يرى المقال الذي كُتب بقلم أودري وونغ في مجلة Foreign Affairs أن التحول الحاد في السياسة الاقتصادية الخارجية الأميركية مع بدء إدارة ترامب الثانية—من فرض الرسوم على الحلفاء والخصوم وتقليص المساعدات ورفض العمل متعدد الأطراف—خلق فراغًا تستغله الصين لتوسيع نفوذها الاقتصادي عالميًا. فبكين تستفيد من “نعمة مزدوجة”: ازدياد جاذبية عروضها كشريك بديل عن واشنطن، وتزايد قابلية استخدام أدوات الإكراه الاقتصادي مثل ضوابط التصدير (خصوصًا المعادن النادرة) بطريقة أكثر رسمية ودهاء، مع الإبقاء على الغموض والمرونة لتسهيل التفاوض والتراجع عند الحاجة. بالتوازي، تعرض الصين “جزرات” عبر مبادرات تنموية وتمويلات استراتيجية ومشاريع بنية تحتية رقمية وخضراء (ضمن إعادة معايرة "الحزام والطريق") لربط الدول بسلاسل توريد تقودها الصين، مستفيدة من تفوق شركاتها في قطاعات مثل السيارات الكهربائية والمعادن الحرجة والاتصالات. ومع ذلك، يوضح المقال أن هذا المسار يواجه مقاومة متزايدة بسبب إغراق الأسواق بالسلع الرخيصة ومخاوف توطين الصناعة وقضايا العمل والبيئة (كما في البرازيل)، وأن ضغط واشنطن ينجح أحيانًا (كما في المكسيك)، لكنه غالبًا يدفع بعض الشركاء للانفتاح أكثر على بكين (كما في كندا). والخلاصة أن الصين لا تحتاج إلى “كمالية” في إدارة نفوذها الاقتصادي كي تنجح؛ يكفيها تفكيك تماسك التحالفات التي تقودها الولايات المتحدة وشراء الصمت أو تخفيف المعارضة لقضايا حساسة مثل شينجيانغ أو حتى تايوان، مستندة إلى مزيج محسوب من الحوافز والضغط.
China’s Economic Statecraft Is Working
مع بدء الإدارة الثانية لدونالد ترامب، شهدت السياسة الاقتصادية الخارجية الأميركية تحوّلًا دراماتيكيًا. فواشنطن تفرض تعريفات جمركية على الشركاء والخصوم على حدّ سواء، وتقلّص المساعدات الخارجية، وتعيد التفاوض على الاتفاقات التجارية بشكل هجومي، وترفض الدبلوماسية متعددة الأطراف. وبعبارة أخرى، تتصرف الولايات المتحدة كقوة متنمّرة. ومع ازدياد حذر الدول حول العالم من التعامل مع الولايات المتحدة، تتجه بشكل متزايد نحو منافسها الاقتصادي الرئيسي: الصين. ويُعد هذا التحول التجاري أحد عدة عوامل أسهمت في ارتفاع صادرات الصين عام 2025، وهو ما أفضى إلى فائض تجاري يقارب 1.2 تريليون دولار، بزيادة بلغت 20 في المئة.
في الواقع، شكّلت سياسات واشنطن نعمة مزدوجة لبكين. فلم تصبح العروض الاقتصادية الصينية أكثر جاذبية للشركاء الباحثين عن بديل للتعامل مع الولايات المتحدة فحسب، بل إن أساليب الضغط الأميركية جعلت لجوء الصين إلى الإكراه الاقتصادي أكثر قبولًا. صحيح أن الاستخدام المتزايد لبكين لضوابط التصدير، وإغراقها الأسواق الخارجية بالسلع الرخيصة، لا يزال يثير القلق لدى كثير من الدول التي تسعى الصين إلى التعامل معها، غير أن سجلها في إدارة القوة الاقتصادية لا يحتاج إلى أن يكون مثاليًا حتى يحقق النجاح. فالصين تعمل على صقل مقاربتها في الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تستخدم الاتفاقات متعددة الأطراف، ومشاريع التنمية، والتمويل الاستراتيجي للقطاعات الحيوية، لترسيخ موقع الدول الأخرى داخل سلاسل التوريد الصينية. قد لا تنجح بكين في جذب معظم هذه الدول بالكامل إلى فلكها، لكنها من خلال الجمع بين الحوافز الاقتصادية وأدوات الضغط قد تحصل على نفوذ كافٍ لتحقيق هدف مهم: تقليص حجم المعارضة العالمية لسياساتها الداخلية والخارجية.
في الواقع، شكّلت سياسات واشنطن نعمة مزدوجة لبكين. فلم تصبح العروض الاقتصادية الصينية أكثر جاذبية للشركاء الباحثين عن بديل للتعامل مع الولايات المتحدة فحسب، بل إن أساليب الضغط الأميركية جعلت لجوء الصين إلى الإكراه الاقتصادي أكثر قبولًا. صحيح أن الاستخدام المتزايد لبكين لضوابط التصدير، وإغراقها الأسواق الخارجية بالسلع الرخيصة، لا يزال يثير القلق لدى كثير من الدول التي تسعى الصين إلى التعامل معها، غير أن سجلها في إدارة القوة الاقتصادية لا يحتاج إلى أن يكون مثاليًا حتى يحقق النجاح. فالصين تعمل على صقل مقاربتها في الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تستخدم الاتفاقات متعددة الأطراف، ومشاريع التنمية، والتمويل الاستراتيجي للقطاعات الحيوية، لترسيخ موقع الدول الأخرى داخل سلاسل التوريد الصينية. قد لا تنجح بكين في جذب معظم هذه الدول بالكامل إلى فلكها، لكنها من خلال الجمع بين الحوافز الاقتصادية وأدوات الضغط قد تحصل على نفوذ كافٍ لتحقيق هدف مهم: تقليص حجم المعارضة العالمية لسياساتها الداخلية والخارجية.
الضبط الدقيق
على مدى العقدين الماضيين، فرضت بكين العقوبات في الغالب بطريقة غير رسمية وارتجالية. فقد تجنبت إطلاق التهديدات العلنية، وكثيرًا ما أنكرت تورط الدولة أو الدوافع السياسية الكامنة وراء إجراءات الإكراه الاقتصادي، التي شملت قيودًا تجارية متنكرة في صورة تطبيقات تقنية أو لوائح للسلامة الغذائية، أو حملات مقاطعة يُفترض أنها نابعة من قومية المستهلكين الصينيين. غير أن الصين، خلال السنوات القليلة الماضية، أخذت تطوّر هذا النهج. فقد عملت على بناء أطر قانونية جديدة، واستخدمت عقوبات رسمية أكثر تطورًا للدفاع عن مصالحها الاقتصادية والأمنية، مستعيرة تكتيكات استخدمتها الولايات المتحدة وشركاؤها لسنوات طويلة. ولم تتردد بكين في التصعيد أيضًا. ففي أكتوبر، على سبيل المثال، أعلنت الصين ضوابط إضافية على صادرات المعادن النادرة، تشترط على الشركات الأجنبية الحصول على موافقة حكومية صينية قبل تصدير منتجات ومعدات تحتوي حتى على كميات ضئيلة للغاية من عناصر نادرة ذات منشأ صيني. وقد بدت هذه القيود مشابهة إلى حد لافت للضوابط الأميركية على أشباه الموصلات وقاعدة «المنتج الأجنبي المباشر»، التي توسّع نطاق قيود التصدير الأميركية ليشمل أي منتج يُصنّع في الخارج باستخدام تكنولوجيا أميركية. ورغم أن الصين فرضت قيودًا على المعادن النادرة من قبل، فإن الإجراءات الجديدة تُعد الأوسع حتى الآن، إذ تستهدف سلاسل التوريد العالمية بأكملها، وتشدّد قبضة بكين على قطاع تهيمن عليه أصلًا شركات التعدين والتكرير والتصنيع الصينية.
ولا يمثّل استخدام ضوابط التصدير تحولًا جذريًا كاملًا في استراتيجية الصين الإكراهية. فهذه العقوبات لا تزال محدودة نسبيًا من حيث النطاق، وتستخدمها بكين أساسًا ردًا على التعريفات والقيود الأميركية على الصادرات، أو لمعاقبة دول أخرى بسبب دعمها لتايوان. كما تحتفظ هذه العقوبات بـ«الخصائص الصينية»: إذ غالبًا ما تبني بكين قدرًا من الغموض والمرونة لإرباك تصورات الآخرين بشأن نواياها، وإتاحة مخرج للتخفيف من التصعيد، كما فعلت حين شددت ثم خففت قيود تصدير المعادن النادرة خلال الأشهر الماضية، مولّدة حالة من عدم اليقين، إلى جانب رغبة لدى الدول المستهدفة في التفاوض لرفع العقوبات. كذلك لم تتخلّ الصين عن عادتها في إنكار تورط الدولة في ممارسات الإكراه. فبعدما صرّحت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكاييتشي في نوفمبر بأن اليابان قد ترد عسكريًا على استخدام الصين للقوة ضد تايوان، أصدرت بكين تحذيرات سفر للمواطنين الصينيين المتوجهين إلى اليابان بذريعة المخاوف الأمنية، وأعادت فرض حظر على واردات المأكولات البحرية اليابانية، مشيرة إلى تلوّثها.
وإلى جانب شحذ بعض أدوات الضغط، ولا سيما تلك المستخدمة ضد الولايات المتحدة وحلفائها المقربين، بدأت الصين أيضًا بعرض مزيد من الحوافز، مجددة حملة استمالة تستهدف جزءًا كبيرًا من بقية دول العالم. وفي ذلك، تستثمر بكين فرصة أتاحتها لها إدارة ترامب: فبينما تنتهج الولايات المتحدة مقاربة أنانية صريحة في الانخراط الاقتصادي، تركز فيها على الاستثمار في القطاعات الاستخراجية وتلغي مشاريع التنمية والمساعدات الإنسانية، تحاول الصين تقديم نفسها بوصفها فاعلًا عالميًا داعمًا ومتعاونًا.
وخلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر، على سبيل المثال، ألقى رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ خطابًا جديدًا يروّج فيه لمبادرة التنمية العالمية التي أُطلقت عام 2021. وربط لي المبادرة بمجموعة من برامج التمويل والجهود التعاونية التي تقودها الصين لتوسيع اعتماد الذكاء الاصطناعي وزيادة الوصول إلى الطاقة النظيفة، ولا سيما في دول الجنوب العالمي. وقد وصفت بكين هذه المبادرة بأنها وسيلة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة لعام 2030، ودمجتها داخل منظومة الأمم المتحدة نفسها، ما منحها شرعية دولية وظهورًا أوسع، وامتد هذا الغطاء الشرعي إلى كثير من أنشطة الصين الاقتصادية الخارجية، بما في ذلك مشاريعها «الصغيرة لكنها جميلة» في البنية التحتية الرقمية والخضراء. ويأتي هذا التركيز الجديد على المشاريع الأصغر حجمًا والتعاونية في إطار جهود بكين خلال السنوات الأخيرة لإعادة تسويق وإعادة معايرة مبادرة الحزام والطريق، البرنامج الطموح للبنية التحتية العالمية الذي أطلقته الصين قبل أكثر من عقد، بعد أن واجهت انتقادات في الدول الشريكة تتعلق بالفساد وتضخيم كلفة المشاريع.
وتجعل القوة الاقتصادية الصينية عروضها صعبة الرفض بالنسبة لكثير من الدول. ففي قطاعات استراتيجية مثل السيارات الكهربائية والمعادن الحرجة، تفوقت الشركات الصينية—غالبًا بدعم من إعانات حكومية وسلاسل توريد محلية متكاملة رأسيًا—على نظيراتها الأجنبية، ما منحها موطئ قدم مهيمنًا في الخارج. فعلى سبيل المثال، أصبحت شركة هواوي المزود المفضل للبنية التحتية للاتصالات في العديد من الدول النامية. كما تسعى الحكومات الأجنبية نفسها إلى اجتذاب الاستثمارات والتمويل الصيني المتاح بسهولة، بوصفه وسيلة لتحقيق طموحاتها الاقتصادية المحلية والارتقاء في سلاسل القيمة. فتايلاند، التي كانت لفترة طويلة رائدة إقليميًا في صناعة السيارات، بدأت عام 2022 تقديم إعانات وإعفاءات ضريبية لاستقطاب مصنّعي السيارات الكهربائية الصينيين، ونجحت مؤخرًا في تأمين استثمارات تفوق مليار دولار من شركتي BYD وتشانغان أوتوموبيل لإنشاء مصنعين جديدين. ومع تصاعد المنافسة من الشركات الصينية، أغلقت شركات السيارات اليابانية في عامي 2024 و2025 أربعة مصانع كانت تعمل في تايلاند منذ سنوات طويلة.
ونتيجة لهذا الانخراط الصيني المتزايد خلال العقدين الماضيين، أصبحت دول كثيرة أكثر اندماجًا في سلاسل التوريد التي تقودها الصين. وقد باتت هذه الدول مقيدة بالتعامل مع بكين، حتى وإن كانت منفتحة سابقًا على بدائل أخرى. فإندونيسيا، على سبيل المثال، تعلن انفتاحها على جميع المستثمرين، غير أن الواقع هو أن الصين تهيمن على قطاع تعدين النيكل ومعالجته في البلاد. (وتُعد إندونيسيا أكبر منتج للنيكل في العالم، وهو معدن أساسي في بطاريات السيارات الكهربائية). ولم تأتِ هذه الهيمنة من فراغ. فاستجابةً لسلسلة من السياسات الإندونيسية الرامية إلى تعزيز المعالجة المحلية ذات القيمة المضافة—بما في ذلك قانون التعدين لعام 2009 الذي ألزم الشركات الأجنبية بالتخارج لضمان ملكية محلية أغلبية، إضافة إلى حظر تصدير خام النيكل عام 2020—قامت شركات تعدين أميركية وأسترالية وأوروبية ويابانية ببيع أصولها والتخلي عن خطط بناء مصانع. في المقابل، استثمرت الشركات الصينية بقوة في صناعة النيكل الإندونيسية، بما في ذلك إنشاء مجمعات صناعية ومصاهر. ووفقًا لمؤشر الاستثمار العالمي الصيني الصادر عن معهد أميركان إنتربرايز، أصبحت إندونيسيا خلال السنوات الأخيرة من أبرز متلقي الاستثمارات الصينية. ورغم استياء المواطنين الإندونيسيين من ظروف العمل والأضرار البيئية الناجمة عن المنشآت الصينية، فإنهم لا يملكون بديلًا عمليًا، إذ بات الحضور الصيني واسعًا للغاية. كما أن حجم هذا الحضور يضمن استمرار الصين لاعبًا مهيمنًا في الصناعات المرتبطة، مع سعي إندونيسيا إلى الارتقاء في سلسلة القيمة الخاصة بإنتاج بطاريات السيارات الكهربائية.
وتُسهم العلاقات الوثيقة بين الدولة وقطاع الأعمال في ترسيخ النفوذ الصيني أكثر. إذ يمتلك العديد من النخب الإندونيسية—بمن فيهم بعض صناع القرار الرئيسيين في السياسات الخارجية والاقتصادية—حصصًا مالية في قطاعات التعدين والمعالجة، وبالتالي يجنون مكاسب شخصية من الاستثمارات في هذه الصناعات. ونتيجة لذلك، تُظهر القيادة الإندونيسية قدرًا من المهادنة السياسية تجاه بكين، رغم وجود تيار قوي من المشاعر المعادية للصين داخل المجتمع. ففي حين دافعت إندونيسيا، أكبر دولة ذات أغلبية مسلمة في العالم، عن قيام الدولة الفلسطينية وتحدثت عن الكارثة الإنسانية في غزة، فإنها—إلى جانب عدد من الدول ذات الأغلبية المسلمة—صوّتت ضد مناقشة الانتهاكات الصينية بحق مسلمي الإيغور في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عام 2022. كما واصلت الشركات الإندونيسية تعميق علاقاتها التجارية مع إقليم شينجيانغ، بما في ذلك التعاون مع «فيلق شينجيانغ للإنتاج والبناء»، وهو كيان شبه عسكري مملوك للدولة خاضع لعقوبات من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا بسبب مزاعم تورطه في انتهاكات لحقوق الإنسان.
ولا يمثّل استخدام ضوابط التصدير تحولًا جذريًا كاملًا في استراتيجية الصين الإكراهية. فهذه العقوبات لا تزال محدودة نسبيًا من حيث النطاق، وتستخدمها بكين أساسًا ردًا على التعريفات والقيود الأميركية على الصادرات، أو لمعاقبة دول أخرى بسبب دعمها لتايوان. كما تحتفظ هذه العقوبات بـ«الخصائص الصينية»: إذ غالبًا ما تبني بكين قدرًا من الغموض والمرونة لإرباك تصورات الآخرين بشأن نواياها، وإتاحة مخرج للتخفيف من التصعيد، كما فعلت حين شددت ثم خففت قيود تصدير المعادن النادرة خلال الأشهر الماضية، مولّدة حالة من عدم اليقين، إلى جانب رغبة لدى الدول المستهدفة في التفاوض لرفع العقوبات. كذلك لم تتخلّ الصين عن عادتها في إنكار تورط الدولة في ممارسات الإكراه. فبعدما صرّحت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكاييتشي في نوفمبر بأن اليابان قد ترد عسكريًا على استخدام الصين للقوة ضد تايوان، أصدرت بكين تحذيرات سفر للمواطنين الصينيين المتوجهين إلى اليابان بذريعة المخاوف الأمنية، وأعادت فرض حظر على واردات المأكولات البحرية اليابانية، مشيرة إلى تلوّثها.
وإلى جانب شحذ بعض أدوات الضغط، ولا سيما تلك المستخدمة ضد الولايات المتحدة وحلفائها المقربين، بدأت الصين أيضًا بعرض مزيد من الحوافز، مجددة حملة استمالة تستهدف جزءًا كبيرًا من بقية دول العالم. وفي ذلك، تستثمر بكين فرصة أتاحتها لها إدارة ترامب: فبينما تنتهج الولايات المتحدة مقاربة أنانية صريحة في الانخراط الاقتصادي، تركز فيها على الاستثمار في القطاعات الاستخراجية وتلغي مشاريع التنمية والمساعدات الإنسانية، تحاول الصين تقديم نفسها بوصفها فاعلًا عالميًا داعمًا ومتعاونًا.
وخلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر، على سبيل المثال، ألقى رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ خطابًا جديدًا يروّج فيه لمبادرة التنمية العالمية التي أُطلقت عام 2021. وربط لي المبادرة بمجموعة من برامج التمويل والجهود التعاونية التي تقودها الصين لتوسيع اعتماد الذكاء الاصطناعي وزيادة الوصول إلى الطاقة النظيفة، ولا سيما في دول الجنوب العالمي. وقد وصفت بكين هذه المبادرة بأنها وسيلة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة لعام 2030، ودمجتها داخل منظومة الأمم المتحدة نفسها، ما منحها شرعية دولية وظهورًا أوسع، وامتد هذا الغطاء الشرعي إلى كثير من أنشطة الصين الاقتصادية الخارجية، بما في ذلك مشاريعها «الصغيرة لكنها جميلة» في البنية التحتية الرقمية والخضراء. ويأتي هذا التركيز الجديد على المشاريع الأصغر حجمًا والتعاونية في إطار جهود بكين خلال السنوات الأخيرة لإعادة تسويق وإعادة معايرة مبادرة الحزام والطريق، البرنامج الطموح للبنية التحتية العالمية الذي أطلقته الصين قبل أكثر من عقد، بعد أن واجهت انتقادات في الدول الشريكة تتعلق بالفساد وتضخيم كلفة المشاريع.
وتجعل القوة الاقتصادية الصينية عروضها صعبة الرفض بالنسبة لكثير من الدول. ففي قطاعات استراتيجية مثل السيارات الكهربائية والمعادن الحرجة، تفوقت الشركات الصينية—غالبًا بدعم من إعانات حكومية وسلاسل توريد محلية متكاملة رأسيًا—على نظيراتها الأجنبية، ما منحها موطئ قدم مهيمنًا في الخارج. فعلى سبيل المثال، أصبحت شركة هواوي المزود المفضل للبنية التحتية للاتصالات في العديد من الدول النامية. كما تسعى الحكومات الأجنبية نفسها إلى اجتذاب الاستثمارات والتمويل الصيني المتاح بسهولة، بوصفه وسيلة لتحقيق طموحاتها الاقتصادية المحلية والارتقاء في سلاسل القيمة. فتايلاند، التي كانت لفترة طويلة رائدة إقليميًا في صناعة السيارات، بدأت عام 2022 تقديم إعانات وإعفاءات ضريبية لاستقطاب مصنّعي السيارات الكهربائية الصينيين، ونجحت مؤخرًا في تأمين استثمارات تفوق مليار دولار من شركتي BYD وتشانغان أوتوموبيل لإنشاء مصنعين جديدين. ومع تصاعد المنافسة من الشركات الصينية، أغلقت شركات السيارات اليابانية في عامي 2024 و2025 أربعة مصانع كانت تعمل في تايلاند منذ سنوات طويلة.
ونتيجة لهذا الانخراط الصيني المتزايد خلال العقدين الماضيين، أصبحت دول كثيرة أكثر اندماجًا في سلاسل التوريد التي تقودها الصين. وقد باتت هذه الدول مقيدة بالتعامل مع بكين، حتى وإن كانت منفتحة سابقًا على بدائل أخرى. فإندونيسيا، على سبيل المثال، تعلن انفتاحها على جميع المستثمرين، غير أن الواقع هو أن الصين تهيمن على قطاع تعدين النيكل ومعالجته في البلاد. (وتُعد إندونيسيا أكبر منتج للنيكل في العالم، وهو معدن أساسي في بطاريات السيارات الكهربائية). ولم تأتِ هذه الهيمنة من فراغ. فاستجابةً لسلسلة من السياسات الإندونيسية الرامية إلى تعزيز المعالجة المحلية ذات القيمة المضافة—بما في ذلك قانون التعدين لعام 2009 الذي ألزم الشركات الأجنبية بالتخارج لضمان ملكية محلية أغلبية، إضافة إلى حظر تصدير خام النيكل عام 2020—قامت شركات تعدين أميركية وأسترالية وأوروبية ويابانية ببيع أصولها والتخلي عن خطط بناء مصانع. في المقابل، استثمرت الشركات الصينية بقوة في صناعة النيكل الإندونيسية، بما في ذلك إنشاء مجمعات صناعية ومصاهر. ووفقًا لمؤشر الاستثمار العالمي الصيني الصادر عن معهد أميركان إنتربرايز، أصبحت إندونيسيا خلال السنوات الأخيرة من أبرز متلقي الاستثمارات الصينية. ورغم استياء المواطنين الإندونيسيين من ظروف العمل والأضرار البيئية الناجمة عن المنشآت الصينية، فإنهم لا يملكون بديلًا عمليًا، إذ بات الحضور الصيني واسعًا للغاية. كما أن حجم هذا الحضور يضمن استمرار الصين لاعبًا مهيمنًا في الصناعات المرتبطة، مع سعي إندونيسيا إلى الارتقاء في سلسلة القيمة الخاصة بإنتاج بطاريات السيارات الكهربائية.
وتُسهم العلاقات الوثيقة بين الدولة وقطاع الأعمال في ترسيخ النفوذ الصيني أكثر. إذ يمتلك العديد من النخب الإندونيسية—بمن فيهم بعض صناع القرار الرئيسيين في السياسات الخارجية والاقتصادية—حصصًا مالية في قطاعات التعدين والمعالجة، وبالتالي يجنون مكاسب شخصية من الاستثمارات في هذه الصناعات. ونتيجة لذلك، تُظهر القيادة الإندونيسية قدرًا من المهادنة السياسية تجاه بكين، رغم وجود تيار قوي من المشاعر المعادية للصين داخل المجتمع. ففي حين دافعت إندونيسيا، أكبر دولة ذات أغلبية مسلمة في العالم، عن قيام الدولة الفلسطينية وتحدثت عن الكارثة الإنسانية في غزة، فإنها—إلى جانب عدد من الدول ذات الأغلبية المسلمة—صوّتت ضد مناقشة الانتهاكات الصينية بحق مسلمي الإيغور في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عام 2022. كما واصلت الشركات الإندونيسية تعميق علاقاتها التجارية مع إقليم شينجيانغ، بما في ذلك التعاون مع «فيلق شينجيانغ للإنتاج والبناء»، وهو كيان شبه عسكري مملوك للدولة خاضع لعقوبات من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا بسبب مزاعم تورطه في انتهاكات لحقوق الإنسان.
مطبات في الطريق
إن مسار الصين نحو نفوذ اقتصادي أكبر لا يخلو من العقبات. فلا تزال دول كثيرة تشعر بالقلق من تدفّق السلع الصينية منخفضة الكلفة إلى أسواقها، وهي مشكلة بدأت منذ منتصف العقد الثاني من الألفية لكنها تفاقمت مع دفع التعريفات الأميركية الصينَ إلى توجيه سلع كانت مخصصة للسوق الأميركية إلى وجهات أخرى، ما أسهم في تسجيل فائضها التجاري القياسي العام الماضي. وتأمل بكين أن يُسهم الحجم الكبير من الصادرات—التي تتراوح من المنسوجات إلى الطرود الاستهلاكية الصغيرة وصولًا إلى السيارات الكهربائية—في إنعاش اقتصادها المتباطئ وتعويض ضعف الاستهلاك المحلي. غير أن هذه السلع الرخيصة تُهدد، بالنسبة للدول الساعية إلى بناء قدراتها التصنيعية، بإزاحة الصناعات الناشئة. قد تكون الحكومات حول العالم متحمسة للتجارة والاستثمار الصينيين، لكنها لا تريد الاكتفاء باستيراد المنتجات الصينية. لذلك، أقرّ كثير منها سياسات لحماية الصناعات المحلية وإعطاء الأولوية للاستثمار الذي يدعم التصنيع المحلي، ويخلق فرص عمل، ويحقق نموًا ذا قيمة مضافة.
في البرازيل، على سبيل المثال، شهدت مبيعات السيارات الكهربائية والهجينة الصينية قفزة كبيرة خلال السنوات القليلة الماضية. فقد ارتفعت الواردات بنحو مئة ألف سيارة بين عامي 2023 و2024، ليصل إجمالي الواردات إلى 138 ألف سيارة، واستحوذ مصنعو السيارات الصينيون على 89 في المئة من السيارات الكهربائية المباعة في البرازيل خلال النصف الأول من عام 2024. وليس من المستغرب أن تبادر شركات السيارات المحلية والتقليدية إلى الرد، من خلال تكليف دراسة لمكافحة الإغراق والضغط على الحكومة البرازيلية لإلغاء الإعفاءات الجمركية الممنوحة للشركات الصينية. واستجابة لذلك، رفعت الحكومة البرازيلية تدريجيًا الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية المستوردة منذ عام 2024. ومع ذلك، افتتحت شركة BYD الصينية في أكتوبر مصنعًا بقيمة مليار دولار—وهو أكبر منشأة لها خارج آسيا—في ولاية باهيا شمال شرقي البرازيل، وعلى موقع مصنع سابق لشركة فورد أُغلق من قبل. كما تعمل شركات سيارات صينية أخرى على توسيع عمليات التجميع في البرازيل.
غير أن هذه الاستثمارات تخضع لتدقيق بشأن مدى قدرتها على خلق نمو ذي قيمة عالية فعلية، نظرًا لاستمرار استيراد المكونات من الصين، وكذلك بسبب شبهات الانتهاكات القانونية. فالمصنع الجديد لشركة BYD في باهيا، على سبيل المثال، كان محور جدل واسع في البرازيل. إذ أُوقف البناء في أواخر عام 2024 بعد أن وجد مفتشون برازيليون أن العمال الصينيين يعملون في بيئة «مهينة»، وبدأ المدّعون العامون البرازيليون بمقاضاة الشركة بتهمة خلق ظروف عمل «تشبه العبودية». وتُعد ردود الفعل المحلية عاملًا حاسمًا في نجاح الاستثمارات والمشاريع الاقتصادية الصينية. فإذا أبدت الشركات الصينية استعدادًا لمعالجة المخاوف المحلية، سيكون من الأسهل على الصين توسيع بصمتها الاقتصادية في البرازيل وغيرها. كما سيمكنها الإبقاء على كثير من الدول مندمجة في سلاسل التوريد الصينية—حتى في الوقت الذي تضغط فيه واشنطن على تلك الدول نفسها للانضمام إلى سلاسل إنتاج عالمية تستبعد الشركات والمورّدين الصينيين. وبالطبع، ستنجح الضغوط الأميركية أحيانًا. فالمكسيك، وهي أكبر مشترٍ للسيارات الصينية لكنها ترتبط اقتصاديًا بالولايات المتحدة أكثر بكثير من ارتباطها بالصين، رفضت خطط BYD لبناء مصنع وفرضت تعريفة بنسبة 50 في المئة على السيارات الصينية، دخلت حيّز التنفيذ هذا الشهر، في إطار سياسة لتعزيز التصنيع المحلي.
لكن في حالات أخرى، مكّنت تعريفات ترامب الصين من تحقيق اختراقات لدى شركاء الولايات المتحدة—وأحيانًا عبر اللعب على تناقضاتهم. فعندما حذت كندا حذو الولايات المتحدة بفرض تعريفة بنسبة 100 في المئة على السيارات الكهربائية الصينية، ردّت بكين بفرض رسوم انتقامية على زيت الكانولا الكندي، واتجهت إلى مورّدين أستراليين كانوا محرومين من السوق الصينية منذ عام 2020 بذريعة مخالفات صحية. وردّت كندا بتحرّك دبلوماسي رفيع المستوى تجاه الصين، في تحوّل لافت بعد سنوات من العلاقات المتوترة. وأشار رئيس الوزراء الكندي إلى أن التعريفات الأميركية العقابية كانت جزءًا من الدافع. وخلال زيارته إلى بكين في يناير، وافقت الصين على خفض تعريفاتها على منتجات الكانولا الكندية، ووافقت كندا على السماح باستيراد السيارات الكهربائية الصينية. ومن المرجّح أن تؤدي أساليب التنمّر المستمرة من واشنطن إلى دفع كندا ودول أخرى أقرب إلى بكين. وهي، بالتأكيد، تُقوّض أي محاولة أميركية لتنسيق الجهود مع الحلفاء لمواجهة النفوذ الصيني. فقد تطلّب الأمر ضغطًا أميركيًا مستدامًا لحشد الشركاء خلف ضوابط تصدير أشباه الموصلات، ولإقناع دول مثل المملكة المتحدة باستبعاد شركة هواوي الصينية من شبكات الجيل الخامس. أما السياسات المتقلبة فستجعل مثل هذه المساعي الأميركية أقل إقناعًا.
في البرازيل، على سبيل المثال، شهدت مبيعات السيارات الكهربائية والهجينة الصينية قفزة كبيرة خلال السنوات القليلة الماضية. فقد ارتفعت الواردات بنحو مئة ألف سيارة بين عامي 2023 و2024، ليصل إجمالي الواردات إلى 138 ألف سيارة، واستحوذ مصنعو السيارات الصينيون على 89 في المئة من السيارات الكهربائية المباعة في البرازيل خلال النصف الأول من عام 2024. وليس من المستغرب أن تبادر شركات السيارات المحلية والتقليدية إلى الرد، من خلال تكليف دراسة لمكافحة الإغراق والضغط على الحكومة البرازيلية لإلغاء الإعفاءات الجمركية الممنوحة للشركات الصينية. واستجابة لذلك، رفعت الحكومة البرازيلية تدريجيًا الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية المستوردة منذ عام 2024. ومع ذلك، افتتحت شركة BYD الصينية في أكتوبر مصنعًا بقيمة مليار دولار—وهو أكبر منشأة لها خارج آسيا—في ولاية باهيا شمال شرقي البرازيل، وعلى موقع مصنع سابق لشركة فورد أُغلق من قبل. كما تعمل شركات سيارات صينية أخرى على توسيع عمليات التجميع في البرازيل.
غير أن هذه الاستثمارات تخضع لتدقيق بشأن مدى قدرتها على خلق نمو ذي قيمة عالية فعلية، نظرًا لاستمرار استيراد المكونات من الصين، وكذلك بسبب شبهات الانتهاكات القانونية. فالمصنع الجديد لشركة BYD في باهيا، على سبيل المثال، كان محور جدل واسع في البرازيل. إذ أُوقف البناء في أواخر عام 2024 بعد أن وجد مفتشون برازيليون أن العمال الصينيين يعملون في بيئة «مهينة»، وبدأ المدّعون العامون البرازيليون بمقاضاة الشركة بتهمة خلق ظروف عمل «تشبه العبودية». وتُعد ردود الفعل المحلية عاملًا حاسمًا في نجاح الاستثمارات والمشاريع الاقتصادية الصينية. فإذا أبدت الشركات الصينية استعدادًا لمعالجة المخاوف المحلية، سيكون من الأسهل على الصين توسيع بصمتها الاقتصادية في البرازيل وغيرها. كما سيمكنها الإبقاء على كثير من الدول مندمجة في سلاسل التوريد الصينية—حتى في الوقت الذي تضغط فيه واشنطن على تلك الدول نفسها للانضمام إلى سلاسل إنتاج عالمية تستبعد الشركات والمورّدين الصينيين. وبالطبع، ستنجح الضغوط الأميركية أحيانًا. فالمكسيك، وهي أكبر مشترٍ للسيارات الصينية لكنها ترتبط اقتصاديًا بالولايات المتحدة أكثر بكثير من ارتباطها بالصين، رفضت خطط BYD لبناء مصنع وفرضت تعريفة بنسبة 50 في المئة على السيارات الصينية، دخلت حيّز التنفيذ هذا الشهر، في إطار سياسة لتعزيز التصنيع المحلي.
لكن في حالات أخرى، مكّنت تعريفات ترامب الصين من تحقيق اختراقات لدى شركاء الولايات المتحدة—وأحيانًا عبر اللعب على تناقضاتهم. فعندما حذت كندا حذو الولايات المتحدة بفرض تعريفة بنسبة 100 في المئة على السيارات الكهربائية الصينية، ردّت بكين بفرض رسوم انتقامية على زيت الكانولا الكندي، واتجهت إلى مورّدين أستراليين كانوا محرومين من السوق الصينية منذ عام 2020 بذريعة مخالفات صحية. وردّت كندا بتحرّك دبلوماسي رفيع المستوى تجاه الصين، في تحوّل لافت بعد سنوات من العلاقات المتوترة. وأشار رئيس الوزراء الكندي إلى أن التعريفات الأميركية العقابية كانت جزءًا من الدافع. وخلال زيارته إلى بكين في يناير، وافقت الصين على خفض تعريفاتها على منتجات الكانولا الكندية، ووافقت كندا على السماح باستيراد السيارات الكهربائية الصينية. ومن المرجّح أن تؤدي أساليب التنمّر المستمرة من واشنطن إلى دفع كندا ودول أخرى أقرب إلى بكين. وهي، بالتأكيد، تُقوّض أي محاولة أميركية لتنسيق الجهود مع الحلفاء لمواجهة النفوذ الصيني. فقد تطلّب الأمر ضغطًا أميركيًا مستدامًا لحشد الشركاء خلف ضوابط تصدير أشباه الموصلات، ولإقناع دول مثل المملكة المتحدة باستبعاد شركة هواوي الصينية من شبكات الجيل الخامس. أما السياسات المتقلبة فستجعل مثل هذه المساعي الأميركية أقل إقناعًا.
جيد بما يكفي
في الوقت الراهن، تستفيد الصين بسعادة من الفرصة التي أوجدتها الولايات المتحدة لتوسيع نطاق نفوذها الاقتصادي. فمع جعل التعريفات الأميركية بكين تبدو شريكًا تجاريًا أكثر موثوقية من واشنطن، تسعى الصين إلى إبرام صفقات جديدة: ففي أكتوبر، وقّعت اتفاقية مُحدّثة للتجارة الحرة مع دول رابطة أمم جنوب شرق آسيا، تهدف إلى توسيع التعاون في البنية التحتية الرقمية، والتنمية الخضراء، وربط سلاسل التوريد. ومع تراجع الصورة الإيجابية للولايات المتحدة عالميًا—إذ أظهر استطلاع لمجلة «الإيكونوميست» عام 2025 شمل 32 دولة أن تفضيل الولايات المتحدة بوصفها القوة العالمية الرائدة انخفض من 59 في المئة إلى 46 في المئة مقارنة بالعام السابق، في حين ارتفع تفضيل الصين إلى 33 في المئة، بزيادة قدرها 11 في المئة (بما في ذلك زيادات تقارب 20 في المئة في البرازيل وكندا وإندونيسيا)—من المرجّح أن تتراجع المخاوف من الإكراه الصيني، وأن تزداد الرغبة في قبول العروض الصينية. ويُضاف إلى ذلك أن الصين، أكثر بكثير من الولايات المتحدة، أتقنت الجمع بين إدارة النفوذ الاقتصادي والدعاية والدبلوماسية العامة. فبكين تسارع إلى نسب الفضل لنفسها عند نجاح الاستثمارات، وغالبًا ما تُوفد سفيرًا لحضور مراسم قصّ الشريط أو لكتابة مقالات رأي في الصحف المحلية، ما يجعل الروابط الاقتصادية مع الصين تبدو لا غنى عنها.
ولا تزال دول كثيرة بحاجة إلى الوصول إلى الاقتصاد الأميركي، وتريد حضورًا أمنيًا أميركيًا، كما تُظهر محاولاتها إبرام صفقات بشأن التعريفات مع إدارة ترامب. ولا تميل معظم الحكومات كليًا نحو الصين. فالكثير منها لا يزال متوجسًا من تصاعد الإكراه الصيني، ومن عدوانيته السياسية والعسكرية، ومن خطر الوقوع بين واشنطن وبكين. غير أن هذه المخاوف تتضاءل بفعل الأساليب الإكراهية التي تنتهجها الحكومة الأميركية نفسها.
أما ما أتقنته الصين على نحو خاص، فهو دقّ الأسافين بين الدول وداخلها، بما يقوّض التحالفات التي تقودها الولايات المتحدة. ففي جنوب شرق آسيا، عززت الصين علاقاتها مع كمبوديا، التي باتت تعمل وكيلًا لبكين لإضعاف الردود الإقليمية على التوغلات الصينية في الجزر والمناطق المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي. وفي أوروبا، استخدمت هنغاريا—التي تلقت 44 في المئة من الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني في الاتحاد الأوروبي عام 2023—حق النقض ضد بيانات أوروبية تنتقد الصين، وأيدت خطة بكين للسلام في أوكرانيا، وأقامت شراكة أمنية مع الصين. ولا ترقى العلاقات الاقتصادية لبكين إلى تشكيل تكتل تقوده الصين. لكن جاذبية سوقها ورأسمالها قد تكون كافية—وفي بعض الحالات كانت بالفعل كافية—لشراء الصمت حيال قضايا تهم الصين، بما في ذلك النزاعات الإقليمية أو انتهاكات حقوق الإنسان في شينجيانغ. وقد تكون كافية حتى لتخفيف حدة رد الفعل العالمي على غزو محتمل لتايوان. ففي نهاية المطاف، إن استعداد الصين لاستخدام كل من الحوافز وأدوات الضغط يدفع دولًا أخرى إلى تجنّب المواجهة وترك بكين تتابع مصالحها بقدر من الإفلات، في وقت تجد فيه الولايات المتحدة صعوبة متزايدة في حشد العالم للرد.
ولا تزال دول كثيرة بحاجة إلى الوصول إلى الاقتصاد الأميركي، وتريد حضورًا أمنيًا أميركيًا، كما تُظهر محاولاتها إبرام صفقات بشأن التعريفات مع إدارة ترامب. ولا تميل معظم الحكومات كليًا نحو الصين. فالكثير منها لا يزال متوجسًا من تصاعد الإكراه الصيني، ومن عدوانيته السياسية والعسكرية، ومن خطر الوقوع بين واشنطن وبكين. غير أن هذه المخاوف تتضاءل بفعل الأساليب الإكراهية التي تنتهجها الحكومة الأميركية نفسها.
أما ما أتقنته الصين على نحو خاص، فهو دقّ الأسافين بين الدول وداخلها، بما يقوّض التحالفات التي تقودها الولايات المتحدة. ففي جنوب شرق آسيا، عززت الصين علاقاتها مع كمبوديا، التي باتت تعمل وكيلًا لبكين لإضعاف الردود الإقليمية على التوغلات الصينية في الجزر والمناطق المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي. وفي أوروبا، استخدمت هنغاريا—التي تلقت 44 في المئة من الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني في الاتحاد الأوروبي عام 2023—حق النقض ضد بيانات أوروبية تنتقد الصين، وأيدت خطة بكين للسلام في أوكرانيا، وأقامت شراكة أمنية مع الصين. ولا ترقى العلاقات الاقتصادية لبكين إلى تشكيل تكتل تقوده الصين. لكن جاذبية سوقها ورأسمالها قد تكون كافية—وفي بعض الحالات كانت بالفعل كافية—لشراء الصمت حيال قضايا تهم الصين، بما في ذلك النزاعات الإقليمية أو انتهاكات حقوق الإنسان في شينجيانغ. وقد تكون كافية حتى لتخفيف حدة رد الفعل العالمي على غزو محتمل لتايوان. ففي نهاية المطاف، إن استعداد الصين لاستخدام كل من الحوافز وأدوات الضغط يدفع دولًا أخرى إلى تجنّب المواجهة وترك بكين تتابع مصالحها بقدر من الإفلات، في وقت تجد فيه الولايات المتحدة صعوبة متزايدة في حشد العالم للرد.
