يرى عاموس هاريل في مقاله المنشور في مجلة Foreign Affairs أن هزيمة بنيامين نتنياهو المحتملة وصعود غادي آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة لن يؤديا إلى انقلاب جذري في السياسة الخارجية والأمنية الإسرائيلية، خصوصًا في ظل الانزياح الواضح للمجتمع الإسرائيلي نحو اليمين بعد 7 أكتوبر، لكنهما قد يفتحان الباب أمام تحول تدريجي بعيدًا عن استراتيجية «الحرب المستمرة» التي يتبناها نتنياهو. ويحدد هاريل عدة ساحات يمكن أن يظهر فيها هذا التحول، أبرزها الضفة الغربية، حيث قد تعمل حكومة وسطية على كبح عنف المستوطنين والحد من التوسع الاستيطاني واستعادة سيطرة مؤسسات الدولة على السياسة الأمنية، وغزة، حيث قد يكون آيزنكوت أكثر استعدادًا لمنح السلطة الفلسطينية دورًا في ترتيبات ما بعد الحرب، إضافة إلى لبنان وسوريا، حيث يمكن أن يكون أكثر انفتاحًا على تسويات أمنية ودبلوماسية تنهي الجبهات المفتوحة. ومع ذلك، يستبعد الكاتب حدوث تحول إسرائيلي قريب نحو إقامة دولة فلسطينية أو تغيير جذري في العقيدة الأمنية، ويرى أن حجم التغيير الممكن سيتوقف بدرجة كبيرة على دور الولايات المتحدة وعلاقة الحكومة الإسرائيلية المقبلة بدونالد ترامب، الذي يمكن لضغوطه أن تساعد في إنهاء بعض جبهات الحرب وإعادة توجيه السياسة الإسرائيلية نحو ترتيبات سياسية وأمنية أكثر استقرارًا.
Can Israel End Its Forever Wars?
بينما يستعد لمواجهة الناخبين الإسرائيليين الشهر المقبل، بعد ثلاث سنوات من الحرب المتواصلة، صاغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استراتيجية جديدة. فمتجاهلًا التكاليف الهائلة في الأرواح والأموال، ناهيك عن الدعم لإسرائيل في الولايات المتحدة وأماكن أخرى، بات الآن يؤيد علنًا وبشكل صريح خوض حروب بلا نهاية. وباعتبار ذلك درسًا مستخلصًا من مجزرة حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، يؤكد أن إسرائيل بحاجة إلى اتخاذ إجراءات عسكرية استباقية ضد كل تهديد أمني محتمل تواجهه، بغض النظر عن العواقب. وقد دفع ذلك كثيرين إلى التساؤل عن مقدار ما قد يتغير من هذا النهج المتشدد إذا تمكن غادي آيزنكوت، المسؤول العسكري المخضرم الذي يتقدم على نتنياهو في استطلاعات الرأي، من هزيمته.
حتى الآن، كان آيزنكوت، وهو وسطي تقليدي، صريحًا وأحيانًا لاذعًا في عرض حجته ضد رئيس الوزراء. لكنه، باستثناء تصريحات مبهمة بشأن إنهاء أطول حرب في تاريخ إسرائيل، تجنب عمومًا الخوض في تفاصيل استراتيجيته الخاصة للأمن القومي. وفي بعض القضايا، مثل التعامل مع حماس في غزة، بدا أكثر تشددًا من نتنياهو. وعندما يُسأل عن مستقبل الصراع مع الفلسطينيين — وهي القضية الأكثر قابلية للتفجر سياسيًا في إسرائيل — كان شديد الحرص على تجنب الالتزامات الملزمة. وفي تصريح نادر بشأن مثل هذه المسائل في أغسطس/آب، قال آيزنكوت إنه يعارض إقامة دولة فلسطينية، مؤيدًا بذلك ما أصبح الآن موقفًا توافقيًا في مختلف أوساط الوسط السياسي الإسرائيلي، بل وحتى في أجزاء من يسار الوسط، فضلًا عن اليمين.
ومن مثل هذه التصريحات، قد يكون من المغري الاستنتاج أن حكومة برئاسة آيزنكوت لن تختلف كثيرًا عن سابقتها اليمينية. وبالفعل، جادل بعض المحللين بأنه لن تكون هناك أي اختلافات حقيقية على الإطلاق بشأن القضايا الأمنية الكبرى. لكن ذلك يتجاهل عددًا من المجالات المهمة، بدءًا من الأزمة في الضفة الغربية، مرورًا بنهج إسرائيل تجاه سوريا، وصولًا إلى الصراع في غزة، حيث يمكن لاستراتيجيات جديدة أن تحقق مكاسب حقيقية، حتى وإن كان من المرجح أن تكون التغييرات تدريجية لا جذرية. وسيعتمد مدى ظهور فرصة كهذه بدرجة كبيرة على الرئيس الأميركي دونالد ترامب وطبيعة علاقته بحكومة ما بعد نتنياهو، إذا انتخب الإسرائيليون واحدة. والسؤال الأهم ليس ما إذا كان التغيير ممكنًا، بل ما أنواع التغييرات الممكنة، وما نوع الانخراط المطلوب من واشنطن.
حتى الآن، كان آيزنكوت، وهو وسطي تقليدي، صريحًا وأحيانًا لاذعًا في عرض حجته ضد رئيس الوزراء. لكنه، باستثناء تصريحات مبهمة بشأن إنهاء أطول حرب في تاريخ إسرائيل، تجنب عمومًا الخوض في تفاصيل استراتيجيته الخاصة للأمن القومي. وفي بعض القضايا، مثل التعامل مع حماس في غزة، بدا أكثر تشددًا من نتنياهو. وعندما يُسأل عن مستقبل الصراع مع الفلسطينيين — وهي القضية الأكثر قابلية للتفجر سياسيًا في إسرائيل — كان شديد الحرص على تجنب الالتزامات الملزمة. وفي تصريح نادر بشأن مثل هذه المسائل في أغسطس/آب، قال آيزنكوت إنه يعارض إقامة دولة فلسطينية، مؤيدًا بذلك ما أصبح الآن موقفًا توافقيًا في مختلف أوساط الوسط السياسي الإسرائيلي، بل وحتى في أجزاء من يسار الوسط، فضلًا عن اليمين.
ومن مثل هذه التصريحات، قد يكون من المغري الاستنتاج أن حكومة برئاسة آيزنكوت لن تختلف كثيرًا عن سابقتها اليمينية. وبالفعل، جادل بعض المحللين بأنه لن تكون هناك أي اختلافات حقيقية على الإطلاق بشأن القضايا الأمنية الكبرى. لكن ذلك يتجاهل عددًا من المجالات المهمة، بدءًا من الأزمة في الضفة الغربية، مرورًا بنهج إسرائيل تجاه سوريا، وصولًا إلى الصراع في غزة، حيث يمكن لاستراتيجيات جديدة أن تحقق مكاسب حقيقية، حتى وإن كان من المرجح أن تكون التغييرات تدريجية لا جذرية. وسيعتمد مدى ظهور فرصة كهذه بدرجة كبيرة على الرئيس الأميركي دونالد ترامب وطبيعة علاقته بحكومة ما بعد نتنياهو، إذا انتخب الإسرائيليون واحدة. والسؤال الأهم ليس ما إذا كان التغيير ممكنًا، بل ما أنواع التغييرات الممكنة، وما نوع الانخراط المطلوب من واشنطن.
الانزياح نحو اليمين
وفقًا لاستطلاعات الرأي الإسرائيلية، سيجد نتنياهو، رئيس حزب الليكود اليميني، صعوبة بالغة في تشكيل حكومة بعد انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول. وفي الوقت الراهن، يبدو أنه يكرس معظم جهوده لفرض حالة من الجمود من شأنها أن تمنع خصومه من تشكيل الائتلاف المقبل. وفي الوقت نفسه، روّج لاستراتيجيته القائمة على الحرب المستمرة.
يدعو نتنياهو الجديد إلى صفر تنازلات وصفر حلول وسط. وأمام جمهوره الداخلي، يشدد أيضًا على ما يزعم أنه إنجاز آخر: استيلاء إسرائيل على أراضٍ عند كل حدودها تقريبًا — في جنوب لبنان، وفي سوريا، وفي قطاع غزة — باعتبارها مناطق أمنية كما تصفها إسرائيل. ويذهب وزير الدفاع يسرائيل كاتس بهذا النهج خطوة أبعد، مدعيًا أن إسرائيل ستبقى في هذه المناطق لسنوات عديدة كجزء من الثمن الذي تفرضه على أعدائها. ويبحث كاتس ووزراء آخرون باستمرار عن خصوم عسكريين جدد: فقد زعموا أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي يعادي إسرائيل بشدة لكن يصعب تصويره باعتباره خصمًا عسكريًا مباشرًا، بات الآن يشكل تهديدًا بقدر حزب الله وحماس، وهو ادعاء تبناه نتنياهو أيضًا. بل إن بعض أعضاء الحكومة هؤلاء ذهبوا، من دون ذرة واحدة من الأدلة، إلى القول إن الرئيس السوري، الجهادي السابق أحمد الشرع، يستعد لمهاجمة إسرائيل.
يتجاهل هذا الموقف العدائي تمامًا الثمن الباهظ لاستراتيجية نتنياهو. فمع نشر أعداد كبيرة من الجنود على الجبهات الأمامية لأشهر متواصلة، لم يكن لدى الجيش الإسرائيلي وقت للتدريب، فيما يتحمل جنود الاحتياط الآن عبئًا هائلًا، إذ يخدمون في المتوسط أكثر من 100 يوم سنويًا منذ هجوم عام 2023. كما تلقى الاقتصاد الإسرائيلي ضربة هائلة. ووفقًا لأحدث التقديرات، أنفقت إسرائيل نحو 142 مليار دولار على الحرب منذ بدايتها — وهو ما يعادل أكثر من نصف إجمالي الميزانية السنوية للبلاد. وهذا فضلًا عن الضرر الكارثي الذي ألحقته الحروب بسمعة إسرائيل الدولية.
وفي خضم هذه المشكلات المتفاقمة وتراجع شعبية الائتلاف اليميني الحالي على نطاق واسع، حقق آيزنكوت تقدمًا كبيرًا في استطلاعات الرأي. وبصفته رئيسًا سابقًا لأركان الجيش الإسرائيلي ويتمتع بخلفية عميقة في المؤسسة الأمنية، فإنه يقدم تناقضًا واضحًا مع نتنياهو ووزرائه اليمينيين: فلم يمضِ على دخوله عالم السياسة سوى فترة قصيرة — إذ دخل المعترك السياسي قبل أربع سنوات فقط. وانضم إلى حكومة نتنياهو عضوًا في مجلس الحرب بعد أربعة أيام من مجزرة 7 أكتوبر/تشرين الأول. لكنه سرعان ما اختلف مع نتنياهو بشأن إدارة الحرب، ولا سيما إصرار رئيس الوزراء على إبطاء المفاوضات مع حماس لاستعادة الرهائن الإسرائيليين، وغادر المجلس في يونيو/حزيران التالي.
في ديسمبر/كانون الأول 2023، قُتل غال، الابن الأصغر لآيزنكوت، وهو جندي احتياط في وحدة عسكرية نخبوية، خلال عملية للعثور على جثامين رهائن إسرائيليين في شمال قطاع غزة. وفي تأبين مؤثر خلال جنازة ابنه، تعهد آيزنكوت بالعمل على إصلاح العيوب التي انكشفت في المجتمع الإسرائيلي: الاستجابة للمطالبة الشعبية بالمساءلة عن الإخفاقات الأمنية التي أدت إلى 7 أكتوبر/تشرين الأول، ومعالجة الحاجة إلى التغيير السياسي. وفُسرت كلماته باعتبارها نوعًا من المهمة السياسية والأخلاقية التي حفزها مقتل ابنه.
وعندما أشار آيزنكوت العام الماضي إلى أنه قرر تحدي نتنياهو، بدأ يكتسب الدعم تدريجيًا، بما في ذلك انشقاق محدود لناخبين تقليديين من الليكود وانتقالهم إلى حزبه الجديد «ياشار!» (وتعني بالعبرية: نزيه، مستقيم). وفي استطلاعات الرأي الأخيرة، تقدم «ياشار» على الليكود، كما حقق آيزنكوت فارقًا كبيرًا على نتنياهو في سؤال رئيسي: مدى الملاءمة لتولي منصب رئيس الوزراء. ومع ذلك، يبدو أن المرشح ومستشاريه يعتقدون أن السبيل إلى توسيع هذه الفجوة هو المضي بحذر.
فمن ناحية، تضم المعارضة المتنوعة التي يقودها — والمعروفة بصورة غير رسمية باسم «أي شخص إلا بيبي» — أربعة أحزاب تتراوح توجهاتها من يمين الوسط إلى اليسار. وهناك أيضًا حزب يميني معارض لنتنياهو لا تزال قدرته على تجاوز العتبة الانتخابية اللازمة للحصول على مقاعد في الكنيست غير مؤكدة، فضلًا عن ثلاثة أحزاب عربية يمكن أن تدعم ائتلافًا مناهضًا لنتنياهو من خارج الحكومة. (وهناك سيناريو يمكن فيه حتى لأحدها الانضمام إلى مثل هذا الائتلاف، كما حدث عندما شكّل نفتالي بينيت ويائير لابيد حكومة عام 2021)
وهناك أيضًا مسألة موقع الناخبين الآن. فقد تحرك الرأي العام الإسرائيلي بصورة ملحوظة نحو اليمين خلال السنوات الثلاث الماضية. والغالبية الساحقة من اليهود الإسرائيليين لا تثق بالفلسطينيين، ولا بالجيران العرب عمومًا في هذا الصدد؛ وهم يخشون احتمال قيام دولة فلسطينية، ويتفقون على أن إسرائيل ينبغي أن تتبنى نهجًا أكثر هجومية لإحباط التهديدات. (ولا يشارك معظم المواطنين العرب في إسرائيل، الذين يشكلون نحو 20 في المئة من سكان البلاد، هذه الآراء). وبالنسبة إلى نتنياهو، تكمن المشكلة في أن عددًا كبيرًا من الإسرائيليين لم يعد يعتقد أنه الرجل القادر على تنفيذ هذه الرؤية.
وفي بعض الأحيان، حاول آيزنكوت المزايدة على نتنياهو من جهة اليمين، متهمًا رئيس الوزراء بتبني مواقف انهزامية. ويتبنى المنافسَان الرئيسيان للمعارضة الواقعان إلى يمين آيزنكوت — بينيت، الذي انضم مؤخرًا إلى الوسطي لابيد في تحالف «معًا»، وأفيغدور ليبرمان — مواقف أكثر تشددًا. أما الشخصية المعارضة الوحيدة المستعدة للحديث تأييدًا لعملية سلام مع الفلسطينيين فهي يائير غولان، زعيم حزب «الديمقراطيين»، الحزب الأكثر يسارية ضمن كتلة أحزاب الوسط واليسار الصهيونية. لكن حتى غولان يرى أن تحقيق رؤية الدولتين سيكون بالغ الصعوبة في المدى القريب، بالنظر إلى الندوب المتبادلة التي خلفها 7 أكتوبر/تشرين الأول والحرب التي أعقبته.
وبالتالي، فمن المستبعد للغاية أن يغير آيزنكوت وشركاؤه السياسة الخارجية والأمنية الإسرائيلية تغييرًا جوهريًا إذا هزموا نتنياهو. وسيكون من الوهم، على سبيل المثال، أن يتوقع أي شخص أن تتعاون الحكومة الإسرائيلية المقبلة طوعًا مع الإجراءات الجارية أمام المحاكم الدولية في لاهاي، وأن تفتح تحقيقًا شاملًا في مزاعم ارتكاب الجيش الإسرائيلي جرائم حرب في قطاع غزة. ولا يعني هذا عدم وجود فرص أمام آيزنكوت لتغيير اتجاه البلاد — ولا سيما إذا تدخل ترامب.
يدعو نتنياهو الجديد إلى صفر تنازلات وصفر حلول وسط. وأمام جمهوره الداخلي، يشدد أيضًا على ما يزعم أنه إنجاز آخر: استيلاء إسرائيل على أراضٍ عند كل حدودها تقريبًا — في جنوب لبنان، وفي سوريا، وفي قطاع غزة — باعتبارها مناطق أمنية كما تصفها إسرائيل. ويذهب وزير الدفاع يسرائيل كاتس بهذا النهج خطوة أبعد، مدعيًا أن إسرائيل ستبقى في هذه المناطق لسنوات عديدة كجزء من الثمن الذي تفرضه على أعدائها. ويبحث كاتس ووزراء آخرون باستمرار عن خصوم عسكريين جدد: فقد زعموا أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي يعادي إسرائيل بشدة لكن يصعب تصويره باعتباره خصمًا عسكريًا مباشرًا، بات الآن يشكل تهديدًا بقدر حزب الله وحماس، وهو ادعاء تبناه نتنياهو أيضًا. بل إن بعض أعضاء الحكومة هؤلاء ذهبوا، من دون ذرة واحدة من الأدلة، إلى القول إن الرئيس السوري، الجهادي السابق أحمد الشرع، يستعد لمهاجمة إسرائيل.
يتجاهل هذا الموقف العدائي تمامًا الثمن الباهظ لاستراتيجية نتنياهو. فمع نشر أعداد كبيرة من الجنود على الجبهات الأمامية لأشهر متواصلة، لم يكن لدى الجيش الإسرائيلي وقت للتدريب، فيما يتحمل جنود الاحتياط الآن عبئًا هائلًا، إذ يخدمون في المتوسط أكثر من 100 يوم سنويًا منذ هجوم عام 2023. كما تلقى الاقتصاد الإسرائيلي ضربة هائلة. ووفقًا لأحدث التقديرات، أنفقت إسرائيل نحو 142 مليار دولار على الحرب منذ بدايتها — وهو ما يعادل أكثر من نصف إجمالي الميزانية السنوية للبلاد. وهذا فضلًا عن الضرر الكارثي الذي ألحقته الحروب بسمعة إسرائيل الدولية.
وفي خضم هذه المشكلات المتفاقمة وتراجع شعبية الائتلاف اليميني الحالي على نطاق واسع، حقق آيزنكوت تقدمًا كبيرًا في استطلاعات الرأي. وبصفته رئيسًا سابقًا لأركان الجيش الإسرائيلي ويتمتع بخلفية عميقة في المؤسسة الأمنية، فإنه يقدم تناقضًا واضحًا مع نتنياهو ووزرائه اليمينيين: فلم يمضِ على دخوله عالم السياسة سوى فترة قصيرة — إذ دخل المعترك السياسي قبل أربع سنوات فقط. وانضم إلى حكومة نتنياهو عضوًا في مجلس الحرب بعد أربعة أيام من مجزرة 7 أكتوبر/تشرين الأول. لكنه سرعان ما اختلف مع نتنياهو بشأن إدارة الحرب، ولا سيما إصرار رئيس الوزراء على إبطاء المفاوضات مع حماس لاستعادة الرهائن الإسرائيليين، وغادر المجلس في يونيو/حزيران التالي.
في ديسمبر/كانون الأول 2023، قُتل غال، الابن الأصغر لآيزنكوت، وهو جندي احتياط في وحدة عسكرية نخبوية، خلال عملية للعثور على جثامين رهائن إسرائيليين في شمال قطاع غزة. وفي تأبين مؤثر خلال جنازة ابنه، تعهد آيزنكوت بالعمل على إصلاح العيوب التي انكشفت في المجتمع الإسرائيلي: الاستجابة للمطالبة الشعبية بالمساءلة عن الإخفاقات الأمنية التي أدت إلى 7 أكتوبر/تشرين الأول، ومعالجة الحاجة إلى التغيير السياسي. وفُسرت كلماته باعتبارها نوعًا من المهمة السياسية والأخلاقية التي حفزها مقتل ابنه.
وعندما أشار آيزنكوت العام الماضي إلى أنه قرر تحدي نتنياهو، بدأ يكتسب الدعم تدريجيًا، بما في ذلك انشقاق محدود لناخبين تقليديين من الليكود وانتقالهم إلى حزبه الجديد «ياشار!» (وتعني بالعبرية: نزيه، مستقيم). وفي استطلاعات الرأي الأخيرة، تقدم «ياشار» على الليكود، كما حقق آيزنكوت فارقًا كبيرًا على نتنياهو في سؤال رئيسي: مدى الملاءمة لتولي منصب رئيس الوزراء. ومع ذلك، يبدو أن المرشح ومستشاريه يعتقدون أن السبيل إلى توسيع هذه الفجوة هو المضي بحذر.
فمن ناحية، تضم المعارضة المتنوعة التي يقودها — والمعروفة بصورة غير رسمية باسم «أي شخص إلا بيبي» — أربعة أحزاب تتراوح توجهاتها من يمين الوسط إلى اليسار. وهناك أيضًا حزب يميني معارض لنتنياهو لا تزال قدرته على تجاوز العتبة الانتخابية اللازمة للحصول على مقاعد في الكنيست غير مؤكدة، فضلًا عن ثلاثة أحزاب عربية يمكن أن تدعم ائتلافًا مناهضًا لنتنياهو من خارج الحكومة. (وهناك سيناريو يمكن فيه حتى لأحدها الانضمام إلى مثل هذا الائتلاف، كما حدث عندما شكّل نفتالي بينيت ويائير لابيد حكومة عام 2021)
وهناك أيضًا مسألة موقع الناخبين الآن. فقد تحرك الرأي العام الإسرائيلي بصورة ملحوظة نحو اليمين خلال السنوات الثلاث الماضية. والغالبية الساحقة من اليهود الإسرائيليين لا تثق بالفلسطينيين، ولا بالجيران العرب عمومًا في هذا الصدد؛ وهم يخشون احتمال قيام دولة فلسطينية، ويتفقون على أن إسرائيل ينبغي أن تتبنى نهجًا أكثر هجومية لإحباط التهديدات. (ولا يشارك معظم المواطنين العرب في إسرائيل، الذين يشكلون نحو 20 في المئة من سكان البلاد، هذه الآراء). وبالنسبة إلى نتنياهو، تكمن المشكلة في أن عددًا كبيرًا من الإسرائيليين لم يعد يعتقد أنه الرجل القادر على تنفيذ هذه الرؤية.
وفي بعض الأحيان، حاول آيزنكوت المزايدة على نتنياهو من جهة اليمين، متهمًا رئيس الوزراء بتبني مواقف انهزامية. ويتبنى المنافسَان الرئيسيان للمعارضة الواقعان إلى يمين آيزنكوت — بينيت، الذي انضم مؤخرًا إلى الوسطي لابيد في تحالف «معًا»، وأفيغدور ليبرمان — مواقف أكثر تشددًا. أما الشخصية المعارضة الوحيدة المستعدة للحديث تأييدًا لعملية سلام مع الفلسطينيين فهي يائير غولان، زعيم حزب «الديمقراطيين»، الحزب الأكثر يسارية ضمن كتلة أحزاب الوسط واليسار الصهيونية. لكن حتى غولان يرى أن تحقيق رؤية الدولتين سيكون بالغ الصعوبة في المدى القريب، بالنظر إلى الندوب المتبادلة التي خلفها 7 أكتوبر/تشرين الأول والحرب التي أعقبته.
وبالتالي، فمن المستبعد للغاية أن يغير آيزنكوت وشركاؤه السياسة الخارجية والأمنية الإسرائيلية تغييرًا جوهريًا إذا هزموا نتنياهو. وسيكون من الوهم، على سبيل المثال، أن يتوقع أي شخص أن تتعاون الحكومة الإسرائيلية المقبلة طوعًا مع الإجراءات الجارية أمام المحاكم الدولية في لاهاي، وأن تفتح تحقيقًا شاملًا في مزاعم ارتكاب الجيش الإسرائيلي جرائم حرب في قطاع غزة. ولا يعني هذا عدم وجود فرص أمام آيزنكوت لتغيير اتجاه البلاد — ولا سيما إذا تدخل ترامب.
كبح جماح المستوطنين
إحدى ساحات السياسة التي تزداد كارثية والتي سيتعين على آيزنكوت مواجهتها هي الضفة الغربية. فعلى مدى السنوات الأربع الماضية، كانت هذه المنطقة تحت سيطرة بتسلئيل سموتريتش، زعيم حزب الصهيونية الدينية، الذي يشغل في الوقت نفسه منصب وزير المالية والوزير المسؤول عن الضفة الغربية. وعلى الرغم من أن صلاحياته الرسمية تشمل الشؤون المدنية فقط ولا تمتد إلى السياسة العسكرية، فإن نتنياهو منحه حرية تصرف كاملة، وقد استغل سموتريتش ذلك إلى أقصى حد. وبموافقة الحكومة — أو غضّها الطرف — غيّر الواقع على الأرض في الضفة الغربية تغييرًا كاملًا. فمنذ عام 2023، بُنيت أو يجري بناء أكثر من 200 مستوطنة وبؤرة استيطانية جديدة. وفي بعض الحالات، أدت هذه المستوطنات إلى تهجير أصحاب الأراضي الفلسطينيين الأصليين.
وتجمع حملة المستوطنين للسيطرة على الأراضي الآن بين ذراع سياسية وذراع عسكرية تزداد قوة. ويضم الجناح السياسي وزراء وأعضاء في الكنيست ورؤساء مجالس إقليمية، في حين يتمثل الجناح العسكري الآن في مجموعة عنيفة تضم قرابة 1,000 مستوطن، معظمهم من الشباب (على الرغم من أن نتنياهو وصفهم بأنهم «نحو 70 شابًا مشوشًا»). وأصبحت هذه المجموعة مسلحة على نحو متزايد: فقد وسّع وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف، إيتمار بن غفير، منذ عام 2023 إمكانية حصول المستوطنين على البنادق والأسلحة. وينأى الحلفاء السياسيون للمستوطنين بأنفسهم أحيانًا عن أفعال الجناح العسكري، وفي حالات نادرة يدينونها حتى. لكنهم في الواقع يعملون جميعًا لتحقيق الهدف نفسه: الاستيلاء على الأراضي والطرد، وهو ما يصل في أكثر أشكاله تطرفًا إلى حد التطهير العرقي المحلي.
وفي الأشهر الأخيرة، غرقت الضفة الغربية في الفوضى، في ظل تردد الجيش والشرطة في مواجهة المستوطنين العنيفين، الذين يعيثون فسادًا كما يحلو لهم. وكلما أدى هذا النهج إلى تدمير المنازل والسيارات والمساجد الفلسطينية وقتل الفلسطينيين، ازداد سيل الانتقادات من الحكومات الأجنبية. (وكما أفادت صحيفة هآرتس، ازدادت الهجمات ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية بصورة هائلة منذ عام 2023، مع تدمير عشرات التجمعات وإصابة مئات الفلسطينيين). وحتى سفير ترامب لدى إسرائيل، مايك هاكابي، الذي يصف نفسه علنًا بأنه صديق للمشروع الاستيطاني، أدان العنف علنًا وحث الحكومة على كبح المتطرفين. لكن عمليًا، يتعامل كل من سموتريتش ومثيري الشغب مع هذه الإدانات باعتبارها ظاهرة عابرة: إذ لم يُمنحوا أي سبب يدفعهم إلى الاعتقاد بأن هذا الضغط يمكن أن يهدد موقعهم.
وكثيرًا ما تتحسر وسائل الإعلام الإسرائيلية على الضرر الذي يلحقه هذا العنف بالدبلوماسية العامة الإسرائيلية في الخارج. لكن ذلك يغفل جوهر المسألة: فعنف المستوطنين في الضفة الغربية ظلم أخلاقي يفاقم المعاناة الناجمة عن الاستخدام المفرط للقوة في غزة ردًا على مجزرة 7 أكتوبر/تشرين الأول. وإذا سُمح لهذا المسار بالاستمرار، فقد يعني أيضًا خسارة حقيقية للسيطرة العسكرية المركزية للجيش الإسرائيلي، مع خضوع الضفة الغربية بصورة متزايدة لقوات ميليشياوية خارجة عن القانون.
ويمكن لحكومة إسرائيلية وسطية جديدة، على الأقل، أن تبدأ بكبح المتطرفين. وسيكون وقف التوسع الاستيطاني خطوة مهمة وقابلة للتحقيق، لكن ذلك وحده لن يحل الأزمة. فقد وزّع سموتريتش وشركاؤه المستوطنات الجديدة في مواقع ذات أهمية تكتيكية كبيرة، وفصلوا عمدًا بين المناطق الخاضعة للسيطرة الفلسطينية بهدف تعطيل التواصل الجغرافي الذي يمكن أن يشكل يومًا ما أساسًا لدولة فلسطينية. وليس من الواضح أن من السهل عكس ذلك. وعلى الرغم من أن الحكومات التي قادها نتنياهو وافقت، في مناسبات نادرة جدًا، على إجراءات محدودة لتفكيك بؤر استيطانية، سواء تحت ضغط دولي أو نتيجة أحكام قضائية، فقد مر أكثر من 20 عامًا منذ آخر عملية إخلاء واسعة النطاق للمستوطنين الإسرائيليين، عندما أُخرج نحو 9,000 منهم من قطاع غزة عام 2005 تحت قيادة أرييل شارون. علاوة على ذلك، وبالنظر إلى عدد ضباط وجنود الجيش الإسرائيلي الذين باتوا الآن يتماهَون مع المستوطنين وأحزاب اليمين الديني، فإن أي أمر بإخلاء حتى عدد قليل من المستوطنات يمكن أن يؤدي إلى عصيان واسع النطاق.
لكن القضية الأكثر إلحاحًا هي إدارة الحياة اليومية. فعلى مر السنين، وبكثافة أكبر خلال حقبة سموتريتش وبموافقة نتنياهو، أحكم المستوطنون قبضتهم على الإدارة العسكرية للأراضي. وتعمل شخصيات بارزة في قيادة المستوطنين فعليًا على صياغة السياسات، والتأثير في قرارات قادة الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، وممارسة الضغط من وراء الكواليس حتى يتمكن المتطرفون المتورطون في أعمال إرهابية ومضايقات ضد الفلسطينيين من مواصلة أفعالهم من دون تدخل.
ومنذ بدء حقبة نتنياهو — إذ ظل في السلطة طوال الفترة منذ عام 2009 باستثناء عام ونصف العام — تغيرت تدريجيًا البنية التنظيمية الداخلية للجيش الإسرائيلي نفسه. وفي السنوات الأخيرة، برز اتجاه واضح نحو ترقية الضباط المقربين من نتنياهو أو المستوطنين أو كليهما. وكان من أبرز الأمثلة قرار رئيس الوزراء تعيين ضابط وصفه بأنه «كتوم ومخلص» — سكرتيره العسكري، اللواء رومان غوفمان — رئيسًا للموساد، جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي، وتعيين ضابط آخر ذي آراء دينية وأيديولوجية متشددة، اللواء دافيد زيني، رئيسًا لجهاز الأمن الداخلي «الشاباك».
وإلى جانب شخصيات مخضرمة أخرى في المؤسسة الأمنية، ينظر آيزنكوت بلا شك إلى الوضع في الضفة الغربية باعتباره تهديدًا وشيكًا لمستقبل إسرائيل، رغم أنه ظل متحفظًا بشأن هذه القضية في العلن، وليس واضحًا إلى أي مدى هو مستعد للذهاب في معالجتها. ويمكنه بالتأكيد، على سبيل المثال، استخدام الاعتقال الإداري بحق أكثر المستوطنين عنفًا، والبدء بفرض المساءلة من خلال تحقيقات تجريها الشرطة والشاباك في الهجمات الكبرى. وفي الوقت الحالي، يبدو من غير المرجح أن ينفذ هو وشركاؤه عملية تطهير للرتب العليا في الجيش، أو أن يقيلوا الضباط الذين تعاونوا بصورة مفرطة مع المستوطنين العنيفين. فعلى خلاف الولايات المتحدة، لا تمتلك إسرائيل تقليدًا يقوم على إقالة كبار المسؤولين العموميين عندما تنتقل السلطة السياسية من طرف إلى آخر. ولأن آيزنكوت سبق أن قاد العديد من هؤلاء الضباط عندما كان رئيسًا للأركان، فمن المرجح أنه يعتقد أنه يستطيع إعادة فرض سلطته عليهم بدلًا من استبدالهم بالكامل.
وتجمع حملة المستوطنين للسيطرة على الأراضي الآن بين ذراع سياسية وذراع عسكرية تزداد قوة. ويضم الجناح السياسي وزراء وأعضاء في الكنيست ورؤساء مجالس إقليمية، في حين يتمثل الجناح العسكري الآن في مجموعة عنيفة تضم قرابة 1,000 مستوطن، معظمهم من الشباب (على الرغم من أن نتنياهو وصفهم بأنهم «نحو 70 شابًا مشوشًا»). وأصبحت هذه المجموعة مسلحة على نحو متزايد: فقد وسّع وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف، إيتمار بن غفير، منذ عام 2023 إمكانية حصول المستوطنين على البنادق والأسلحة. وينأى الحلفاء السياسيون للمستوطنين بأنفسهم أحيانًا عن أفعال الجناح العسكري، وفي حالات نادرة يدينونها حتى. لكنهم في الواقع يعملون جميعًا لتحقيق الهدف نفسه: الاستيلاء على الأراضي والطرد، وهو ما يصل في أكثر أشكاله تطرفًا إلى حد التطهير العرقي المحلي.
وفي الأشهر الأخيرة، غرقت الضفة الغربية في الفوضى، في ظل تردد الجيش والشرطة في مواجهة المستوطنين العنيفين، الذين يعيثون فسادًا كما يحلو لهم. وكلما أدى هذا النهج إلى تدمير المنازل والسيارات والمساجد الفلسطينية وقتل الفلسطينيين، ازداد سيل الانتقادات من الحكومات الأجنبية. (وكما أفادت صحيفة هآرتس، ازدادت الهجمات ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية بصورة هائلة منذ عام 2023، مع تدمير عشرات التجمعات وإصابة مئات الفلسطينيين). وحتى سفير ترامب لدى إسرائيل، مايك هاكابي، الذي يصف نفسه علنًا بأنه صديق للمشروع الاستيطاني، أدان العنف علنًا وحث الحكومة على كبح المتطرفين. لكن عمليًا، يتعامل كل من سموتريتش ومثيري الشغب مع هذه الإدانات باعتبارها ظاهرة عابرة: إذ لم يُمنحوا أي سبب يدفعهم إلى الاعتقاد بأن هذا الضغط يمكن أن يهدد موقعهم.
وكثيرًا ما تتحسر وسائل الإعلام الإسرائيلية على الضرر الذي يلحقه هذا العنف بالدبلوماسية العامة الإسرائيلية في الخارج. لكن ذلك يغفل جوهر المسألة: فعنف المستوطنين في الضفة الغربية ظلم أخلاقي يفاقم المعاناة الناجمة عن الاستخدام المفرط للقوة في غزة ردًا على مجزرة 7 أكتوبر/تشرين الأول. وإذا سُمح لهذا المسار بالاستمرار، فقد يعني أيضًا خسارة حقيقية للسيطرة العسكرية المركزية للجيش الإسرائيلي، مع خضوع الضفة الغربية بصورة متزايدة لقوات ميليشياوية خارجة عن القانون.
ويمكن لحكومة إسرائيلية وسطية جديدة، على الأقل، أن تبدأ بكبح المتطرفين. وسيكون وقف التوسع الاستيطاني خطوة مهمة وقابلة للتحقيق، لكن ذلك وحده لن يحل الأزمة. فقد وزّع سموتريتش وشركاؤه المستوطنات الجديدة في مواقع ذات أهمية تكتيكية كبيرة، وفصلوا عمدًا بين المناطق الخاضعة للسيطرة الفلسطينية بهدف تعطيل التواصل الجغرافي الذي يمكن أن يشكل يومًا ما أساسًا لدولة فلسطينية. وليس من الواضح أن من السهل عكس ذلك. وعلى الرغم من أن الحكومات التي قادها نتنياهو وافقت، في مناسبات نادرة جدًا، على إجراءات محدودة لتفكيك بؤر استيطانية، سواء تحت ضغط دولي أو نتيجة أحكام قضائية، فقد مر أكثر من 20 عامًا منذ آخر عملية إخلاء واسعة النطاق للمستوطنين الإسرائيليين، عندما أُخرج نحو 9,000 منهم من قطاع غزة عام 2005 تحت قيادة أرييل شارون. علاوة على ذلك، وبالنظر إلى عدد ضباط وجنود الجيش الإسرائيلي الذين باتوا الآن يتماهَون مع المستوطنين وأحزاب اليمين الديني، فإن أي أمر بإخلاء حتى عدد قليل من المستوطنات يمكن أن يؤدي إلى عصيان واسع النطاق.
لكن القضية الأكثر إلحاحًا هي إدارة الحياة اليومية. فعلى مر السنين، وبكثافة أكبر خلال حقبة سموتريتش وبموافقة نتنياهو، أحكم المستوطنون قبضتهم على الإدارة العسكرية للأراضي. وتعمل شخصيات بارزة في قيادة المستوطنين فعليًا على صياغة السياسات، والتأثير في قرارات قادة الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، وممارسة الضغط من وراء الكواليس حتى يتمكن المتطرفون المتورطون في أعمال إرهابية ومضايقات ضد الفلسطينيين من مواصلة أفعالهم من دون تدخل.
ومنذ بدء حقبة نتنياهو — إذ ظل في السلطة طوال الفترة منذ عام 2009 باستثناء عام ونصف العام — تغيرت تدريجيًا البنية التنظيمية الداخلية للجيش الإسرائيلي نفسه. وفي السنوات الأخيرة، برز اتجاه واضح نحو ترقية الضباط المقربين من نتنياهو أو المستوطنين أو كليهما. وكان من أبرز الأمثلة قرار رئيس الوزراء تعيين ضابط وصفه بأنه «كتوم ومخلص» — سكرتيره العسكري، اللواء رومان غوفمان — رئيسًا للموساد، جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي، وتعيين ضابط آخر ذي آراء دينية وأيديولوجية متشددة، اللواء دافيد زيني، رئيسًا لجهاز الأمن الداخلي «الشاباك».
وإلى جانب شخصيات مخضرمة أخرى في المؤسسة الأمنية، ينظر آيزنكوت بلا شك إلى الوضع في الضفة الغربية باعتباره تهديدًا وشيكًا لمستقبل إسرائيل، رغم أنه ظل متحفظًا بشأن هذه القضية في العلن، وليس واضحًا إلى أي مدى هو مستعد للذهاب في معالجتها. ويمكنه بالتأكيد، على سبيل المثال، استخدام الاعتقال الإداري بحق أكثر المستوطنين عنفًا، والبدء بفرض المساءلة من خلال تحقيقات تجريها الشرطة والشاباك في الهجمات الكبرى. وفي الوقت الحالي، يبدو من غير المرجح أن ينفذ هو وشركاؤه عملية تطهير للرتب العليا في الجيش، أو أن يقيلوا الضباط الذين تعاونوا بصورة مفرطة مع المستوطنين العنيفين. فعلى خلاف الولايات المتحدة، لا تمتلك إسرائيل تقليدًا يقوم على إقالة كبار المسؤولين العموميين عندما تنتقل السلطة السياسية من طرف إلى آخر. ولأن آيزنكوت سبق أن قاد العديد من هؤلاء الضباط عندما كان رئيسًا للأركان، فمن المرجح أنه يعتقد أنه يستطيع إعادة فرض سلطته عليهم بدلًا من استبدالهم بالكامل.
عامل ترامب
ستتاح أمام قيادة إسرائيلية جديدة فرص على جبهات أخرى أيضًا. ففي غزة، ستكون حكومة برئاسة آيزنكوت أقل تقييدًا باعتبارات الصورة والاعتزاز الوطني. فآيزنكوت لم يَعِد قط بـ«النصر الكامل» على حماس كما فعل نتنياهو، وقد انتقد رئيس الوزراء علنًا بسبب الأوهام التي روّجها بين الجمهور الإسرائيلي بشأن ما يمكن تحقيقه. وبما أنه غير مثقل بالمسؤولية المباشرة عن كارثة 7 أكتوبر/تشرين الأول، ولم يعلن قط حربًا شاملة على السلطة الفلسطينية، فمن المرجح أن تكون لديه مساحة أكبر للمناورة في مناقشة الترتيبات التي سعى ترامب و«مجلس السلام» الدولي إلى وضعها لغزة.
ومن المعقول افتراض أن آيزنكوت لن يستخدم حق النقض ضد منح السلطة الفلسطينية دورًا أكثر نشاطًا في غزة. وقد يفتح ذلك في نهاية المطاف الطريق، مهما كان ببطء وحذر، أمام ظهور قيادة فلسطينية بديلة. لكنه، مثل نتنياهو، سيجد صعوبة في قبول وجود عسكري لحماس في القطاع، وربما لن يكون قادرًا على تقبل سوى دور سياسي محدود للمنظمة، حتى مع نزع سلاحها بالكامل — وهو في حد ذاته تحدٍ هائل. ومثل أي زعيم إسرائيلي آخر، سيجد صعوبة سياسية بالغة في تبرير انسحاب كامل من القطاع من شأنه أن يترك التجمعات الإسرائيلية الواقعة على طول الحدود عرضة نسبيًا لتوغل آخر من غزة. ولذلك، فإن أفضل سيناريو معقول وأكثره ترجيحًا سيكون منطقة سيطرة إسرائيلية أصغر حجمًا، لكنها تظل كبيرة، في غزة، ترافقها خطط تدريجية لنوع من مشاركة السلطة الفلسطينية الخاضعة لإشراف دولي في النصف غير المحتل.
وفي لبنان وسوريا أيضًا، ستتمتع حكومة إسرائيلية جديدة بمرونة أكبر مما أتاحه نتنياهو لنفسه. ومن شبه المؤكد أن آيزنكوت سيضع شروطًا صارمة لنزع سلاح حزب الله. لكنه، على خلاف نتنياهو، يدرك قيمة إنهاء المواجهات العسكرية ويفضل ذلك على إبقاء الجبهات مفتوحة إلى أجل غير مسمى. وفي هذا الصدد أيضًا، قد يكون هناك مجال لإحراز تقدم دبلوماسي إذا أراد ترامب ذلك.
وتوفر سوريا بالفعل فرصة حقيقية: فكما ورد في تقارير خلال الأشهر الأخيرة، يهتم الشرع بالتوصل إلى ترتيب أمني يتضمن انسحابًا إسرائيليًا من الأراضي التي استولت عليها إسرائيل من سوريا عام 2024 مقابل تطبيع جزئي للعلاقات. ويمكن لآيزنكوت أن ينظر إلى ذلك باعتباره ترتيبًا مؤقتًا معقولًا ينطوي على مخاطر محدودة بطبيعته. ومن الممكن أيضًا أن ينظر ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى حكومة آيزنكوت باعتبارها طيًا لصفحة القيادة اليمينية الإسرائيلية السامة، وأن يكون أكثر استعدادًا لبدء مفاوضات نحو التطبيع.
لكن في جميع هذه الحالات، سيعتمد ما يتم إنجازه فعليًا، إلى حد كبير، على طبيعة التفاهم بين رئيس الوزراء الإسرائيلي المقبل والرئيس الأميركي. فخلال ولايته الأولى وفي بداية ولايته الثانية، كانت لترامب علاقة وثيقة بنتنياهو، لكن الأمور ساءت منذ ذلك الحين. وبتحريض من نتنياهو، أصبحت الإدارة الأميركية متورطة في حرب في إيران استمرت بالفعل نحو ستة أشهر، في تناقض كامل مع كل ما ظل ترامب يدعو إليه لسنوات. وقد رفض الرئيس الأميركي ودائرته المناشدات المتكررة من نتنياهو للعودة إلى حرب شاملة مع طهران — رغم أن هذا الاحتمال لا يزال قائمًا — ويلقون باللوم بصورة دورية على الزعيم الإسرائيلي في فشل الحرب.
وفي خضم هذه الفوضى، يبحث ترامب عن انتصار دبلوماسي في إحدى الساحات الأخرى في الشرق الأوسط — لبنان أو قطاع غزة. وفي كلتا الحالتين، مارس ضغطًا محدودًا على نتنياهو لكبح العمليات الهجومية ضد حزب الله وحماس. ولا يمكن استبعاد اتخاذ خطوات أكثر دراماتيكية في مرحلة ما — بما في ذلك مطالب أميركية بانسحاب الجيش الإسرائيلي من بعض الأراضي التي استولى عليها في جنوب لبنان وغزة، من دون الإصرار في الوقت نفسه على الوفاء في المستقبل القريب بالوعود المتعلقة بنزع سلاح حزب الله وحماس. وفي الوقت الراهن، تبدو هذه السيناريوهات غير مرجحة. ومن شأن مثل هذا الضغط من ترامب أن يمثل كارثة سياسية لنتنياهو، وأن يؤكد بصورة أكبر مدى كون وعوده بـ«النصر الكامل» مجرد أوهام فارغة.
أما بالنسبة إلى حكومة آيزنكوت، فقد يوفر النوع المناسب من الضغط الأميركي فرصة لإنهاء بعض الجبهات تدريجيًا، ولا سيما إذا كانت هناك قضية محددة بصورة أضيق يمكن لترامب أن ينسب الفضل فيها إلى نفسه، وتتحقق من خلالها المصالح الإسرائيلية. وعلى نحو أكثر طموحًا، قد تكون هناك فرصة للتراجع عن استراتيجية نتنياهو القائمة على الحرب المستمرة. لكن الكثير يتوقف على ما إذا كان رئيس الوزراء الجديد قادرًا على إيجاد قدر من الانسجام مع الرئيس الأميركي. وبالمقارنة مع نتنياهو، يمتلك آيزنكوت خبرة دبلوماسية ضئيلة، وباستثناء رؤساء الأركان، فإنه بالكاد التقى بأي مسؤولين أجانب رفيعي المستوى. وعلى خلاف نتنياهو، يفتقر أيضًا تمامًا إلى ذلك النوع من الكاريزما الظاهرة التي تجذب ترامب عند تعامله مع القادة الآخرين. وإذا انسحب الرئيس الأميركي من الانخراط في المنطقة، فهناك خطر من أن تتعثر أي تغييرات مهمة في السياسة الإسرائيلية.
وقد يكون أول اجتماع في البيت الأبيض بين الرئيس ورئيس وزراء إسرائيلي جديد تجربة محرجة. فقد يفتقد ترامب الإنجليزية الأميركية المصقولة لنتنياهو وانخراطه الحزبي في السياسة الأميركية. (ويُشار إلى نتنياهو مازحًا في أوساط واشنطن باسم «السيناتور الجمهوري من القدس»). لكن إذا اقتضت الضرورة، فسيتكيف الرئيس الأميركي مع آيزنكوت الأكثر تحفظًا وإنجليزيته الأبسط. ففي نهاية المطاف، يحب ترامب الفائزين سياسيًا. وسيكسب آيزنكوت رصيدًا لديه — إذا تمكن فقط من الفوز في الانتخابات.
ومن المعقول افتراض أن آيزنكوت لن يستخدم حق النقض ضد منح السلطة الفلسطينية دورًا أكثر نشاطًا في غزة. وقد يفتح ذلك في نهاية المطاف الطريق، مهما كان ببطء وحذر، أمام ظهور قيادة فلسطينية بديلة. لكنه، مثل نتنياهو، سيجد صعوبة في قبول وجود عسكري لحماس في القطاع، وربما لن يكون قادرًا على تقبل سوى دور سياسي محدود للمنظمة، حتى مع نزع سلاحها بالكامل — وهو في حد ذاته تحدٍ هائل. ومثل أي زعيم إسرائيلي آخر، سيجد صعوبة سياسية بالغة في تبرير انسحاب كامل من القطاع من شأنه أن يترك التجمعات الإسرائيلية الواقعة على طول الحدود عرضة نسبيًا لتوغل آخر من غزة. ولذلك، فإن أفضل سيناريو معقول وأكثره ترجيحًا سيكون منطقة سيطرة إسرائيلية أصغر حجمًا، لكنها تظل كبيرة، في غزة، ترافقها خطط تدريجية لنوع من مشاركة السلطة الفلسطينية الخاضعة لإشراف دولي في النصف غير المحتل.
وفي لبنان وسوريا أيضًا، ستتمتع حكومة إسرائيلية جديدة بمرونة أكبر مما أتاحه نتنياهو لنفسه. ومن شبه المؤكد أن آيزنكوت سيضع شروطًا صارمة لنزع سلاح حزب الله. لكنه، على خلاف نتنياهو، يدرك قيمة إنهاء المواجهات العسكرية ويفضل ذلك على إبقاء الجبهات مفتوحة إلى أجل غير مسمى. وفي هذا الصدد أيضًا، قد يكون هناك مجال لإحراز تقدم دبلوماسي إذا أراد ترامب ذلك.
وتوفر سوريا بالفعل فرصة حقيقية: فكما ورد في تقارير خلال الأشهر الأخيرة، يهتم الشرع بالتوصل إلى ترتيب أمني يتضمن انسحابًا إسرائيليًا من الأراضي التي استولت عليها إسرائيل من سوريا عام 2024 مقابل تطبيع جزئي للعلاقات. ويمكن لآيزنكوت أن ينظر إلى ذلك باعتباره ترتيبًا مؤقتًا معقولًا ينطوي على مخاطر محدودة بطبيعته. ومن الممكن أيضًا أن ينظر ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى حكومة آيزنكوت باعتبارها طيًا لصفحة القيادة اليمينية الإسرائيلية السامة، وأن يكون أكثر استعدادًا لبدء مفاوضات نحو التطبيع.
لكن في جميع هذه الحالات، سيعتمد ما يتم إنجازه فعليًا، إلى حد كبير، على طبيعة التفاهم بين رئيس الوزراء الإسرائيلي المقبل والرئيس الأميركي. فخلال ولايته الأولى وفي بداية ولايته الثانية، كانت لترامب علاقة وثيقة بنتنياهو، لكن الأمور ساءت منذ ذلك الحين. وبتحريض من نتنياهو، أصبحت الإدارة الأميركية متورطة في حرب في إيران استمرت بالفعل نحو ستة أشهر، في تناقض كامل مع كل ما ظل ترامب يدعو إليه لسنوات. وقد رفض الرئيس الأميركي ودائرته المناشدات المتكررة من نتنياهو للعودة إلى حرب شاملة مع طهران — رغم أن هذا الاحتمال لا يزال قائمًا — ويلقون باللوم بصورة دورية على الزعيم الإسرائيلي في فشل الحرب.
وفي خضم هذه الفوضى، يبحث ترامب عن انتصار دبلوماسي في إحدى الساحات الأخرى في الشرق الأوسط — لبنان أو قطاع غزة. وفي كلتا الحالتين، مارس ضغطًا محدودًا على نتنياهو لكبح العمليات الهجومية ضد حزب الله وحماس. ولا يمكن استبعاد اتخاذ خطوات أكثر دراماتيكية في مرحلة ما — بما في ذلك مطالب أميركية بانسحاب الجيش الإسرائيلي من بعض الأراضي التي استولى عليها في جنوب لبنان وغزة، من دون الإصرار في الوقت نفسه على الوفاء في المستقبل القريب بالوعود المتعلقة بنزع سلاح حزب الله وحماس. وفي الوقت الراهن، تبدو هذه السيناريوهات غير مرجحة. ومن شأن مثل هذا الضغط من ترامب أن يمثل كارثة سياسية لنتنياهو، وأن يؤكد بصورة أكبر مدى كون وعوده بـ«النصر الكامل» مجرد أوهام فارغة.
أما بالنسبة إلى حكومة آيزنكوت، فقد يوفر النوع المناسب من الضغط الأميركي فرصة لإنهاء بعض الجبهات تدريجيًا، ولا سيما إذا كانت هناك قضية محددة بصورة أضيق يمكن لترامب أن ينسب الفضل فيها إلى نفسه، وتتحقق من خلالها المصالح الإسرائيلية. وعلى نحو أكثر طموحًا، قد تكون هناك فرصة للتراجع عن استراتيجية نتنياهو القائمة على الحرب المستمرة. لكن الكثير يتوقف على ما إذا كان رئيس الوزراء الجديد قادرًا على إيجاد قدر من الانسجام مع الرئيس الأميركي. وبالمقارنة مع نتنياهو، يمتلك آيزنكوت خبرة دبلوماسية ضئيلة، وباستثناء رؤساء الأركان، فإنه بالكاد التقى بأي مسؤولين أجانب رفيعي المستوى. وعلى خلاف نتنياهو، يفتقر أيضًا تمامًا إلى ذلك النوع من الكاريزما الظاهرة التي تجذب ترامب عند تعامله مع القادة الآخرين. وإذا انسحب الرئيس الأميركي من الانخراط في المنطقة، فهناك خطر من أن تتعثر أي تغييرات مهمة في السياسة الإسرائيلية.
وقد يكون أول اجتماع في البيت الأبيض بين الرئيس ورئيس وزراء إسرائيلي جديد تجربة محرجة. فقد يفتقد ترامب الإنجليزية الأميركية المصقولة لنتنياهو وانخراطه الحزبي في السياسة الأميركية. (ويُشار إلى نتنياهو مازحًا في أوساط واشنطن باسم «السيناتور الجمهوري من القدس»). لكن إذا اقتضت الضرورة، فسيتكيف الرئيس الأميركي مع آيزنكوت الأكثر تحفظًا وإنجليزيته الأبسط. ففي نهاية المطاف، يحب ترامب الفائزين سياسيًا. وسيكسب آيزنكوت رصيدًا لديه — إذا تمكن فقط من الفوز في الانتخابات.
