MotasemH

Administrator
طاقم الإدارة
يناقش رافائيل س. كوهين في مقاله، المنشور في مؤسسة راند، كيف أعادت حرب إسرائيل في غزة إحياء الجدل حول نظرية مكافحة التمرد المرتكزة على السكان بعد أن بدا أنها فقدت مصداقيتها إثر الانسحاب الأميركي من أفغانستان. يوضح أن إسرائيل، بخلاف الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، لم تتبنَّ نموذج «كسب القلوب والعقول»، واعتمدت بدلًا منه استراتيجية عسكرية تقوم على القوة المباشرة وسياسة «جزّ العشب»، لكنها وجدت نفسها في نهاية المطاف منخرطة في صراع طويل كانت تحاول تجنبه. ويبين المقال أن الاكتفاء بـ«التطهير» دون «الإمساك بالأرض» و«بناء بديل سياسي» حدّ من قدرة إسرائيل على انتزاع السيطرة من حماس، كما أن تجاهل البعد السياسي والإنساني أضعف موقعها الدولي رغم مكاسبها العسكرية. ويخلص الكاتب إلى أن مكافحة التمرد المرتكزة على السكان قد لا تضمن النصر العسكري، لكنها تقلل الكلفة السياسية والاستراتيجية، خصوصًا للدول الديمقراطية التي تعتمد على الدعم الداخلي والخارجي، ما يمنح هذه النظرية «إعادة تأهيل جزئية» في التفكير الاستراتيجي الأميركي المستقبلي.
كيف أعادت حرب إسرائيل في غزة (جزئيًا) تأهيل نظرية مكافحة التمرد

How Israel’s War in Gaza (Partially) Rehabilitated Counterinsurgency Theory​

أدى الانسحاب الأميركي من أفغانستان في أواخر صيف عام 2021 إلى ما هو أكثر من مجرد انهيار دولة وتراجع مكانة الولايات المتحدة. فقد قوّض فكرة كانت جزءًا من الاستراتيجية العسكرية الأميركية طوال ما يقرب من عقدين—وهي مكافحة التمرد المرتكزة على السكان. وانطلاقًا من تشبيه ماو تسي تونغ الشهير الذي شبّه فيه حاجة المقاتلين غير النظاميين إلى الدعم الشعبي بحاجة السمك إلى البحر، افترضت هذه النظرية أنه من خلال كسب ولاء السكان عبر سلسلة من الحوافز الاقتصادية والسياسية، يمكن للحكومة أن تحرم التمرد من شريان حياته. واستشهد أنصارها بدروس من تمردات الحرب الباردة مثل حالة الطوارئ في مالايا وحرب فيتنام للقول إن هذا النهج هو مفتاح الانتصار في حربي العراق وأفغانستان.

لكن افتتان الولايات المتحدة بمكافحة التمرد المرتكزة على السكان كان قصير الأمد. فلفترة ما، بدا أن تبني هذه الاستراتيجية خلال “الزيادة العسكرية” في العراق عام 2006 قد أثبت صحة النظرية. غير أن “زيادة” مشابهة في القوات وتغييرًا في التكتيكات لم يحققا نجاحًا مماثلًا في أفغانستان عامي 2009 و2010. وبينما ظل العراق مستقرًا نسبيًا لفترة، عاد تنظيم الدولة الإسلامية بقوة عام 2013. وهكذا، بحلول الوقت الذي أعادت فيه الولايات المتحدة أفغانستان إلى حركة طالبان عام 2021، كان كثير من المحللين يرون أن نظرية مكافحة التمرد المرتكزة على السكان كانت وصفة سيئة التصور لهزيمة مكلفة ودامية.

أثار هجوم حماس الإرهابي (بنظر الكاتب انما بطولي في نظر الناشر) في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحرب الإسرائيلية اللاحقة في غزة إعادة تقييم جديدة لمكافحة التمرد. فعلى عكس نظرائهم الأميركيين، لم تتبنَّ المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نموذج مكافحة التمرد المرتكز على السكان. بل إن بعض المحللين الإسرائيليين أبدوا ازدراءً علنيًا له، جزئيًا لاعتقادهم بأن محاولة كسب القلوب والعقول بين السكان الفلسطينيين أمر مستحيل. وجاء 7 أكتوبر ليعزز هذا الاعتقاد الراسخ. فقد أظهرت استطلاعات أُجريت بعد بضعة أشهر من الهجوم أن أكثر من سبعة من كل عشرة فلسطينيين شملهم الاستطلاع أيدوا هجوم حماس. ولذلك جربت إسرائيل نهجًا مختلفًا وأكثر اعتمادًا على القوة العسكرية المباشرة في غزة. ومع تقدم الحرب، بدأت إسرائيل تدرك أن بعض هذه الأفكار ربما كانت تحمل قدرًا من الوجاهة، وأن للبدائل أيضًا أوجه قصور خاصة بها.​

كيف أمضت إسرائيل عقودًا في الهروب من التمردات المطوّلة وفشلت​

قبل 7 أكتوبر، كان كثيرون في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية—مثل نظرائهم الأميركيين—مدركين بشدة لتكاليف الاحتلال. فقد رأوا هذه العمليات كمستنقعات تستنزف الدماء والموارد، وتُفرغ الجيوش المكلفة بها من مبادرتها وقوتها القتالية.

وكان جزء كبير من القيادة الأمنية الإسرائيلية قد خدم في احتلال جنوب لبنان بين عامي 1982 و2000، والذي يُطلق عليه أحيانًا “فيتنام إسرائيل”. وأسفر ذلك الصراع عن عشرات القتلى من العسكريين الإسرائيليين سنويًا، إضافة إلى أعداد أكبر من الجرحى. كما كان الاحتلال نتائجُه عكسية، إذ أسهم في نشوء حزب الله اللبناني، أحد أكثر خصوم إسرائيل صلابة.

وعلى مقربة أكبر، كان للاحتلال الإسرائيلي المستمر للضفة الغربية وغزة كلفة أعلى. فقد أدى إلى مواجهتين كبيرتين خلال الانتفاضتين الأولى والثانية، وإلى أعمال عنف متقطعة منذ ذلك الحين. ووفق بعض التقديرات، كان ما يصل إلى نصف الجنود الإسرائيليين في الخدمة الفعلية، قبل 7 أكتوبر، متمركزين في الضفة الغربية، معظمهم منشغلين بحماية المستوطنات الإسرائيلية.

حاولت إسرائيل تخليص نفسها من مستنقعي لبنان وغزة في أوائل العقد الأول من الألفية. فقد أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك—وهو رئيس أركان سابق لجيش الدفاع الإسرائيلي—بالانسحاب من جنوب لبنان عام 2000، معتبرًا أن مخاطر الاحتلال تفوق بكثير الفوائد الأمنية للحفاظ على منطقة عازلة. وخلفه أريئيل شارون—وهو أيضًا جنرال سابق—أمر بانسحاب أكثر إيلامًا سياسيًا من غزة عام 2005، مستشهدًا بمخاوف مماثلة تتعلق بحماية المستوطنات الإسرائيلية داخل القطاع ذي الكثافة السكانية الفلسطينية الأكبر.

لكن أيًا من الانسحابين لم يجلب سلامًا دائمًا. فقد خاضت إسرائيل حرب لبنان الثانية بعد ست سنوات فقط من مغادرة جنوب لبنان. وشهدت غزة اضطرابات أكبر؛ إذ أطاحت حماس بالسلطة الفلسطينية عام 2007، ثم خاضت سلسلة من الحروب مع إسرائيل أعوام 2008 و2012 و2014. كما اشتبكت إسرائيل مع فصيل أصغر، هو حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، في غزة عام 2021. ووقعت أعمال عنف محدودة النطاق بين هذه المواجهات.
"أثار هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023 والحرب الإسرائيلية اللاحقة في غزة إعادة تقييم جديدة لمكافحة التمرد."

وخلال هذه النزاعات اللاحقة، سعت إسرائيل إلى تجنب الاحتلالات المطوّلة مفضّلةً حروبًا قصيرة وحاسمة. بل إن مفكرين إسرائيليين صاغوا مصطلحًا لاستراتيجيتهم—“جزّ العشب”. والفكرة كانت تقليص قدرات الجماعات المسلحة إلى مستوى يمكن ردعها عنده أو جعلها أقل خطرًا باستخدام قوة محدودة. وعندما تستعيد هذه الجماعات قوتها بما يكفي، تعيد إسرائيل ببساطة تكرار العملية. وقد رأى الاستراتيجيون الإسرائيليون أن هذه الحملة المستمرة ولكن الأقل حدة أفضل من البديل.

كما جرّبت إسرائيل خيارات أخرى لتفادي اندلاع صراع شامل في غزة. فقد بنت جدارًا حدوديًا كلّف مليار دولار حول غزة، وُصف بأنه “أعقد مشروع” تم تنفيذه، واستثمرت في أبراج حراسة وكاميرات بعيدة المدى وصور جوية واستخبارات الإشارات لتجنب المفاجأة. بل إنها اعترضت خطة معركة حماس قبل عام من تنفيذها. وعلى الصعيد الاقتصادي، سمحت إسرائيل لقطر بإرسال 100 مليون دولار كمساعدات إلى غزة ابتداءً من عام 2018، وسمحت لأكثر من 18 ألف عامل من غزة بالعمل في إسرائيل لتخفيف الضغط الاقتصادي داخل القطاع والحفاظ على هدوء نسبي.

في 7 أكتوبر 2023، انهارت الرؤية الاستراتيجية الإسرائيلية بأكملها. فقد أظهر الهجوم أن حماس لم تُردع، ولم تُحتوَ، ولم تُسترضَ. وفشل رهان إسرائيل على الحروب المحدودة. وأعلن محللون إسرائيليون “نهاية جزّ العشب”، داعين إلى اقتلاع حماس بالكامل. وهكذا اندفعت إسرائيل مباشرة إلى نوع الصراع المطوّل ذاته الذي كانت تأمل تجنبه.​

انتقام «التطهير، الإمساك، البناء»​

قبل عشرين عامًا، وجدت الولايات المتحدة نفسها تتبنى صيغة «التطهير، الإمساك، البناء». ويُقال إن الجنرال في الجيش الأميركي ريموند أوديرنو—الذي كان آنذاك مستشارًا عسكريًا لوزيرة الخارجية كوندوليزا رايس—هو من صاغ هذا الشعار لشرح استراتيجية حرب العراق أمام الكونغرس. في ذلك الوقت، كان الشعار أقرب إلى تبرير لاحق منه إلى خطة مدروسة استشرافية. ومع ذلك، فقد عبّر عن جوهر هذه العمليات: إذا أرادت الجيوش تحقيق استقرار طويل الأمد، فعليها أولًا تطهير معاقل المتمردين، ثم الإمساك بالأرض، وفي الوقت نفسه بناء هياكل حكم بديلة تحل محل الهياكل التي يهيمن عليها المتمردون.

عند دخولها غزة، لم يتصور لا الجيش الإسرائيلي ولا منتقدوه أن العمليات ستتبع خطة مشابهة من ثلاث مراحل. فقد كانت الخطة الأصلية—كما وصفها مخططون إسرائيليون في مقابلات خلال ديسمبر/كانون الأول 2023—تقضي بـ«تطهير» عناصر حماس من الشمال إلى الجنوب، ثم الانسحاب إلى أطراف غزة، وتنفيذ غارات واسعة النطاق كلما أعادت حماس تجميع صفوفها. وكان جيش الدفاع الإسرائيلي يعتقد أن البقاء في حالة هجوم دائم سيجنبه تكاليف الإمساك بالأرض داخل غزة.

في المقابل، في الأسابيع التي تلت 7 أكتوبر وقبل بدء العملية البرية، دعت بعض الأصوات—خصوصًا في أوساط اليسار السياسي ومعظمها خارج إسرائيل—إلى تجنب الغزو البري والاكتفاء بضربات جوية وعمليات لقوات خاصة ومفاوضات لتحرير الرهائن وشل قدرات حماس. غير أن الافتراض الكامن كان مشابهًا لافتراض المؤسسة العسكرية الإسرائيلية: يمكن لإسرائيل تحقيق أهدافها من دون احتلال الأرض.

في النهاية، اتضح أن كلا النهجين غير عملي. فتكتيكات «اللمسة الخفيفة» المعتمدة على القوات الخاصة لم تكن ممكنة عسكريًا. إذ وزّعت حماس رهائنها في مجموعات صغيرة في أنحاء غزة، غالبًا داخل شبكة أنفاق تمتد من 350 إلى 450 ميلًا تحت واحدة من أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم. ولحمايتهم، امتلكت حماس جيشًا يضم أكثر من 30 ألف عنصر منظمين في ألوية وكتائب. وأي محاولة إنقاذ كانت ستتطلب قتالًا بريًا واسع النطاق. وخلال عامين من الحرب، لم يتمكن جيش الدفاع الإسرائيلي سوى من تحرير ثمانية رهائن أحياء من أصل 251.
"وعلى خلاف نظرائهم الأميركيين، لم تتبنَّ المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نموذج مكافحة التمرد المرتكز على السكان."

أما استراتيجية «التطهير فقط» التي انتهجها الجيش الإسرائيلي، فقد أثبتت محدوديتها أيضًا. إذ اضطر الجيش إلى إعادة السيطرة على مناطق عدة مرات، فنفذ ثلاث عمليات واسعة في معاقل حماس مثل جباليا وخان يونس، وعمليتين في الشجاعية. ورغم أن هذه العمليات قتلت عناصر من حماس ودمرت بنى تحتية، فإنها لم تمارس ضغطًا كافيًا لإجبار الحركة على الانهيار. ولم يبدأ ميزان القوى في التغير إلا في الأشهر الأخيرة عندما انتقل الجيش إلى السيطرة على الأرض والإمساك بها.

غير أن تردد إسرائيل في تبني عنصر «الإمساك» يبدو أقل مقارنة برفضها تبني عنصر «البناء» في معادلة أوديرنو الثلاثية. فعلى الرغم من ضغوط واشنطن، رفضت حكومة نتنياهو الالتزام بخطط ملموسة لحكم غزة بعد الحرب. ولم تطرح إسرائيل سوى في أواخر فبراير/شباط 2024—بعد أشهر من القتال—تصورًا أوليًا يستبعد الهياكل القائمة، مثل السلطة الفلسطينية ووكالة الأونروا، ويعهد بإدارة القطاع إلى قيادات محلية غير محددة، ضمن خطة لإقصاء حماس. كما اشترطت الخطة تأجيل إعادة الإعمار إلى ما بعد نزع سلاح حماس بالكامل.

واجه الجيش صعوبات في ترجمة هذه الخطط إلى واقع. فقد سلّحت إسرائيل بعض العشائر لتولي مهمة الإمساك بالأرض، لكن حماس سارعت إلى استهدافها فور دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. كما رضخت إسرائيل جزئيًا، تحت ضغط أميركي، لتسهيل إدخال المساعدات عبر «مؤسسة غزة الإنسانية». ورغم الانتقادات التي طالت عمل المؤسسة، فقد ساعدت إسرائيل على مواجهة تصاعد الانتقادات العالمية بشأن الأوضاع الإنسانية في القطاع.

يمكن القول إن إخفاق إسرائيل في تبني صيغة «التطهير، الإمساك، البناء» بشكل كامل كلفها أحد أهدافها الأساسية—انتزاع السيطرة على غزة من حماس. فغياب بديل قابل للحياة أبقى حماس، رغم إضعافها بعد عامين من القتال، الفاعل المهيمن في نصف غزة غير الخاضع لسيطرة القوات الإسرائيلية. وحتى إذا تسلمت قوة أمنية دولية إدارة القطاع، فمن غير المرجح أن يتغير ذلك، إذ تشير حماس إلى استعدادها لـ«تجميد أو تخزين» ترسانتها، لكنها لن تتخلى عنها بالكامل، بل قد تعيد التسلح، ما يعني استمرارها عمليًا كمركز قوة داخل القطاع.
"كسب «القلوب والعقول» قد لا يحسم الحروب، لكن خسارتها قد تقود إلى الهزيمة"

في صلب نموذج مكافحة التمرد الأميركي كان الاعتقاد بأن هذه العمليات ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل صراع على الرأي العام. وكما قال خبير مكافحة التمرد ديفيد كيلكولن: «إذا لم تدرس نظرية مكافحة التمرد، فها هي باختصار: إنها منافسة مع المتمردين على حق كسب قلوب وعقول ورضا السكان». ورغم إقراره بأن بعض القوة ضرورية ضد العناصر غير القابلة للإقناع، فإن هذه القوة يجب أن تكون محدودة نسبيًا، وأن يعتمد الحسم أكثر على «الجزرة» لا «العصا» لكسب السكان.

يبقى سؤال ما إذا كانت الولايات المتحدة قد نجحت فعلًا في كسب «القلوب والعقول» في العراق أو أفغانستان، أو ما إذا كان ذلك حاسمًا أصلًا. فثمة مؤشرات على أن النجاحات الميدانية تحققت غالبًا بوسائل أشد قسوة. ومع ذلك، فإن لاستراتيجية «القلوب والعقول» فوائد تتجاوز أثرها المباشر على السكان؛ إذ تؤثر في صورة الدولة على المستوى العالمي—وهذا مهم لإسرائيل على وجه الخصوص.

من منظور عسكري بحت، وبعد أكثر من عامين من الحرب، يبدو المشهد في الشرق الأوسط وكأنه انتصار عسكري إسرائيلي حاسم. فقد قتلت إسرائيل أكثر من 20 ألف عنصر من حماس، بينهم معظم قيادتها العليا ويحيى السنوار نفسه، ودمرت نحو 90 في المئة من صواريخها. ورغم أن حماس جندت عناصر جديدة وسعت لإعادة التسلح، فإنها لم تعد سوى ظل لتنظيمها شبه العسكري الذي هاجم إسرائيل في 7 أكتوبر.

وقد أعلن نتنياهو مرارًا أن إسرائيل «غيرت وجه الشرق الأوسط»، وهو محق جزئيًا. فنجاحاتها ضد حماس وحزب الله ووكلاء إيران وإيران نفسها غيّرت معادلات المنطقة. وكل ذلك تحقق بالقوة، لا بالدبلوماسية.

لكن هذه الإنجازات جاءت بكلفة. فقد تراجعت صورة إسرائيل عالميًا. ففي استطلاعات أجرتها مؤسسة «بيو» في مارس/آذار 2025 في 24 دولة، لم تسجل سوى كينيا ونيجيريا نسب تأييد تتجاوز 50 في المئة. وحتى في دول أوروبية حليفة كألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، غلبت الآراء السلبية بنسبة تقارب اثنين إلى واحد.

أما تآكل الدعم داخل الولايات المتحدة، فقد تكون له تداعيات استراتيجية أعمق. فقد ارتفعت النظرة السلبية لإسرائيل 11 نقطة بين مارس 2022 ومارس 2025. وبين الديمقراطيين، قفزت النسبة من 53 إلى 69 في المئة، وحتى بين الجمهوريين الشباب (18-49 عامًا)، ارتفعت من 35 إلى 50 في المئة.

الرأي العام متقلب بطبيعته، لكن هذا التراجع ينبغي أن يقلق صناع القرار في إسرائيل. فإسرائيل، كدولة صغيرة، تعتمد على التجارة مع الولايات المتحدة وأوروبا لدعم اقتصادها. كما أن حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، التي تعززت خلال حرب غزة، قد تهدد شريان حياتها على المدى الطويل. وإذا كان الدعم العسكري والدبلوماسي الأميركي هو ما مكّن إسرائيل من تحقيق إنجازاتها، فإن استمراره ليس مضمونًا مستقبلًا. وإذا تزعزع موقعها لدى الولايات المتحدة وشركائها التجاريين، فقد يُعاد تقييم «انتصارها» لاحقًا بوصفه هزيمة استراتيجية.

ومن هنا يبرز السؤال: هل كان بإمكان إسرائيل الحد من خسارة الدعم الدولي لو تبنت بعض عناصر «القلوب والعقول» في استراتيجيتها؟ ربما كان جزء من رد الفعل العالمي حتميًا بغض النظر عن التكتيكات. فحتى حروبها المحدودة السابقة في غزة أثارت غضبًا عالميًا، وإن بدرجة أقل. لكن حتى لو كان فقدان معركة العلاقات العامة أمرًا لا مفر منه، فإن تقليص هامش الخسارة قد يكون ذا أهمية لموقع إسرائيل الاستراتيجي طويل الأمد.
"وإذا كانت حروب مكافحة التمرد—مهما سعت الدول لتجنبها—ستبقى أمرًا لا مفر منه، فإن السؤال يصبح: ما هو أفضل، أو أقل سوءًا، أسلوب لخوضها؟"

إعادة التأهيل (الجزئية) لنظرية مكافحة التمرد​

عند التراجع خطوة إلى الوراء، فإن تجربة إسرائيل في غزة لا تحسم الجدل المستمر حول كيفية إدارة الولايات المتحدة لحملتيها في العراق وأفغانستان. لكنها توفر إطارًا مهمًا لكيف ينبغي لواشنطن أن تفكر في مثل هذه الصراعات مستقبلًا.

إن تجربة إسرائيل في السنوات التي سبقت 7 أكتوبر تمثل قصة تحذيرية بشأن قدرة الدول على تجنب هذا النوع من النزاعات. فبرغم محاولاتها المستمرة الاكتفاء بسياسة «جزّ العشب»، اندفعت في النهاية إلى صراع دموي ومطوّل أمضت أكثر من عقدين تحاول تفاديه. وينبغي أن يكون ذلك تنبيهًا لصناع القرار الذين يظنون أنهم قادرون على إغلاق الباب نهائيًا أمام مثل هذه الحروب.

وإذا كانت حروب مكافحة التمرد—رغم سعي الدول إلى تجنبها—ستظل أمرًا لا مفر منه، فإن السؤال يصبح: ما هو أفضل، أو أقل سوءًا، أسلوب لخوضها؟ يجب تقييم الاستراتيجيات التي اعتمدتها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان ليس فقط بناءً على نتائجها الذاتية، بل أيضًا مقارنة بالبدائل—مثل النهج الذي اتبعته إسرائيل في غزة. وتُظهر التجربة الإسرائيلية أنه، حتى لو لم يتحقق «النصر» في هذه الحروب بالطريقة التي تتصورها مكافحة التمرد المرتكزة على السكان، فإن هناك عناصر صحيحة كامنة في هذا النهج الأوسع.

والأهم من ذلك، أن مكافحة التمرد المرتكزة على السكان تخفف بعض الكلفة السياسية لهذه الحملات. وبالنسبة إلى الديمقراطيات التي تولي أهمية للدعم الداخلي والدولي، فإن هذا عامل حاسم. واستعارةً من مقولة ونستون تشرشل الشهيرة عن الديمقراطية، قد تكون مكافحة التمرد المرتكزة على السكان أسوأ استراتيجية—باستثناء كل الاستراتيجيات الأخرى التي جُرّبت من وقت لآخر.​
 
عودة
أعلى