تميل عقولنا بطبيعتها إلى التركيز على ما ينقصنا أكثر من التركيز على ما نملكه. فنحن نلاحظ الشيء الوحيد الذي سار بشكل خاطئ في يومنا، ونتجاهل عشرات الأشياء التي سارت على ما يرام. ونفكر في الوظيفة التي لم نحصل عليها، وننسى الوظيفة التي نعمل فيها. ونقارن أنفسنا بمن يملكون أكثر منا، ونغفل عن ملايين الناس الذين يتمنون ما نعتبره نحن أمرًا عاديًا. وهذا الميل ليس عيبًا أخلاقيًا، بل هو آلية قديمة ساعدت أجدادنا على البقاء برصد الأخطار. لكنه في حياتنا المعاصرة يحرمنا كثيرًا من السعادة والطمأنينة. وهنا يأتي الامتنان بوصفه ممارسة واعية تعيد التوازن إلى نظرتنا، وتفتح أعيننا على النعم التي تحيط بنا كل يوم.
ليس الامتنان مجرد كلمة شكر نقولها بحكم العادة أو الأدب، بل هو حالة ذهنية وقلبية عميقة، تقوم على إدراك الخير الموجود في حياتنا والاعتراف بأن مصدره غالبًا خارج أنفسنا، سواء كان من الله أو من الناس أو من الظروف. إنه أن تتوقف لحظة لتلاحظ دفء الشمس في صباح بارد، وطعم الخبز الساخن، وابتسامة طفلك، وصحة جسدك التي تمكنك من المشي والعمل، وسقفًا يحميك من المطر.
وقد حثت الأديان والثقافات المختلفة على هذه القيمة منذ القدم. ففي تراثنا، يحتل الشكر مكانة عظيمة، ويرتبط بزيادة النعم ودوامها. وفي الفلسفات القديمة، اعتبره كثير من الحكماء أم الفضائل وأساسها.
في العقدين الأخيرين، اهتم علماء النفس الإيجابي بدراسة أثر هذه الممارسة على الإنسان، وتوصلوا إلى نتائج لافتة. فقد وجدت دراسات أن الأشخاص الذين يمارسونها بانتظام، كأن يكتبوا كل أسبوع بعض الأشياء التي يشعرون بالشكر تجاهها، أفادوا بمستويات أعلى من التفاؤل والرضا عن حياتهم، مقارنة بمن كتبوا عن مضايقاتهم اليومية أو عن أحداث محايدة.
كما ربطت أبحاث بين الشكر وتحسن جودة النوم، وانخفاض أعراض التوتر والاكتئاب، وتقوية العلاقات الاجتماعية. فحين تعبر لشخص عن تقديرك لما فعله من أجلك، فإنك لا تسعده فقط، بل تقوي الرابطة بينكما وتشجعه على الاستمرار في العطاء. وتشير بعض الدراسات إلى أن الشاكرين أكثر ميلًا لمساعدة الآخرين والتعاطف معهم.
ومن الطريف أن تأثير الشكر يمتد إلى من يقدمه أكثر مما نتوقع. ففي إحدى التجارب، طُلب من المشاركين كتابة رسالة شكر لشخص أثر في حياتهم ثم تسليمها له بأنفسهم، فشهدوا ارتفاعًا ملحوظًا في مشاعر السعادة استمر لأسابيع بعد ذلك.
أبسط طريقة وأكثرها شيوعًا هي دفتر الشكر. خصص بضع دقائق كل مساء قبل النوم، واكتب ثلاثة أشياء تشعر بالامتنان لها في يومك. ولا يشترط أن تكون أمورًا كبيرة، فقد تكون كوب شاي استمتعت به، أو مكالمة من صديق قديم، أو مهمة أنجزتها بنجاح. والسر هنا أن تكون محددًا، فبدلًا من أن تكتب "عائلتي"، اكتب "الحديث الممتع مع أمي على العشاء اليوم". فالتفاصيل الدقيقة تجعل التجربة أكثر حيوية وتأثيرًا.
ومن الطرق الفعالة أيضًا أن تعبر عن شكرك للآخرين بشكل مباشر. أرسل رسالة لمعلم ترك أثرًا في حياتك، أو اشكر زميلك على مساعدته بكلمات صادقة، أو أخبر والديك بما تقدره فيهما. هذه اللفتات البسيطة تصنع فرقًا كبيرًا في حياة من تقدمها لهم، وفي حياتك أنت أيضًا.
وحاول أن تمارس الشكر حتى في الأوقات الصعبة. فحين تمر بأزمة، اسأل نفسك: ما الذي ما زلت أملكه رغم كل شيء؟ ومن يقف إلى جانبي؟ وما الدرس الذي يمكن أن أتعلمه؟ هذا لا يعني إنكار الألم أو التظاهر بأن كل شيء على ما يرام، بل يعني أن تبحث عن ضوء صغير في وسط الظلام يعينك على الاستمرار.
من أجمل ما يمكن أن تزرعه في بيتك أن تجعل الشكر جزءًا من ثقافة العائلة. ويمكن ذلك بطرق بسيطة، كأن يشارك كل فرد على مائدة العشاء شيئًا جميلًا حدث له في يومه، أو أن تعلّم أطفالك شكر من يقدم لهم خدمة مهما كانت صغيرة، كسائق الحافلة وعامل النظافة والبائع في المحل. وحين يرى الأطفال آباءهم يشكرون بعضهم بعضًا على الأعمال اليومية العادية، كإعداد الطعام وترتيب البيت والعمل لتأمين احتياجات الأسرة، فإنهم يتعلمون أن لا شيء في الحياة يجب أن يؤخذ على أنه أمر مفروغ منه. وهذه الثقافة تخلق جوًا من الدفء والتقدير يقلل من الخلافات ويقوي الروابط بين أفراد الأسرة، ويخرج أطفالًا أكثر سعادة ورضا وتعاطفًا مع الآخرين.
قد يظن البعض أن هذه الممارسة تعني التوقف عن الطموح أو القبول بالظلم أو الرضا بالواقع مهما كان سيئًا. لكن الحقيقة أنها لا تتعارض مع السعي إلى الأفضل، بل تمنحه أساسًا نفسيًا صحيًا. فالشخص الذي يسعى من منطلق الشكر يعمل بطمأنينة وحماس، بينما من يسعى من منطلق الشعور بالنقص والحرمان يعمل بقلق ولا يشعر بالرضا مهما حقق.
جرب هذه العادة لمدة شهر واحد فقط، وراقب كيف تتغير نظرتك إلى يومك وإلى من حولك. قد تكتشف أن السعادة التي تبحث عنها كانت أقرب إليك مما كنت تظن.
ما هي ثلاثة أشياء تشعر بالامتنان لها اليوم؟ شاركنا بها في الردود.
ما هو الامتنان حقًا؟
ليس الامتنان مجرد كلمة شكر نقولها بحكم العادة أو الأدب، بل هو حالة ذهنية وقلبية عميقة، تقوم على إدراك الخير الموجود في حياتنا والاعتراف بأن مصدره غالبًا خارج أنفسنا، سواء كان من الله أو من الناس أو من الظروف. إنه أن تتوقف لحظة لتلاحظ دفء الشمس في صباح بارد، وطعم الخبز الساخن، وابتسامة طفلك، وصحة جسدك التي تمكنك من المشي والعمل، وسقفًا يحميك من المطر.
وقد حثت الأديان والثقافات المختلفة على هذه القيمة منذ القدم. ففي تراثنا، يحتل الشكر مكانة عظيمة، ويرتبط بزيادة النعم ودوامها. وفي الفلسفات القديمة، اعتبره كثير من الحكماء أم الفضائل وأساسها.
ماذا يقول العلم عن الامتنان؟
في العقدين الأخيرين، اهتم علماء النفس الإيجابي بدراسة أثر هذه الممارسة على الإنسان، وتوصلوا إلى نتائج لافتة. فقد وجدت دراسات أن الأشخاص الذين يمارسونها بانتظام، كأن يكتبوا كل أسبوع بعض الأشياء التي يشعرون بالشكر تجاهها، أفادوا بمستويات أعلى من التفاؤل والرضا عن حياتهم، مقارنة بمن كتبوا عن مضايقاتهم اليومية أو عن أحداث محايدة.
كما ربطت أبحاث بين الشكر وتحسن جودة النوم، وانخفاض أعراض التوتر والاكتئاب، وتقوية العلاقات الاجتماعية. فحين تعبر لشخص عن تقديرك لما فعله من أجلك، فإنك لا تسعده فقط، بل تقوي الرابطة بينكما وتشجعه على الاستمرار في العطاء. وتشير بعض الدراسات إلى أن الشاكرين أكثر ميلًا لمساعدة الآخرين والتعاطف معهم.
ومن الطريف أن تأثير الشكر يمتد إلى من يقدمه أكثر مما نتوقع. ففي إحدى التجارب، طُلب من المشاركين كتابة رسالة شكر لشخص أثر في حياتهم ثم تسليمها له بأنفسهم، فشهدوا ارتفاعًا ملحوظًا في مشاعر السعادة استمر لأسابيع بعد ذلك.
كيف تجعل الامتنان عادة يومية؟
أبسط طريقة وأكثرها شيوعًا هي دفتر الشكر. خصص بضع دقائق كل مساء قبل النوم، واكتب ثلاثة أشياء تشعر بالامتنان لها في يومك. ولا يشترط أن تكون أمورًا كبيرة، فقد تكون كوب شاي استمتعت به، أو مكالمة من صديق قديم، أو مهمة أنجزتها بنجاح. والسر هنا أن تكون محددًا، فبدلًا من أن تكتب "عائلتي"، اكتب "الحديث الممتع مع أمي على العشاء اليوم". فالتفاصيل الدقيقة تجعل التجربة أكثر حيوية وتأثيرًا.
ومن الطرق الفعالة أيضًا أن تعبر عن شكرك للآخرين بشكل مباشر. أرسل رسالة لمعلم ترك أثرًا في حياتك، أو اشكر زميلك على مساعدته بكلمات صادقة، أو أخبر والديك بما تقدره فيهما. هذه اللفتات البسيطة تصنع فرقًا كبيرًا في حياة من تقدمها لهم، وفي حياتك أنت أيضًا.
وحاول أن تمارس الشكر حتى في الأوقات الصعبة. فحين تمر بأزمة، اسأل نفسك: ما الذي ما زلت أملكه رغم كل شيء؟ ومن يقف إلى جانبي؟ وما الدرس الذي يمكن أن أتعلمه؟ هذا لا يعني إنكار الألم أو التظاهر بأن كل شيء على ما يرام، بل يعني أن تبحث عن ضوء صغير في وسط الظلام يعينك على الاستمرار.
الامتنان داخل الأسرة
من أجمل ما يمكن أن تزرعه في بيتك أن تجعل الشكر جزءًا من ثقافة العائلة. ويمكن ذلك بطرق بسيطة، كأن يشارك كل فرد على مائدة العشاء شيئًا جميلًا حدث له في يومه، أو أن تعلّم أطفالك شكر من يقدم لهم خدمة مهما كانت صغيرة، كسائق الحافلة وعامل النظافة والبائع في المحل. وحين يرى الأطفال آباءهم يشكرون بعضهم بعضًا على الأعمال اليومية العادية، كإعداد الطعام وترتيب البيت والعمل لتأمين احتياجات الأسرة، فإنهم يتعلمون أن لا شيء في الحياة يجب أن يؤخذ على أنه أمر مفروغ منه. وهذه الثقافة تخلق جوًا من الدفء والتقدير يقلل من الخلافات ويقوي الروابط بين أفراد الأسرة، ويخرج أطفالًا أكثر سعادة ورضا وتعاطفًا مع الآخرين.
الامتنان لا يعني الرضا بالقليل
قد يظن البعض أن هذه الممارسة تعني التوقف عن الطموح أو القبول بالظلم أو الرضا بالواقع مهما كان سيئًا. لكن الحقيقة أنها لا تتعارض مع السعي إلى الأفضل، بل تمنحه أساسًا نفسيًا صحيًا. فالشخص الذي يسعى من منطلق الشكر يعمل بطمأنينة وحماس، بينما من يسعى من منطلق الشعور بالنقص والحرمان يعمل بقلق ولا يشعر بالرضا مهما حقق.
جرب هذه العادة لمدة شهر واحد فقط، وراقب كيف تتغير نظرتك إلى يومك وإلى من حولك. قد تكتشف أن السعادة التي تبحث عنها كانت أقرب إليك مما كنت تظن.
ما هي ثلاثة أشياء تشعر بالامتنان لها اليوم؟ شاركنا بها في الردود.