازلهن من دون مرافقة قريب ذكر. وقد أصاب تدهور الرعاية الصحية النساء على نحو خاص، لأن المستشفيات والعيادات كانت من بين الأماكن القليلة التي تضم موظفين مخصصين لرعايتهن. وتزداد قسوة هذه السياسات وضوحًا عند مقارنتها بالتقدم الكبير في الحقوق والفرص الذي حققته النساء الأفغانيات في بعض أنحاء البلاد خلال العقود التي كانت طالبان فيها خارج السلطة. فقد تضاعف دخل النساء للفرد بين عامي 2000 و2013. وفي كابول على الأقل، نشأ جيل من النساء الأفغانيات مع إمكانية الوصول إلى التعليم، وفرص العمل، وشعور بأنهن قادرات على بناء حياة خاصة بهن. لقد أطفأت طالبان تلك الأحلام.

ومع ذلك، فإن أهم تحول بالنسبة إلى المصالح الأميركية والغربية كان غياب الإرهاب. فهناك أدلة قليلة تشير إلى أن القاعدة تنظّم صفوفها أو تجمع الأموال أو تتدرب على الأراضي الأفغانية. ويبدو أن مقاتلين وقادة من طالبان باكستان لجأوا إلى أفغانستان بإذن من الإمارة الأفغانية، حيث شنوا 700 هجوم داخل الأراضي الباكستانية. وقد أدت الحرب الناتجة عن ذلك إلى قيام باكستان بقصف مدن أفغانية مثل باغرام وكابول وباكتيا وقندهار، بينما هاجمت القوات الأفغانية مواقع حدودية باكستانية. وفي الوقت نفسه، يحتفظ تنظيم الدولة الإسلامية ببضعة آلاف من المقاتلين في أفغانستان، نفذوا هجمات بارزة ضد حكومة طالبان في كابول. لكن على مدى خمس سنوات، لم يُشن أي هجوم إرهابي معروف من أفغانستان ضد الولايات المتحدة. ورغم سجل طالبان بوصفها جهة مكّنت القاعدة سابقًا، ورغم فشلها في إدارة اقتصاد البلاد، فإن الحركة لم ترعَ الإرهاب العالمي منذ عام 2021، بل احتوته.

لا يمكن استبعاد حدوث انعكاس كامل في هذا المسار، لأن قدرة واشنطن على مراقبة أفغانستان لم تعد كما كانت عام 2020، فضلًا عن عام 2011. فقد لا تتمكن الولايات المتحدة من رصد التخطيط والتدريب الإرهابيين في القرى الجبلية أو في الأزقة الخلفية لكابول أو قندهار أو جلال آباد. كما أن السنوات الخمس الماضية لم تخلُ من إشارات تحذيرية. ففي عام 2022، قتلت ضربة أميركية أيمن الظواهري، الذي ورث قيادة القاعدة عن أسامة بن لادن، في دار ضيافة مرتبطة بحقاني. وفي عام 2023، خلص فريق من محققي الأمم المتحدة إلى أنه ما يزال هناك نحو 400 عضو من القاعدة في أفغانستان يحاولون بنشاط إعادة بناء قاعدة عمليات. وبالمثل، قد يكون الفرع الأفغاني لتنظيم الدولة الإسلامية أقوى مما يبدو حاليًا، وقد يحوّل تركيزه من تقويض طالبان إلى مهاجمة المصالح الغربية.

لكن الحقيقة الواضحة هي أن حكم طالبان، حتى الآن، ظل قابلًا للإدارة بالنسبة إلى المصالح الأميركية. وبعد خمس سنوات من الانسحاب الأميركي، من الإنصاف القول إن خطر الإرهاب، الذي قاد عملية صنع القرار الأميركية، كان مبالغًا فيه.​

الخسارة ليست خيارًا​

السؤال الذي يبقى عالقًا، إذن، هو لماذا أساء المسؤولون الأميركيون إلى هذا الحد تقدير مخاطر الانسحاب، واختاروا البقاء كل هذه المدة الطويلة. كان أحد العوامل هو السياسة الداخلية. فلو لم يكن الأميركيون العاديون واقعين تحت وطأة الخوف من الجهادية بعد 11 سبتمبر، ولو شعروا بآثار الحرب في حياتهم الخاصة بصورة أكثر حدة، لربما كانت الاحتجاجات الشعبية والسياسة الانتخابية والمعارضة في الكونغرس قد أجبرت رئيسًا ما على الانسحاب في وقت أبكر بكثير. لم تُثر حرب أفغانستان يومًا حماسة كبيرة لدى الأميركيين العاديين. واجه الرؤساء معارضة شعبية محدودة للبقاء، وخافوا من أن يؤدي انهيار سريع بعد الانسحاب الأميركي إلى كارثة سياسية، وهو ما حدث فعلًا مع بايدن، إذ تراجعت نسب تأييده بشدة بعدما شاهد الأميركيون المذهولون عملية الإجلاء عام 2021 تنزلق إلى الفوضى وسفك الدماء.

وبالنظر إلى الماضي، فإن السنوات التي تلت مباشرة مقتل بن لادن في مايو/أيار 2011 وفّرت أفضل الفرص لإنهاء الحرب. فقد كان ألدّ أعداء واشنطن قد قُتل، وكانت منظمته قد تفتت إلى حد بعيد. وفوق ذلك، كان واضحًا عند تلك النقطة أن زيادة القوات التي أمر بها أوباما إلى أفغانستان عام 2009 ستكون مكلفة جدًا بحيث يتعذر استمرارها. وبعد نحو شهر من مقتل بن لادن، أعلن أوباما أن 33 ألف جندي أميركي سينسحبون من أفغانستان بحلول سبتمبر/أيلول 2012، وهو ما كان سيُبقي نحو 67 ألفًا في البلاد. وقال الرئيس إن هذه القوات ستواصل الانخفاض حتى نهاية عام 2014، عندما تنهي الولايات المتحدة مهمتها القتالية وتتحول إلى مهمة تدريب ومشورة ومكافحة إرهاب. وفي مايو/أيار 2014، أعلن أوباما أن الانسحاب سيكتمل بحلول نهاية عام 2016. لكنه تراجع عن ذلك القرار في العام التالي، وسط صعود تنظيم الدولة الإسلامية، المعروف باسم داعش، وتقدم طالبان في أفغانستان.

لو كان الجدول الزمني أقصر، لربما كان الانسحاب قد اكتمل بحلول تلك النقطة، وربما لم يكن أوباما قادرًا على عكس المسار. لم يطالب أوباما بانسحاب متسرع، لكنه نظر بجدية في «الخيار الصفري». وكان بإمكان البنتاغون، الذي لم يكن مصممًا على البقاء، أن يقدم للرئيس خيارات للانسحاب بسرعة أكبر، وكان بإمكان أوباما نفسه أن يقرر التنفيذ بوتيرة أسرع.

طوال الحرب الأفغانية، كان تحت نقاشات السياسة سبب آخر غير معلن للبقاء: مهانة الخسارة. كان لدى المؤسسة العسكرية انحيازات مفهومة عندما واجهت الموضوع المؤلم المتعلق بالانسحاب. شعر كثير من الجنرالات بواجب مهني يدفعهم إلى قبول أي نتيجة؛ وبالنسبة إلى آخرين، كان انتصار طالبان يحمل وصمة عميقة. لم يريدوا أن يخسروا. ولم يريدوا أن يكون جنودهم قد سقطوا عبثًا.

لم يكن الجنود والجنرالات الأميركيون قادرين على النجاح في عملياتهم اليومية لو لم يكونوا مصممين بلا هوادة على التفوق في القتال على العدو. ولم يكن بإمكانهم النجاح أيضًا لو لم يهتموا بالأفغان، اهتمامًا حقيقيًا، لا باعتبارهم بيادق في لعبة كبرى. فقد كان على الأفغان أن يضعوا حياتهم على المحك أيضًا. وهنا يكمن فرق بين الجندي أو الضابط على الأرض وصانع السياسات في الداخل. إن التفكير الموضوعي في الاستراتيجية يتطلب قدرًا من الانفصال العاطفي لا بد أن يرفضه الشخص الموجود على خط الجبهة. فالالتزام العاطفي، بكل ما يحمله من انحيازات، لا غنى عنه. ومن الصعب على أي شخص ينتقل من الميدان إلى واشنطن أن يتحرر من هذا النوع من الالتزام. وببساطة، فإن أحد الأسباب التي جعلت الأميركيين لا يغادرون أفغانستان في وقت أبكر هو أن الجيش الأميركي يقاتل من أجل الانتصار.​

مخاطر الإجماع​

لم تجعل طالبان التفكير في احتمال الانسحاب أسهل. فبين عامي 2010 و2021، قال ممثلو طالبان للمحاورين الأميركيين إنهم لا ينوون السماح لأي شخص على الأراضي الأفغانية بالتخطيط لهجوم إرهابي في الخارج أو تنفيذه. لكنهم عكّروا الصورة بالحفاظ على علاقة مع القاعدة. وفي عام 2019، كنت ضمن فريق التفاوض الأميركي الذي التقى ممثلي طالبان في قطر، وقد اعترفوا بالعمل مع القاعدة وبرغبتهم في أن يتمكن أعضاؤها من العيش في أفغانستان، بينما قاوموا في الوقت نفسه الطلبات الأميركية بتقديم ضمانات مكتوبة تحظر على القاعدة جمع الأموال والتجنيد والتدريب. وإذا كان الفشل الكبير لواشنطن هو المبالغة في تقدير التهديد الإرهابي أو تضخيمه، فإن فشل طالبان كان في إبقاء ذلك التهديد حيًا برفضها، في مرحلة متأخرة من اللعبة، قطعًا واضحًا مع القاعدة.

أما العامل الأهم الذي منع واشنطن من تقدير التهديد بصورة أفضل في وقت أبكر، فكان القناعة التي بدت راسخة لدى مختلف أجهزة الاستخبارات الأميركية بأن خطر الإرهاب سيرتفع إذا انسحبت القوات الأميركية. وقد كان هذا الرأي نتيجة عملية إنتاج تقديرات استخباراتية وطنية صُممت، بطبيعتها، لتعكس إجماعًا. عبّر خبراء متعددون من داخل الحكومة وخارجها عن شكوكهم في الاستنتاج العام، لكن بصورة ارتجالية؛ وفي عملية مدفوعة بالإجماع، كان لا بد للآراء المخالفة أن تُغسل وتختفي.

لكن اللوم في ذلك لا يقع على محللي الاستخبارات. كان ينبغي لصناع القرار، وأعضاء الكونغرس، ومستشاري السياسات، بمن فيهم أنا، أن يطلبوا من مجتمع الاستخبارات مجموعة أوسع من التوقعات. ومن أجل التبسيط، قبلتُ بتقدير تقريبي واحد بدل أن أطلب تنبؤات متعددة من وجهات نظر مختلفة يمكنني بعد ذلك تقديمها إلى كبار المسؤولين. ومن المرجح أن أحد هذه التقديرات كان سيصف احتمالًا معقولًا لبقاء التهديد الإرهابي للوطن الأميركي منخفضًا إلى أجل غير مسمى. وكان ذلك قد يضعف حجة البقاء، وربما كان سيلفت انتباه أوباما وترامب والكونغرس ووسائل الإعلام.

لم تتنبأ الولايات المتحدة بالاستقرار الذي سيولده حكم طالبان، ولا بالتساهل النسبي الذي ستُظهره الحركة تجاه الأفغان الذين عارضوها. لقد فهمت واشنطن الحركة فهمًا محدودًا؛ إذ ظل قادتها مختفين، وكان وصول الغرباء إليهم محدودًا. توفي الملا عمر عام 2013، لكن بقية العالم، وكذلك معظم حركته نفسها، لم يعلموا بوفاته إلا بعد عامين. وبالنظر إلى الماضي، كانت الرؤى المتعلقة بالحركة منحرفة بفعل التقارير عن فترتها الأولى في الحكم، عندما حكمت البلاد في أواخر التسعينيات. فلم تكن الإعدامات والرجم وغيرها من الانتهاكات منتشرة كما أوحت التغطيات الإعلامية في تلك الفترة. وبالمثل، أدى متاهة السياسة القبلية الأفغانية، والمعلومات المشوهة القادمة من مصادر غير موثوقة في الحكومة الأفغانية، إلى أن يقلل المسؤولون الأميركيون من مستوى الوحدة والتراتبية داخل الحركة، وهما عاملان يفسران جزئيًا نجاحها خلال السنوات الخمس الماضية.

وكانت إحدى طرق تخفيف هذه التصورات الخاطئة تتمثل في إعطاء أولوية لحوار مستمر مع ممثلي طالبان في وقت أبكر بكثير. كانت محاولات التواصل بين عامي 2010 و2014 صادقة، لكنها عانت من نقص الموارد. وكان الاتصال بطالبان، والمعرفة بها، والثقة في تلك المعرفة، سيزداد بشكل كبير، وربما كان سيخلق فرصة أبكر لمفاوضات تنهي الحرب.​

حقل الألغام في الداخل​

اتسمت الحرب الأميركية في أفغانستان بطابع مأساوي. لم يكن بإمكان الولايات المتحدة تجنب الدخول في الصراع، لكنها بعد ذلك لم تجد سوى فرص قليلة للخروج منه. كثيرون ممن خدموا في الحرب يرونها الآن هدرًا. ويشعر بعضهم بالخيانة أو الخذلان من قبل الجنرالات والمدنيين الذين واصلوا، رغم عبثية الحرب، وضعهم في طريق الخطر. وقد وجد استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث في أغسطس/آب 2021 أن ثلثي المحاربين القدامى من جميع الحروب الأميركية شعروا بأن الولايات المتحدة فشلت في تحقيق أهدافها في أفغانستان. ويتأمل بيركوف، ملازم الجيش الأميركي المتقاعد الآن، في نهاية مذكراته قائلًا: «في أعقاب عام 2021، سيطرت على كثيرين منا أسئلة وجودية حول معنى خدمتنا وإرثها. نحن نصارع، ونواصل تفكيك، مشاعر الذنب أو الندم، متسائلين عما إذا كانت تضحياتنا قد ذهبت فعلًا سدى». أما تيموثي كودو، وهو نقيب متقاعد في مشاة البحرية، فيأتي حكمه أقسى: «أفكر في العلم الأميركي الذي كان يرفرف فوق قاعدة الدورية القديمة التي خدمت فيها... مات خمسة رجال تحت ذلك العلم، من أجل ماذا؟». ومن المقلق بعمق أن آلاف العسكريين الذين قاتلوا أو جُرحوا أو فقدوا أصدقاء في الحرب باتوا يرونها جهدًا لا يستحق.

لن يشترك الأميركيون جميعًا في ذكرى واحدة عن الحرب في أفغانستان، ولن يقبلوا تفسيرًا واحدًا لنتيجتها. وإلى جانب أولئك الذين يشعرون بأنها كانت هدرًا، هناك الضباط والجنود والدبلوماسيون الذين يرون أن الحرب كانت واجبًا، وأنهم خدموا بلدهم بغض النظر عن الأسباب التي دفعت الحكومة إلى خوضها. وهناك أيضًا فئة أصغر من قدامى محاربي الحملة الأفغانية يعتقدون أن الحرب كان يمكن كسبها. فمن وجهة نظرهم، كان بإمكان الحكومة الأفغانية أن تقف على قدميها، وكان بالإمكان هزيمة طالبان، لو بقي مزيد من القوات الأميركية في البلاد، أو لو نُفذت العمليات الخاصة بقوة أكبر، أو بُني الجيش الأفغاني بصورة أفضل، أو لو لم تخبر واشنطن طالبان مرارًا بأنها ستنسحب.

خلقت هذه المشاعر حقل ألغام أمام القادة العسكريين. فعلى الضباط اليوم أن يثبتوا للجنود أنهم لن يضعوا الأرواح في خطر في مساعٍ لا تبلغ حد النصر. وعليهم أن يثبتوا للقادة المدنيين أنهم لن يقفوا في طريق السياسة. ولم تظهر ديناميكية مشابهة منذ ما بعد حرب فيتنام، التي جعلت الأميركيين يفقدون الثقة بقادتهم العسكريين، ودفعت الجيش إلى إعادة التركيز على خوض الحروب التقليدية، والتحول إلى قوة محترفة قائمة بالكامل على التطوع. وربما تقدم تلك التجربة بعض العزاء: فقد تؤدي الدروس الكثيرة المستخلصة من الهزيمة إلى قوات مسلحة أقوى، وحكم سياسي أفضل، ومزيد من التدقيق في المبررات التي تُساق لوضع الأرواح في خطر.

تكمن قيمة حياة الجندي في قلب النقاشات حول معنى حرب أفغانستان. فخلال معظم سنوات الحرب، اعتقد معظم القادة الأميركيين ومعظم الأميركيين العاديين أن منفعة الأمن تفوق كلفة الضحايا. واليوم، يكاد لا أحد يعتقد ذلك. وقد حدثت تحولات مشابهة بعد حروب أميركية أخرى، وآخرها حربا فيتنام والعراق. في كل حالة، بدا الأمر في حينه بالغ الأهمية. وبعد سنوات، قرر كثيرون أنهم لو كانوا يعرفون كيف ستؤول الأمور، لما دعموا التضحية بكل هذا القدر.

يجب ألا ينسى الأميركيون تلك التحولات في القناعة. عليهم أن يتذكروا معنى أن ينظر المرء إلى حرب كان قد تبناها ذات يوم، ثم يقول: «ليتني كنت أعرف حينها ما أعرفه الآن».​
 
عودة
أعلى