MotasemH

Administrator
طاقم الإدارة
تجادل ليانا فيكس في مقالها المنشور في Foreign Affairs أن صعود ألمانيا كقوة عسكرية أوروبية كبرى—مدفوعًا بتهديد روسيا وتراجع الانخراط الأميركي—قد يحمل مفارقة خطيرة: فهو ضروري لأمن أوروبا، لكنه قد يعيد إحياء مخاوف الهيمنة ويطلق منافسات داخلية تُضعف الاتحاد الأوروبي والناتو بدل أن تقوّيهما. وتوضح أن التكامل الأوروبي لم يُنهِ بالكامل تنافس الدول، بل جرى كبحه تاريخيًا بفضل الناتو والهيمنة الأميركية؛ ومع تراجع واشنطن، قد تعود الديناميات القديمة عبر سباق تسلّح صناعي وتموضع تحالفات موازنة تقودها فرنسا وبولندا وبريطانيا. كما تستحضر تجربة التقشف خلال أزمة ديون اليورو لتفسير سبب عدم الثقة ببرلين، وتضيف أن الخطر يتفاقم إذا صعد حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD) بما يحمله من نزعة قومية متشددة وتشكك في الاتحاد الأوروبي والناتو واستعداد لتوظيف القوة للابتزاز أو مراجعة الترتيبات ما بعد 1945. وتقترح فيكس مخرجًا عمليًا يتمثل في “الأصفاد الذهبية”: تقييد القوة الألمانية عبر اندماج دفاعي أوروبي أعمق (تمويل دفاعي مشترك على مستوى الاتحاد، تكامل الصناعات الدفاعية، وبُنى قيادة وتشكيلات متعددة الجنسيات)، بما يضمن أن تتحول إعادة التسلح إلى قوة أوروبية جماعية لا إلى هيمنة وطنية تُقسّم القارة.
الهيمنة القادمة في أوروبا

Europe’s Next Hegemon​

«أقدّم لكم تحذيري الجازم بأن الحرب العالمية المقبلة، وفق المسار الحالي، باتت حتمية»، هكذا أعلن القائد العسكري الفرنسي فرديناند فوش. كان ذلك عام 1921، حين أطلق فوش، القائد الأعلى لقوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الأولى، هذا التحذير في خطاب ألقاه من مدينة نيويورك. وكانت مخاوفه بسيطة في جوهرها: فبعد هزيمة ألمانيا، أجبرتها قوى الحلفاء، بموجب معاهدة فرساي، على نزع سلاحها. لكن بعد سنوات قليلة فقط، توقّف الحلفاء عن فرض شروط نصرهم. وحذّر فوش من أن برلين، في ظل هذا الإهمال، ستعيد بناء قوتها العسكرية. وقال: «إذا استمر الحلفاء في لامبالاتهم الحالية… فإن ألمانيا ستنهض بالسلاح من جديد».

وقد أثبتت تحذيرات فوش صحتها. فبحلول أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، كانت ألمانيا قد أعادت بالفعل بناء جيشها. فضمّت النمسا، ثم تشيكوسلوفاكيا، ثم بولندا، ما أشعل فتيل الحرب العالمية الثانية. وعندما هُزمت مرة أخرى، كان الحلفاء أكثر حذرًا في إدارتهم لشؤونها. فقد احتلوها وقسموها، وحلّوا قواتها المسلحة، وألغوا إلى حد كبير صناعتها الدفاعية. وحين سمحت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي لألمانيا الغربية والشرقية، على التوالي، بإعادة تأسيس جيوشهما، جرى ذلك تحت رقابة صارمة. وحتى عندما سُمح باندماج الشطرين، فُرضت على ألمانيا قيود على حجم قواتها المسلحة. ومع ذلك، عارضت رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر إعادة التوحيد، خوفًا من أن يؤدي ذلك إلى ظهور دولة شديدة القوة. وحذّرت عام 1989 من أن «ألمانيا الأكبر ستقوّض استقرار الوضع الدولي برمته وقد تهدد أمننا».

اليوم، تبدو مخاوف فوش وتاتشر وكأنها تنتمي إلى تاريخ سحيق. فمع مرور أوروبا بأزمة تلو الأخرى خلال العقود الأخيرة—وأبرزها العدوان الروسي على أوكرانيا—لم يعد القلق السائد بين مسؤولي القارة يتمثل في أن تصبح برلين قوية أكثر من اللازم، بل في أنها باتت ضعيفة أكثر مما ينبغي. فقد أعلن رادوسواف سيكورسكي، وزير الخارجية البولندي، خلال الأزمة المالية الأوروبية عام 2011: «أخشى تقاعس ألمانيا أكثر مما أخشى قوتها». وكان هذا تصريحًا لافتًا صادرًا عن مسؤول بولندي، في ظل أن وارسو لطالما كانت من أكثر العواصم قلقًا من القوة الألمانية. وهو ليس استثناءً؛ إذ أعلن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته عام 2024 أن الجيش الألماني يجب أن «ينفق أكثر وينتج أكثر».

والآن، يحصل هؤلاء القادة على ما كانوا يطالبون به. فبعد سنوات من التأجيل، بدأت «التحوّل الجذري» الألماني—أي التعهد الذي أطلقته برلين عام 2022 لتصبح إحدى ركائز الدفاع الأوروبي—يتحول إلى واقع ملموس. ففي عام 2025، أنفقت ألمانيا على الدفاع أكثر من أي دولة أوروبية أخرى من حيث القيمة المطلقة. ويحتل إنفاقها العسكري اليوم المرتبة الرابعة عالميًا، بعد روسيا مباشرة. ومن المتوقع أن يصل الإنفاق العسكري السنوي إلى 189 مليار دولار بحلول عام 2029، أي أكثر من ثلاثة أضعاف ما كان عليه في عام 2022. بل إن ألمانيا تدرس حتى العودة إلى التجنيد الإجباري إذا عجز جيشها، البوندسفير، عن استقطاب عدد كافٍ من المتطوعين. وإذا واصلت البلاد هذا المسار، فستعود قوة عسكرية كبرى قبل عام 2030.

وقد رحّب كثيرون في أوروبا بإعادة بناء برلين لقوتها العسكرية للدفاع في وجه روسيا. لكن عليهم أن يحذروا مما يتمنّون. فبينما تعهّدت ألمانيا اليوم باستخدام قوتها العسكرية المتعاظمة لخدمة أوروبا بأسرها، فإن هيمنتها العسكرية، إذا تُركت بلا ضوابط، قد تؤدي في نهاية المطاف إلى تعميق الانقسامات داخل القارة. فلا تزال فرنسا تشعر بالقلق إزاء تحوّل جارها إلى قوة عسكرية كبرى—وكذلك حال كثيرين في بولندا، على الرغم من تصريحات سيكورسكي. ومع صعود برلين، قد تتنامى مشاعر الشك وانعدام الثقة. وفي أسوأ السيناريوهات، قد تعود المنافسة. فقد تسعى فرنسا وبولندا ودول أخرى إلى موازنة القوة الألمانية، ما سيصرف الانتباه عن روسيا ويترك أوروبا منقسمة وضعيفة. وقد تحاول فرنسا، على وجه الخصوص، إعادة تأكيد مكانتها باعتبارها القوة العسكرية الأولى في القارة و«الأمة العظمى»، وهو ما قد يفضي إلى تنافس مباشر مع برلين ويضع أوروبا في صراع مع نفسها.

وتصبح مثل هذه السيناريوهات القاتمة أكثر ترجيحًا إذا انتهى الأمر بألمانيا إلى أن تُحكم من قبل حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف، الذي يشهد صعودًا في استطلاعات الرأي. فهذا الحزب القومي المتشدد طالما كان ناقدًا للاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وقد أدلى بعض أعضائه بتصريحات ذات نزعة انتقامية بشأن أراضي دول مجاورة. وفي حال سيطر الحزب على الحكم، قد تستخدم ألمانيا قوتها لابتزاز أو إكراه دول أخرى، ما يفضي إلى توترات وصراعات.

لا شك أن برلين بحاجة إلى تعزيز قدراتها العسكرية. فالقارة في خطر، ولا تمتلك أي حكومة أوروبية أخرى القدرة المالية التي تستطيع ألمانيا تسخيرها. لكن على برلين أن تدرك المخاطر المصاحبة لقوتها، وأن تكبح جماح نفوذها من خلال إدماج قوتها الدفاعية ضمن هياكل عسكرية أوروبية أكثر تكاملًا وعمقًا. وفي المقابل، ينبغي لجيران ألمانيا الأوروبيين أن يوضحوا الشكل الذي يرغبون فيه لهذا التكامل الدفاعي. وإلا، فإن إعادة تسليح ألمانيا قد تفضي إلى أوروبا أكثر انقسامًا وانعدامًا للثقة وأضعف حالًا—وهو نقيض تمامًا لما تأمل برلين تحقيقه اليوم.​

أكثر مما ينبغي وأقل مما يلزم​

بالنسبة لكثيرين، يصعب فهم كيف يمكن لإعادة تسليح ألمانيا أن تقود إلى تنافس وعدم استقرار في أوروبا. فجميع الأوروبيين يدركون، بطبيعة الحال، التاريخ العسكري النزِعَوي للبلاد. لكن في العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، دمجت ألمانيا اقتصادها وأجهزتها الدفاعية بعمق داخل أوروبا. فقد رفض أول مستشار لألمانيا الغربية بعد الحرب، كونراد أديناور، بشكل قاطع فكرة تحويل بلاده إلى قوة عسكرية مستقلة، ودافع بدلًا من ذلك عن إدماج القوات المسلحة لألمانيا الغربية إما ضمن جيش أوروبي أو داخل حلف شمال الأطلسي. وبعد نهاية الحرب الباردة، تبنّت ألمانيا نهج ضبط النفس العسكري، وقدّمت نفسها بوصفها «قوة مدنية»—أي دولة موثوقة وغير مهدِّدة—حتى مع أن إعادة التوحيد جعلتها أقوى بكثير. وكما أعلن هيلموت كول، أول زعيم لألمانيا الموحّدة، عام 1989: «لا يمكن أن يخرج من الأرض الألمانية سوى السلام». وقد أسهم التكامل الاقتصادي والسياسي الذي حققه الاتحاد الأوروبي لاحقًا في خلق هوية أوروبية جامعة، وتعزيز الاعتقاد بأن الدول الأوروبية، بما فيها ألمانيا، تمتلك مصالح استراتيجية مشتركة، وبالتالي لا يمكن أن تعود إلى التنافس فيما بينها.

ومع ذلك، كما يجادل بعض الباحثين الواقعيين، فإن التنافس بين دول أوروبا لم يختفِ في الحقيقة، وبالتأكيد لم يختفِ بفعل الاتحاد الأوروبي وحده. بل جرى كبحه فحسب، وكان ذلك إلى حد كبير بفضل حلف شمال الأطلسي والهيمنة الأميركية. فالـاتحاد الأوروبي كان، ولا يزال، منظمة اقتصادية في المقام الأول. أما الأمن والدفاع في أوروبا، فقد بقيا إلى حد كبير في عهدة الناتو والجيش الأميركي. وبعبارة أخرى، فإن الحضور الأميركي الطاغي هو الذي خفف من حدّة المعضلة الأمنية الأوروبية التي لطالما فرضها حجم ألمانيا وموقعها—وليس فقط التكامل السياسي والاقتصادي الذي عززه الاتحاد الأوروبي.

والآن، ومع ما يبدو أنه تراجع في اهتمام الولايات المتحدة والموارد التي اعتادت تخصيصها لأوروبا، قد يعود هذا التنافس من جديد. وربما يبدأ بطرق صغيرة وغير مؤذية. فالدول الأوروبية الأخرى تشعر بالفعل بعدم الارتياح إزاء التعاظم العسكري الألماني وارتفاع إنفاقه الدفاعي. فبرلين، على سبيل المثال، تخطط لإنفاق الحصة الأكبر من ميزانيتها الدفاعية على شركات الدفاع الألمانية، مستفيدة من استثناء في قواعد المنافسة داخل الاتحاد الأوروبي يسمح للدول الأعضاء بتجاوز إجراءات الإخطار والموافقة المسبقة عند تمويل الصناعات الدفاعية الوطنية إذا كان ذلك مرتبطًا بمصالح أمنية أساسية. وسيؤدي هذا النهج إلى تقويض التعاون، ويجعل من الصعب ظهور أبطال صناعيين دفاعيين أوروبيين حقيقيين. ولا يساعد في هذا السياق أن ألمانيا ترغب في إبقاء سياسات الشراء العسكري بيد الحكومات الوطنية، وترفض منح المفوضية الأوروبية دورًا تنسيقيًا أكبر. فما تحتاجه الصناعة الدفاعية في القارة هو مزيد من «الأوربة» وسوق موحدة للتسلح، غير أن سياسات برلين لا تدفع القطاع في هذا الاتجاه.

وقد استفادت فرنسا وإيطاليا والسويد وغيرها من الدول من الثغرة القانونية الأوروبية نفسها لتعزيز قطاعاتها الدفاعية، كما تمتلك صناعات عسكرية كبيرة بما يكفي للحد من الهيمنة الألمانية. غير أنه لا توجد دولة أوروبية قادرة على مجاراة برلين في مستوى الإنفاق. فقد خففت ألمانيا مؤخرًا قيود «مكبح الديون» بما يسمح بإنفاق دفاعي شبه غير محدود، وهو خيار لا تتمتع به معظم الدول الأوروبية الأخرى، التي تعاني عجزًا ماليًا أكبر. والحل الأمثل لهذه المعضلة يتمثل في أن تلجأ المفوضية الأوروبية إلى الاقتراض المشترك على نطاق واسع لتمويل الدفاع. وهناك سابقة قائمة بالفعل: سندات اليورو التي أصدرتها المفوضية خلال أزمة كوفيد-19. غير أن برلين رفضت السماح بمبادرة دفاعية شاملة من هذا النوع، واكتفت بتأييد برامج اقتراض مشروطة مثل مبادرة «EU SAFE»، التي توفر ما يصل إلى 175 مليار دولار في قروض ميسّرة لمشاريع دفاعية تعاونية. وهذه البرامج—وكذلك أي برامج مستقبلية مماثلة—لا يمكنها تلبية الطلب المالي المستدام للمشروعات الدفاعية الصناعية كثيفة رأس المال. كما أنها تظل ضئيلة مقارنة بخطة ألمانيا لإنفاق أكثر من 750 مليار دولار على الدفاع خلال السنوات الأربع المقبلة.

ويقول صانعو القرار في برلين إنهم لا يرغبون في تحمّل كلفة الإنفاق المحلي المفرط لحكومات أوروبية يعتبرونها أقل انضباطًا ماليًا، ولا سيما في وقت يعاني فيه الاقتصاد الألماني من الركود. لكن هذا الطرح ينطوي على قدر من التبرير الذاتي؛ فالتوازنات المالية السابقة لألمانيا ونموها الاقتصادي اعتمدا لسنوات طويلة على الصادرات إلى الصين والطاقة الروسية الرخيصة، من دون اكتراث بالمخاطر السياسية المترتبة على تمويل اندفاع بكين وعدوانية موسكو. كما أن موقف ألمانيا قصير النظر. فمن مصلحتها أن تسمح لبقية أوروبا بزيادة إنفاقها الدفاعي بسخاء من دون الاضطرار إلى تقليص برامج الرعاية الاجتماعية. فمثل هذه التخفيضات تؤدي، في نهاية المطاف، إلى ردود فعل شعبوية تقوّض وحدة الموقف بشأن أوكرانيا والجهود الدفاعية في مواجهة روسيا—وهي بالضبط الأسباب التي تجعل زيادة الإنفاق ضرورية.

وتؤكد برلين أنها تسعى إلى شراكات مع حكومات أوروبية أخرى لضمان أن يعود إنفاقها الدفاعي بالنفع على الإقليم بأسره. ومن وجهة نظرها، حتى لو حصدت الشركات المحلية النصيب الأكبر من هذا الإنفاق، فإن «الكعكة» كبيرة بما يكفي ليحصل الجميع على نصيب منها. كما ترى ألمانيا أن نشر قواتها في دول البلطيق—وربما في دول أخرى مستقبلًا—يوفر ضمانة كافية على أنها تأخذ مصالح أوروبا بعين الاعتبار، ولا تركز فقط على إعادة تسليحها الذاتي. غير أن إتاحة «حصة من الكعكة» لبقية دول القارة لن تكون كافية لتهدئة مخاوفها من الهيمنة الألمانية، ولا سيما في ظل تراجع الدور الأميركي وحالة عدم اليقين التي تحيط بمستقبل الناتو. فبرغم الحماسة الأوروبية الراهنة لتعزيز القدرات الدفاعية الألمانية، بدأ كثيرون يتساءلون عن الكيفية التي تنوي بها برلين إدماج تفوقها العسكري والصناعي داخل أوروبا. إنهم يريدون من ألمانيا أن تتحمّل نصيبها من الأعباء، لا أن تفرض ثقلها.​

القوة تولّد الخوف​

يتجاهل صانعو القرار في ألمانيا إلى حدّ كبير هذه المخاوف. فهم يجادلون بأن جيران ألمانيا لا يمكنهم المطالبة في آنٍ واحد ببرلين ضعيفة، وبأخرى قوية قادرة على الدفاع عن أوروبا. ويبدو أن موقفهم من القلق الأوروبي يقوم على فكرة مفادها أن القارة، بما أنها طالبت بتعزيز القدرات العسكرية الألمانية، لا يحق لها بعد ذلك الاعتراض على نتائجه.

غير أن هذا المنطق لن يبدّد القلق من الهيمنة الألمانية. فباريس لا تنظر بعين الارتياح إلى تحوّل ألمانيا إلى القوة العسكرية الأولى في أوروبا، لأنها ترى أن هذا الدور يعود إلى فرنسا. وستراقب عن كثب أي مؤشرات على أن ألمانيا قد تطمح يومًا إلى امتلاك سلاح نووي—وهو المجال الوحيد المتبقي الذي تحتفظ فيه فرنسا بتفوّق نوعي. وفي بولندا، يخشى بعض المسؤولين من أن ألمانيا قوية عسكريًا قد تشعر في مرحلة ما بالحرية الكافية لإعادة بناء علاقات ودّية مع روسيا. كما عبّر البولنديون، وليس فقط أنصار حزب «القانون والعدالة» الشعبوي، عن مخاوفهم من أن تؤدي الهيمنة الألمانية إلى تهميش دور الدول الأصغر داخل الاتحاد الأوروبي، وأن تستخدم برلين قوتها لإكراهها.

ولا يحتاج الباحثون الساعون لفهم سبب الخوف الأوروبي من الهيمنة الألمانية إلى الرجوع قرنًا إلى الوراء؛ فالعقد الماضي يكفي. خلال الأزمة المالية الأوروبية في العقد الثاني من الألفية، غرقت عدة دول في الديون واضطرت إلى طلب خطط إنقاذ من الاتحاد الأوروبي. وكان ذلك يعني عمليًا الحصول على موافقة ألمانيا، أكبر وأغنى اقتصاد في منطقة اليورو. لكن بدلًا من إظهار التضامن وتسخير ثروتها الهائلة لمساعدة هذه الدول بسخاء، ركّزت برلين على الانضباط المالي، وفرضت إجراءات تقشّف قاسية ضمن حزم الإنقاذ، ما أدى إلى بطالة بعشرات النقاط المئوية ومعاناة طويلة الأمد في الدول المدينة. وكانت الحكومة الألمانية شديدة القسوة بشكل خاص مع اليونان، إذ فرضت تخفيضات عميقة على برامج الرعاية الاجتماعية والخدمات العامة. وبلغت نسبة البطالة في البلاد نحو 30 في المئة عام 2013، وبحلول منتصف العقد، انكمش الناتج المحلي الإجمالي بمقدار الربع. ونتيجة لذلك، نما العداء الشعبي في اليونان تجاه برلين، وظهر ملصق شهير يصوّر المستشارة الألمانية آنذاك أنغيلا ميركل بزيّ نازي.

وإذا لم تتخذ ألمانيا خطوات لاحتواء انعدام الثقة وعدم الارتياح، فقد تعود المنافسة فعلًا إلى أوروبا. فبولندا، على سبيل المثال، قد تسعى إلى موازنة القوة العسكرية الألمانية عبر تعزيز تحالفها مع دول البلطيق والشمال الأوروبي والمملكة المتحدة ضمن «قوة التدخل المشتركة». وقد تنظر أيضًا في الانضمام إلى إطار «الشمال–البلطيق الثمانية»، الذي يضم الدنمارك وإستونيا وفنلندا وآيسلندا ولاتفيا وليتوانيا والنرويج والسويد. وفي كلتا الحالتين، قد تكون النتيجة تفكك الجهود الدفاعية الأوروبية المشتركة. أما باريس، فقد تُغرى بإعادة تأكيد دورها من خلال زيادة كبيرة في إنفاقها الدفاعي للحاق بألمانيا واحتوائها، رغم أزماتها المالية الداخلية. وقد تسعى كذلك إلى تعاون أوثق مع لندن لموازنة برلين.

وإذا انقسمت أوروبا وزعزعتها المنافسة الداخلية، فقد يُشلّ كل من الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. وقد ترى روسيا فرصة لاختبار التزام المادة الخامسة من ميثاق الناتو بالدفاع الجماعي، فضلًا عن مواصلة حربها في أوكرانيا. وقد تستغل الصين القارة اقتصاديًا، مهدِّدة قاعدتها الصناعية. وستكافح أوروبا للدفاع عن نفسها، لا سيما في غياب واشنطن. وإذا تحولت الولايات المتحدة نفسها إلى قوة معادية—كما توحي بذلك أحاديثها عن ضمّ غرينلاند—فسيصبح من الأسهل عليها التلاعب بالقارة. وبعبارة أخرى، ستغدو أوروبا المنقسمة أداة في لعبة القوى العظمى.​

عودة النزعة الانتقامية​

قد تصبح ألمانيا المهيمنة عسكريًا أكثر خطورة إذا بدأت قيادتها الوسطية في الداخل بفقدان السلطة—وهو احتمال واقعي. فرغم أن البلاد لن تشهد انتخابات وطنية قبل ثلاث سنوات، يتصدر حزب «البديل من أجل ألمانيا» (AfD) اليميني المتطرف استطلاعات الرأي على المستوى الوطني. ويتبنّى الحزب أيديولوجيا قومية متطرفة وغير ليبرالية ومتشككة في الاتحاد الأوروبي، ويميل إلى روسيا، ويعارض دعم أوكرانيا، ويسعى إلى التراجع عن اندماج ألمانيا الاقتصادي والعسكري بعد عام 1945 في الاتحاد الأوروبي والناتو، على الأقل بصيغتهما الحالية. ويرى القوة العسكرية أداة لتعظيم النفوذ الوطني ينبغي استخدامها حصريًا لخدمة برلين، ويطمح إلى إنشاء صناعة دفاعية ألمانية مستقلة تمامًا عن حلفاء البلاد التقليديين. وإذا وصل إلى السلطة الاتحادية، فقد يستخدم الجيش الألماني تمامًا كما خشيت تاتشر: لإسقاط القوة على جيران ألمانيا. وكما أطلقت واشنطن مؤخرًا مطالب كانت تُعدّ غير قابلة للتصوّر تجاه كندا وغرينلاند، قد يُقدم نظام ألماني تقوده AfD يومًا ما على المطالبة بأراضٍ فرنسية أو بولندية.

وتدرك أحزاب الوسط في ألمانيا مدى القلق الذي يثيره حزب AfD لدى الدول المجاورة، ولذلك سعت إلى عزله عبر تشكيل ائتلافات كبرى بين الوسطين اليميني واليساري لإبعاده عن السلطة الاتحادية. لكن سدّ الطريق أمام الحزب يزداد صعوبة عامًا بعد عام. فقد حصل على ثاني أكبر عدد من الأصوات في انتخابات عام 2025، وقد يتعزز موقعه أكثر بعد انتخابات الولايات في عام 2026، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى اقترابه من الأغلبية في ميكلنبورغ–فوربومرن وساكسونيا-أنهالت. وإذا فاز بأكبر كتلة في الانتخابات الوطنية المقبلة، فقد ينهار «الحاجز الوقائي».

وسيأتي رجوع النزعتين التعديلية والانتقامية تحت حكم AfD تدريجيًا، ثم فجأة. ففي خطوة أولى، قد يسمح حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، الذي لا يزال يعارض الحزب المتطرف، لـAfD بدعمه بشكل غير مباشر لقيادة حكومة أقلية محافظة. وسيستغل AfD مكانته الجديدة لتطبيع أيديولوجيته ودفعها إلى التيار السائد، وسيحاول ابتزاز الحكومة مهددًا بإسقاطها إذا لم تمرر سياساته. وقد يطالب بوقف دعم أوكرانيا، ويؤجج التوتر مع الجيران عبر إطلاق مطالب إقليمية بشأن أراضٍ كانت خاضعة للرايخ الألماني سابقًا، ولا سيما بعض الأقاليم الشرقية التي أصبحت جزءًا من بولندا (وروسيا) منذ عام 1945. وقد تؤكد حكومة الأقلية المحافظة أنها ستتعاون مع AfD فقط في قضايا محددة وأن المبادئ الأساسية للسياسة الخارجية والدفاعية ستظل ثابتة، لكن صعود الحزب سيؤدي على الأرجح إلى تآكل الثقة وتصاعد التوتر مع بقية أوروبا.

وفي سيناريو أخطر، قد يصبح AfD شريكًا رسميًا في ائتلاف حكومي، أو حتى قائده. وعندها سيدفع باتجاه فك ارتباط ألمانيا بالهياكل الغربية أو إضعافها من الداخل، كالسعي إلى إعادة تشكيل الاتحاد الأوروبي ليصبح «أوروبا الأمم» غير الليبرالية ومن دون اليورو عملة مشتركة، ما سيقوّض أسس السلام الاقتصادي التي استمرت ثمانية عقود، ويعيد مشكلات اقتصادية جسيمة، ويشعل صراعات سياسية داخل القارة. وقد ينسحب الحزب من الجهود المتبقية للناتو في مواجهة روسيا، ويفضّل استرضاء الكرملين، ويدفع لسحب اللواء الألماني من ليتوانيا. بل قد يسعى إلى خروج ألمانيا من الناتو، إلا إذا كان الحلف نفسه يقوده حينها بلد غير ليبرالي. كما قد يقوّض التعاون والمصالحة مع فرنسا والمملكة المتحدة، بما في ذلك تعليق معاهدة آخن ومعاهدة كنسينغتون، اللتين رفعتا التعاون الأمني الفرنسي–الألماني والبريطاني–الألماني إلى مستويات غير مسبوقة. وستخرج ألمانيا في هذه الحالة قوة قومية منفردة، عسكرية الطابع، ومهيمنة على أوروبا.

وردًا على ذلك، من المرجح أن تؤسس فرنسا وبولندا والمملكة المتحدة تحالفات موازِنة لاحتواء ألمانيا، حتى لو كانت تحكمها بدورها أحزاب يمينية. وقد تحذو دول أوروبية أخرى حذوها. وفي المقابل، ستبحث ألمانيا بقيادة AfD عن تحالفاتها الخاصة، مثل التقارب مع النمسا أو هنغاريا. وسيتلاشى فعليًا أي قدرة جماعية للقارة على الدفاع عن نفسها في وجه التهديدات الخارجية، ليعود الأوروبيون إلى صراعاتهم البينية—وهو بالضبط ما سعت الولايات المتحدة تاريخيًا إلى منعه.​

الأصفاد الذهبية​

ثمة طريق يتيح لبرلين توسيع قوتها العسكرية من دون إعادة أوروبا إلى عصر التنافس والصراع—حتى لو انتهى الأمر بحكم AfD. ويتمثل الحل في أن تقبل ألمانيا بما سمّاه المؤرخ تيموثي غارتون آش، في هذه المجلة قبل ثلاثة عقود، «الأصفاد الذهبية»: أي تقييد سيادتها من خلال اندماج أعمق مع جيرانها الأوروبيين.

وقد قبل قادة ألمان سابقون بهذه المقايضة. فقد دمج أديناور البوندسفير الجديد في حلف الناتو. ولتحقيق إعادة التوحيد، استبدل كول المارك الألماني باليورو، متنازلًا عن السيادة النقدية. وعلى قادة اليوم أن يحذوا حذوهم. ويمكنهم البدء بقبول الاقتراض الأوروبي المشترك واسع النطاق لتمويل الدفاع، بما يتيح للدول ذات الهوامش المالية الأضيق الإنفاق بسخاء من دون مراكمة ديون إضافية أو المخاطرة بخفض تصنيفها الائتماني—كما قد يحدث مع فرنسا. وتكاليف الاقتراض المجمّعة للاتحاد الأوروبي منخفضة نسبيًا، وبصفتها أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، تستطيع ألمانيا تحمّل دور الضامن الأخير. وسيؤدي ذلك إلى ترسيخ القوة العسكرية والصناعية الألمانية داخل أوروبا عبر تحميل برلين مسؤولية مالية عن تسليح القارة، وربما تعزيز صنع القرار المشترك في تحديد المشاريع والأولويات الدفاعية المموّلة عبر هذه السندات.

وينبغي لألمانيا أيضًا الدفع نحو مزيد من تكامل الصناعات الدفاعية الوطنية في أوروبا، بما في ذلك زيادة التعاون في مشاريعها بدلًا من الإنفاق أساسًا على الشركات المحلية. كما يتعين عليها تبنّي شركات دفاع أوروبية حقيقية على غرار «إيرباص»، التي أُنشئت كاتحاد صناعي أوروبي لمنافسة المصنعين الأميركيين. فهذه الإجراءات لا تحدّ فقط من مخاوف الهيمنة الألمانية عبر جعل قاعدة الدفاع الألمانية معتمدة على الآخرين، بل تزيد كذلك من الحجم والفعالية في مجمل التعزيز العسكري الأوروبي.

وأخيرًا، وعلى نحو أكثر طموحًا، ينبغي لألمانيا وحلفائها الأوروبيين التفكير في اندماج عسكري أعمق. فمع تراجع الدور الأميركي، ستحتاج أوروبا إلى صيغ وهياكل دفاعية خارج إطار الناتو. ورغم أن فكرة الجيش الأوروبي لا تزال بعيدة المنال في المستقبل المنظور، فإن دول القارة مضطرة إلى إنشاء تشكيلات عسكرية متعددة الجنسيات أكبر لردع روسيا. (ثمة أمثلة محدودة بالفعل، مثل اللواء الفرنسي–الألماني وبعض مجموعات القتال التابعة للاتحاد الأوروبي، لكنها لم تُنشر بعد). كما ينبغي إنشاء هياكل قيادة أوروبية تدمج البوندسفير بإحكام مع جيوش أخرى، وتوفّر بديلًا عن هياكل الناتو في أوقات التوتر عبر الأطلسي. وسيؤدي هذا الاندماج العسكري الأعمق إلى تقييد القوة الألمانية عبر إخضاعها لقرارات جماعية، كما سيشكّل ضمانة في حال تولّي AfD الحكم، إذ سيجعل من شبه المستحيل فكّ ارتباط الجيش الألماني بالمبادرات المشتركة من دون اتخاذ خطوات جذرية وغير شعبية، مثل الخروج من الاتحاد الأوروبي أو مؤسسات التعاون الأوروبية الأخرى. وقد تشكّل «تحالفات الراغبين» التي اقترحها مسؤولون أوروبيون لنشرها في أوكرانيا بعد تسوية سلمية تجربة أولية في هذا الاتجاه.

وينبغي لمخاطر تفكك القارة أن تدفع واشنطن إلى إعادة التفكير في الانسحاب—ولا سيما في دعم AfD. فإذا عادت أوروبا إلى منافسة القوى الكبرى، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة في نهاية المطاف إلى استثمار موارد أكبر بكثير في القارة لمنع انزلاقها إلى الصراع، وهو تحديدًا ما يسعى البيت الأبيض إلى تجنبه.

ومع ذلك، فإن أوروبا غير محكوم عليها بعدم الاستقرار والانقسام، حتى في عصر تراجع الانخراط الأميركي. فقد تعلّمت الدول الأوروبية خلال العقود الثمانية الماضية الاندماج والتعاون بطرق كان يُنظر إليها سابقًا على أنها ضرب من الخيال. بل إن الانسجام القاري اليوم، بفضل الغزو الروسي، أعلى مما كان عليه في أي وقت مضى. وتمتلك أوروبا وسائل عديدة لتجنّب معضلة أمنية تتمحور حول ألمانيا مهيمنة. وقد يسهم الضغط القاسي القادم من واشنطن في توحيد القارة أكثر وصياغة هوية أوروبية أقوى. غير أن تحقيق هذه النتيجة الإيجابية يتطلب قدرًا كبيرًا من ضبط النفس، وبُعد النظر، وقليلًا من الحظ. وعلى قادة القارة أن يعملوا جاهدين لبلوغها، فالمخاطر جسيمة—والبديل لا يُحتمل.​
 
عودة
أعلى