يرى مقال كومفورت إيرو في مجلة Foreign Policy أن العالم يدخل مرحلة أكثر خطورة مع استمرار الحروب وتكاثر النزاعات دون حلول دائمة، حيث لم ينجح عام 2025 في كبح العنف، ولا يبدو عام 2026 أفضل حالًا. ويحلّل المقال عودة دونالد ترامب إلى الحكم بوصفها عاملًا زاد من اضطراب النظام الدولي بدل تهدئته؛ فبينما أعادت صفقاته تسليط الضوء على وقف إطلاق النار والدبلوماسية السريعة، فإنها أنتجت هدنًا هشّة بلا سلام مستدام، ورافقتها نزعة متزايدة نحو سياسة مناطق النفوذ، وتراجع الالتزام بالقانون الدولي والعمل متعدد الأطراف. ويحذّر الكاتب من أن هذا المسار، إلى جانب ضعف الدبلوماسية التقليدية، وتآكل نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، قد يفتح الباب أمام مغامرات توسعية وتصعيد خطير في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، ما يجعل العالم أقرب إلى عصر جديد من الفوضى والصراع المفتوح.
10 Conflicts to Watch in 2026
كان عام 2025 عامًا دمويًا. ولا يبدو أن عام 2026 سيحمل ما هو أفضل بكثير. على مدار العام الماضي، استمر القتال محتدمًا في أوكرانيا والسودان وميانمار ومنطقة الساحل، وكذلك في صراعات العصابات على النفوذ في هايتي. انتهت الحرب في غزة، ولكن فقط بعد أن استأنفت إسرائيل هجومها في مارس، ودمرت ما تبقّى من القطاع إلى حدٍّ كبير. تبادلت إسرائيل وإيران الضربات، قبل أن تنخرط الولايات المتحدة في القتال في نهاية المطاف. واندلعت اشتباكات بين تايلاند وكمبوديا على طول حدودهما المتنازع عليها، كما حدث أيضًا بين أفغانستان وباكستان. وشهدت الهند وباكستان تبادلًا لإطلاق النار كان الأسوأ منذ عقود. ومن خلال وكلاء متمردين، قام الرئيس الرواندي بول كاغامي، عمليًا، بضمّ مقاطعتي كيفو الشمالية والجنوبية في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية.
هذا العنف الذي اجتاح العام الماضي، والذي يُظهره هذا السرد بوضوح، مرشّح للاستمرار في العام المقبل، وليس في ذلك ما يدعو إلى الدهشة. فمنذ فترة، تشهد النزاعات حول العالم تصاعدًا ملحوظًا، وتندلع الحروب الكبرى بوتيرة مقلقة.
الأقل قابلية للتنبؤ كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي قلب عودته إلى البيت الأبيض خلال عامه الأول موازين السياسة العالمية وإدارة الأزمات الدولية. عاد ترامب إلى السلطة متعهدًا بإحلال السلام في عالم مشتعل. ووضع نفسه في قلب العديد من الحروب وبؤر التوتر، وأعاد تسليط الضوء على جهود صنع السلام بعد سنوات من تعثر المساعي الدبلوماسية لإنهاء النزاعات.
لكن ترامب لم ينجح في تهدئة الاضطراب العالمي الذي ندد به خلال حملته الانتخابية، بل إنه في بعض الحالات فاقمه. فقد جلبت صفقاته، التي غالبًا ما بُنيت على دبلوماسية دول أخرى، بعض الهدوء المؤقت إلى بعض ساحات القتال، لكنها لم تحقق سلامًا دائمًا في أي مكان. والأسوأ من ذلك، أنه إلى جانب الضربات على إيران، نشرت إدارته أسطولًا من السفن الحربية في جنوب البحر الكاريبي، ودمّرت قوارب صغيرة يُزعم أنها تُهرّب المخدرات، وهددت بإطاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان ترامب يطمح فعلًا إلى سياسة مناطق النفوذ خارج نصف الكرة الغربي، لكن الإشارات المتضاربة تنذر بكوارث في أوروبا ومنطقة آسيا–المحيط الهادئ. فخروجه على القواعد، ونزعته التعديلية، واستخدامه المتساهل للقوة، كلها تهدد بتطبيع فكرة أن الحرب وسيلة مقبولة للدول القوية لتحقيق أهدافها.
لنبدأ بصنع السلام. هنا، قد يكون نهج ترامب غير التقليدي ميزة. فمن الصعب تخيّل زعيم أميركي آخر يلتقي الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع بينما كان لا يزال مصنّفًا إرهابيًا من قبل الولايات المتحدة، أو يتحرك بسرعة بعد ذلك لتقديم تخفيف حيوي للعقوبات على سوريا. كما أن مبعوثي الرئيس، الذين غالبًا ما يكونون أصدقاء أو أقارب ولديهم خط اتصال مباشر معه، قادرون على التحرك بسرعة وتحمل المخاطر.
غير أن الوجه الآخر لعدم التقليدية هو قلّة الخبرة. فقد ضاقت نافذة تقييد البرنامج النووي الإيراني عبر الدبلوماسية، حتى قبل الضربات الإسرائيلية، على ما يبدو بسبب عدم تحديد الإدارة لخطوطها الحمراء مسبقًا. ومن حيث المبدأ، فإن الدبلوماسية المكوكية بين روسيا وأوكرانيا — حيث يطرح المسؤولون الأميركيون أفكارًا على أحد الطرفين، ثم يعدّلونها خلال النقاش مع الطرف الآخر، ويحاولون بعدها ردم الفجوات — ليست طريقة سيئة لاختبار ما إذا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستعدًا لقبول اتفاق يحفظ سيادة أوكرانيا. لكن الدبلوماسية تلوثت إلى حد كبير بالارتباك، وتسريبات ذات دوافع سياسية، وشكوك في كييف والعواصم الأوروبية بشأن نوايا ترامب، بحيث إن أي فرصة قد تفتحها استعداده للتواصل مع بوتين قد تُهدر بالفعل.
إن تعطّش ترامب للصفقات السريعة قد يكون صادمًا، لكنه ليس دائمًا النهج الخاطئ. فالاتفاقات في غزة، ومنطقة البحيرات العظمى، وبين كمبوديا وتايلاند، على سبيل المثال، ينبغي النظر إليها على حقيقتها: اتفاقات لوقف إطلاق النار أو أطر عامة تترك النزاعات الجوهرية دون حل، وغالبًا ما تُلقي عبء العمل الشاق على أطراف أخرى. إنها ليست اتفاقات سلام — على الأقل ليس بعد.
لكن قادة العالم يعانون منذ سنوات في إيجاد تسويات دائمة للحروب الدائرة حول العالم. فقد ساعدت دبلوماسية مفيدة، قادتها غالبًا دول الخليج العربية أو تركيا أو قوى غير غربية أخرى، في إبرام هدنات محلية، وإيصال المساعدات، وإخراج الرهائن، وإدارة مخاطر التداعيات. غير أنه حيثما انتهى القتال، فقد انزلق في الغالب إلى فترات هدوء هشّة، أو لم يتوقف إلا عندما حسم أحد الأطراف الصراع لصالحه. أما نمط اتفاقيات السلام الشاملة التي أنهت سلسلة من النزاعات في تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية، فقد بات بعيد المنال إلى حد كبير منذ ذلك الحين. ففي لحظة عالمية تتسم بالسيولة، قلّما يكون المتحاربون مستعدين لتقديم تنازلات دائمة لخصومهم، طالما أن الرياح الجيوسياسية قد تتغير وتتيح فرصة للقضاء عليهم نهائيًا.
من هذا المنظور، قد يكون السبيل الوحيد للخروج من بعض الحروب هو تأجيل التفاصيل إلى وقت لاحق، والتوصل إلى أي هدنة ممكنة، ثم محاولة البناء عليها. هذا النهج لن ينجح في كل مكان. فقد يرغب أطراف النزاع في رؤية أوضح للمستقبل قبل وقف القتال، خاصة إذا كانوا يتمتعون بتفوق عسكري. لكن في كثير من ساحات القتال اليوم، سيكون صنع السلام — إن حدث — تدريجيًا، مع نهاية غير محددة المعالم تُصاغ أثناء المسار.
تكمن الخطورة في أن الحلول القصيرة الأمد قد تنهار أو تتجمّد. فوقف إطلاق النار القبيح في غزة — حيث يُحشر الفلسطينيون في ظروف مروّعة تحت حكم حماس المستمر في أقل من نصف القطاع (ما يورد هنا يكون من رأي الكاتب فقط)، بينما تسيطر إسرائيل على الباقي، وتمنع إعادة الإعمار وتواصل ضرباتها — لا يمكن الدفاع عنه إلا باعتباره محطة مؤقتة نحو شيء أفضل. وبالمثل، لا يمكن أن يكون الاتفاق الذي يترك وكلاء رواندا مسيطرين على إقليمي كيفو نهاية الطريق.
تهدف صفقات ترامب إلى تسخير القوة الأميركية — سواء عبر استغلال اعتماد إسرائيل على واشنطن في حالة غزة، أو في أماكن أخرى من خلال التهديد بالرسوم الجمركية أو التلويح بفرص تجارية. لكن كبار المسؤولين على الأرجح يبالغون في تقدير استعداد أطراف النزاع للتنازل عن ما يرونه مصالح أمنية جوهرية مقابل الربح. والأهم من ذلك، أن ترامب لم يستخدم حتى الآن كامل نفوذه مع إسرائيل، ولم يُظهر في أماكن أخرى الصبر اللازم، حتى لو امتلك القدرة، لتحويل الحلول السريعة إلى سلام دائم. كما لم تضع إدارته تصورًا لكيفية مساعدة أطراف أخرى — مثل قطر أو ماليزيا، التي ساعد دبلوماسيوها في تمهيد الطريق لاتفاقي الكونغو–رواندا وكمبوديا–تايلاند على التوالي — لسدّ هذا الفراغ. كان بإمكان ترامب اللجوء إلى الأمم المتحدة أو غيرها من الهيئات متعددة الأطراف لمتابعة التنفيذ، أو التنسيق بشكل أوثق مع العواصم الأوروبية وغيرها للضغط على الأطراف المتحاربة. لكن الإدارة تبدي نفورًا كبيرًا من هذا النوع من التعاون، وقد خفّضت بشدة تمويل وكالات الأمم المتحدة وقوات حفظ السلام.
يجب وضع مساومات ترامب في سياق ندرة اتفاقات السلام التي سبقت عودته إلى السلطة، وكذلك في ظل غياب التقدّم في الساحات التي لم ينخرط فيها. فالقادة الأوروبيون، على سبيل المثال، المنشغلون بما يرونه خطرًا وجوديًا على عتبة أبوابهم، لا يملكون هامشًا كافيًا لصنع السلام في أماكن أخرى. أما الزعيم الصيني شي جين بينغ، فعلى الرغم من تنامي قوة بكين وطموحها الظاهر للعب دور وساطة عالمي، يبدو أنه ترك في الغالب لدول الخليج وتركيا مهمة تهدئة النزاع بين أفغانستان وباكستان، بينما يواصل في الوقت نفسه دعم المجلس العسكري الحاكم في ميانمار المجاورة. ومع ذلك، إذا كانت واشنطن ستعدّ وقف إطلاق النار إنجازًا، فعلى هذه الهدنات على الأقل أن توقف القتال، ويفضّل أن تُطلق مسارًا دبلوماسيًا متجددًا يفضي إلى ترتيبات أكثر ديمومة.
أما سياسة مناطق النفوذ التي يبدو أن ترامب يتجه نحوها، فهي تنطوي على مخاطر أشد خطورة. ففي نصف الكرة الغربي، كلّف مبعوثًا بمحاولة انتزاع السيطرة على غرينلاند من الدنمارك، ويتدخل بشكل سافر في سياسات أميركا اللاتينية. كما أن الضربات التي يُرجّح أنها غير قانونية ضد قوارب صغيرة يُزعم تورطها في تهريب المخدرات قد تمهّد الطريق لهجمات مزعزعة للاستقرار في أماكن أخرى. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان الحشد العسكري الأميركي الضخم قبالة سواحل فنزويلا يهدف إلى الإطاحة بمادورو أم إلى إجباره على تسليم جزء من احتياطات النفط في بلاده. في كل الأحوال، الرسالة واضحة: واشنطن ستفرض ثقلها في ما تعتبره ساحتها الخلفية، وهي عقيدة تقوم جزئيًا على التهديد واستخدام العنف.
في أوروبا، كان تعامل ترامب مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وازدراؤه لنخب القارة مشهدًا مؤلمًا في كثير من الأحيان — شأنه في ذلك شأن عجز القادة الأوروبيين أنفسهم عن التكيّف مع نظام أمني آخذ في التآكل. لم ينجح ترامب بعد في دفع كييف والعواصم الأوروبية إلى صفقة تترك أوكرانيا مكشوفة وتفتح الباب أمام مغامرات روسية جديدة. لكن أوروبا تواجه أخطر لحظة لها منذ عقود. وعلى العواصم والمؤسسات الأوروبية أن تستعد سريعًا للدفاع عن القارة بنفسها. وقد تضطر إلى القيام بذلك بينما تتدخل واشنطن لصالح سياسيين من اليمين المتطرف يرفضون أصلًا زيادات الإنفاق الدفاعي التي نجح ترامب في انتزاعها من القادة الأوروبيين.
في آسيا، أضرّ ترامب بالتحالفات لكنه لم يتخلّ عنها، كما لم يغيّر السياسة الأميركية تجاه تايوان. ومن الصعب تخيّل أن يتنازل للصين عن صناعة الرقائق المتقدمة في تايوان أو عن الريادة في منطقة تولّد نصف التجارة العالمية.
ومع ذلك، تغيّر المزاج العام. فالحلفاء الذين تضرروا بشدة من رسوم ترامب الجمركية باتوا يخشون ما قد يقدّمه في صفقة تجارية مع بكين، التي خرجت الآن أكثر قوة بعد تفوقها على الولايات المتحدة في نزاع جمركي. وهم قلقون أيضًا من تقليل ترامب لأهمية المنطقة مقارنة بنصف الكرة الغربي، وما يحمله ذلك من إشارات. وليس من الصعب تخيّل أن يرى شي جين بينغ في مسعى ترامب لاستعادة الهيمنة الإقليمية لواشنطن دعوةً لبكين لتفعل الشيء نفسه في آسيا–المحيط الهادئ. وفي كوريا الجنوبية، ترتفع أصوات تطالب سيول بامتلاك ردع نووي خاص بها. وحتى مسؤولون يابانيون، اعتادوا اعتبار هذه الأسلحة محرّمة أخلاقيًا وسياسيًا، باتوا يهمسون بإمكانية السير في الاتجاه ذاته.
من المنطقي أن تحثّ واشنطن حلفاءها الأوروبيين والآسيويين على تحمّل مزيد من المسؤولية والانخراط مع الخصوم للحد من المخاطر. لكن التشكيك في الالتزامات التعاهدية وصفةٌ مؤكدة لسوء الحساب. فبوتين، عبر اختراقه المتزايد لأوروبا بالطائرات المسيّرة وأعمال التخريب، يخاطر بالفعل بإشعال تصعيد يطال عدة قوى نووية. وقد يفضّل شي جين بينغ الانتظار بينما تميل الرياح لمصلحة الصين، لكن الأمر لن يتطلب الكثير لإشعال أزمة كاملة حول تايوان، حيث تجري بكين تدريبات عسكرية أكثر عدوانية، أو في بحر الصين الجنوبي، حيث تصاعد الاحتكاك مع الفلبين بالفعل إلى اشتباكات بحرية.
إضافة إلى ذلك، فإن سياسة مناطق النفوذ بطبيعتها لا تعبأ بالقانون ولا بالجهود الجماعية لإدارة الأزمات. لقد قابل معظم العالم خطاب الرئيس السابق جو بايدن عن الدفاع عن نظام دولي قائم على القواعد بكثير من السخرية، في ظل دعمه العملي لتدمير غزة. لكن النزعة التعديلية الصريحة لترامب أكثر خطورة من نفاق سلفه المألوف. فعلى الرغم من المعايير المزدوجة، لا تزال المبادئ الأساسية للنظام القانوني الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية بحاجة إلى موافقة الولايات المتحدة. ومع تهديد ترامب بالاستيلاء على أراضٍ في غرينلاند وبنما، وتعاملِه مع الدول الصغيرة بوصفها قابلة للتضحية، ومواصلته تقويض مبدأ أن الحروب لا تُخاض إلا دفاعًا عن النفس، يصبح من غير الواضح ما الذي يمكن أن يصمد من هذا النظام.
لحسن الحظ، لا تزال معظم العواصم متمسكة بوعد نظام عالمي يدين الاستيلاء على أراضي الجيران، ورعاية الوكلاء، وقتل المدنيين أو تجويعهم أو تهجيرهم جماعيًا. لكن السنوات القليلة الماضية كشفت عن عدد وافر من القادة الذين، إذا سنحت لهم الفرصة، سيلجؤون إلى القوة ويتصرفون بدوافع توسعية، وقد يرون في فوضوية واشنطن ضوءًا أخضر للمغامرة.
كان العالم ينزلق نحو عصر جديد خطير قبل عودة ترامب إلى السلطة بوقت طويل. وحتى الآن، لم تفعل ولايته الثانية الكثير لإبطاء هذا الانزلاق، بل بدت وكأنها تضغط على دواسة الوقود.
هذا العنف الذي اجتاح العام الماضي، والذي يُظهره هذا السرد بوضوح، مرشّح للاستمرار في العام المقبل، وليس في ذلك ما يدعو إلى الدهشة. فمنذ فترة، تشهد النزاعات حول العالم تصاعدًا ملحوظًا، وتندلع الحروب الكبرى بوتيرة مقلقة.
الأقل قابلية للتنبؤ كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي قلب عودته إلى البيت الأبيض خلال عامه الأول موازين السياسة العالمية وإدارة الأزمات الدولية. عاد ترامب إلى السلطة متعهدًا بإحلال السلام في عالم مشتعل. ووضع نفسه في قلب العديد من الحروب وبؤر التوتر، وأعاد تسليط الضوء على جهود صنع السلام بعد سنوات من تعثر المساعي الدبلوماسية لإنهاء النزاعات.
لكن ترامب لم ينجح في تهدئة الاضطراب العالمي الذي ندد به خلال حملته الانتخابية، بل إنه في بعض الحالات فاقمه. فقد جلبت صفقاته، التي غالبًا ما بُنيت على دبلوماسية دول أخرى، بعض الهدوء المؤقت إلى بعض ساحات القتال، لكنها لم تحقق سلامًا دائمًا في أي مكان. والأسوأ من ذلك، أنه إلى جانب الضربات على إيران، نشرت إدارته أسطولًا من السفن الحربية في جنوب البحر الكاريبي، ودمّرت قوارب صغيرة يُزعم أنها تُهرّب المخدرات، وهددت بإطاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان ترامب يطمح فعلًا إلى سياسة مناطق النفوذ خارج نصف الكرة الغربي، لكن الإشارات المتضاربة تنذر بكوارث في أوروبا ومنطقة آسيا–المحيط الهادئ. فخروجه على القواعد، ونزعته التعديلية، واستخدامه المتساهل للقوة، كلها تهدد بتطبيع فكرة أن الحرب وسيلة مقبولة للدول القوية لتحقيق أهدافها.
لنبدأ بصنع السلام. هنا، قد يكون نهج ترامب غير التقليدي ميزة. فمن الصعب تخيّل زعيم أميركي آخر يلتقي الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع بينما كان لا يزال مصنّفًا إرهابيًا من قبل الولايات المتحدة، أو يتحرك بسرعة بعد ذلك لتقديم تخفيف حيوي للعقوبات على سوريا. كما أن مبعوثي الرئيس، الذين غالبًا ما يكونون أصدقاء أو أقارب ولديهم خط اتصال مباشر معه، قادرون على التحرك بسرعة وتحمل المخاطر.
غير أن الوجه الآخر لعدم التقليدية هو قلّة الخبرة. فقد ضاقت نافذة تقييد البرنامج النووي الإيراني عبر الدبلوماسية، حتى قبل الضربات الإسرائيلية، على ما يبدو بسبب عدم تحديد الإدارة لخطوطها الحمراء مسبقًا. ومن حيث المبدأ، فإن الدبلوماسية المكوكية بين روسيا وأوكرانيا — حيث يطرح المسؤولون الأميركيون أفكارًا على أحد الطرفين، ثم يعدّلونها خلال النقاش مع الطرف الآخر، ويحاولون بعدها ردم الفجوات — ليست طريقة سيئة لاختبار ما إذا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستعدًا لقبول اتفاق يحفظ سيادة أوكرانيا. لكن الدبلوماسية تلوثت إلى حد كبير بالارتباك، وتسريبات ذات دوافع سياسية، وشكوك في كييف والعواصم الأوروبية بشأن نوايا ترامب، بحيث إن أي فرصة قد تفتحها استعداده للتواصل مع بوتين قد تُهدر بالفعل.
إن تعطّش ترامب للصفقات السريعة قد يكون صادمًا، لكنه ليس دائمًا النهج الخاطئ. فالاتفاقات في غزة، ومنطقة البحيرات العظمى، وبين كمبوديا وتايلاند، على سبيل المثال، ينبغي النظر إليها على حقيقتها: اتفاقات لوقف إطلاق النار أو أطر عامة تترك النزاعات الجوهرية دون حل، وغالبًا ما تُلقي عبء العمل الشاق على أطراف أخرى. إنها ليست اتفاقات سلام — على الأقل ليس بعد.
لكن قادة العالم يعانون منذ سنوات في إيجاد تسويات دائمة للحروب الدائرة حول العالم. فقد ساعدت دبلوماسية مفيدة، قادتها غالبًا دول الخليج العربية أو تركيا أو قوى غير غربية أخرى، في إبرام هدنات محلية، وإيصال المساعدات، وإخراج الرهائن، وإدارة مخاطر التداعيات. غير أنه حيثما انتهى القتال، فقد انزلق في الغالب إلى فترات هدوء هشّة، أو لم يتوقف إلا عندما حسم أحد الأطراف الصراع لصالحه. أما نمط اتفاقيات السلام الشاملة التي أنهت سلسلة من النزاعات في تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية، فقد بات بعيد المنال إلى حد كبير منذ ذلك الحين. ففي لحظة عالمية تتسم بالسيولة، قلّما يكون المتحاربون مستعدين لتقديم تنازلات دائمة لخصومهم، طالما أن الرياح الجيوسياسية قد تتغير وتتيح فرصة للقضاء عليهم نهائيًا.
من هذا المنظور، قد يكون السبيل الوحيد للخروج من بعض الحروب هو تأجيل التفاصيل إلى وقت لاحق، والتوصل إلى أي هدنة ممكنة، ثم محاولة البناء عليها. هذا النهج لن ينجح في كل مكان. فقد يرغب أطراف النزاع في رؤية أوضح للمستقبل قبل وقف القتال، خاصة إذا كانوا يتمتعون بتفوق عسكري. لكن في كثير من ساحات القتال اليوم، سيكون صنع السلام — إن حدث — تدريجيًا، مع نهاية غير محددة المعالم تُصاغ أثناء المسار.
تكمن الخطورة في أن الحلول القصيرة الأمد قد تنهار أو تتجمّد. فوقف إطلاق النار القبيح في غزة — حيث يُحشر الفلسطينيون في ظروف مروّعة تحت حكم حماس المستمر في أقل من نصف القطاع (ما يورد هنا يكون من رأي الكاتب فقط)، بينما تسيطر إسرائيل على الباقي، وتمنع إعادة الإعمار وتواصل ضرباتها — لا يمكن الدفاع عنه إلا باعتباره محطة مؤقتة نحو شيء أفضل. وبالمثل، لا يمكن أن يكون الاتفاق الذي يترك وكلاء رواندا مسيطرين على إقليمي كيفو نهاية الطريق.
تهدف صفقات ترامب إلى تسخير القوة الأميركية — سواء عبر استغلال اعتماد إسرائيل على واشنطن في حالة غزة، أو في أماكن أخرى من خلال التهديد بالرسوم الجمركية أو التلويح بفرص تجارية. لكن كبار المسؤولين على الأرجح يبالغون في تقدير استعداد أطراف النزاع للتنازل عن ما يرونه مصالح أمنية جوهرية مقابل الربح. والأهم من ذلك، أن ترامب لم يستخدم حتى الآن كامل نفوذه مع إسرائيل، ولم يُظهر في أماكن أخرى الصبر اللازم، حتى لو امتلك القدرة، لتحويل الحلول السريعة إلى سلام دائم. كما لم تضع إدارته تصورًا لكيفية مساعدة أطراف أخرى — مثل قطر أو ماليزيا، التي ساعد دبلوماسيوها في تمهيد الطريق لاتفاقي الكونغو–رواندا وكمبوديا–تايلاند على التوالي — لسدّ هذا الفراغ. كان بإمكان ترامب اللجوء إلى الأمم المتحدة أو غيرها من الهيئات متعددة الأطراف لمتابعة التنفيذ، أو التنسيق بشكل أوثق مع العواصم الأوروبية وغيرها للضغط على الأطراف المتحاربة. لكن الإدارة تبدي نفورًا كبيرًا من هذا النوع من التعاون، وقد خفّضت بشدة تمويل وكالات الأمم المتحدة وقوات حفظ السلام.
يجب وضع مساومات ترامب في سياق ندرة اتفاقات السلام التي سبقت عودته إلى السلطة، وكذلك في ظل غياب التقدّم في الساحات التي لم ينخرط فيها. فالقادة الأوروبيون، على سبيل المثال، المنشغلون بما يرونه خطرًا وجوديًا على عتبة أبوابهم، لا يملكون هامشًا كافيًا لصنع السلام في أماكن أخرى. أما الزعيم الصيني شي جين بينغ، فعلى الرغم من تنامي قوة بكين وطموحها الظاهر للعب دور وساطة عالمي، يبدو أنه ترك في الغالب لدول الخليج وتركيا مهمة تهدئة النزاع بين أفغانستان وباكستان، بينما يواصل في الوقت نفسه دعم المجلس العسكري الحاكم في ميانمار المجاورة. ومع ذلك، إذا كانت واشنطن ستعدّ وقف إطلاق النار إنجازًا، فعلى هذه الهدنات على الأقل أن توقف القتال، ويفضّل أن تُطلق مسارًا دبلوماسيًا متجددًا يفضي إلى ترتيبات أكثر ديمومة.
أما سياسة مناطق النفوذ التي يبدو أن ترامب يتجه نحوها، فهي تنطوي على مخاطر أشد خطورة. ففي نصف الكرة الغربي، كلّف مبعوثًا بمحاولة انتزاع السيطرة على غرينلاند من الدنمارك، ويتدخل بشكل سافر في سياسات أميركا اللاتينية. كما أن الضربات التي يُرجّح أنها غير قانونية ضد قوارب صغيرة يُزعم تورطها في تهريب المخدرات قد تمهّد الطريق لهجمات مزعزعة للاستقرار في أماكن أخرى. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان الحشد العسكري الأميركي الضخم قبالة سواحل فنزويلا يهدف إلى الإطاحة بمادورو أم إلى إجباره على تسليم جزء من احتياطات النفط في بلاده. في كل الأحوال، الرسالة واضحة: واشنطن ستفرض ثقلها في ما تعتبره ساحتها الخلفية، وهي عقيدة تقوم جزئيًا على التهديد واستخدام العنف.
في أوروبا، كان تعامل ترامب مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وازدراؤه لنخب القارة مشهدًا مؤلمًا في كثير من الأحيان — شأنه في ذلك شأن عجز القادة الأوروبيين أنفسهم عن التكيّف مع نظام أمني آخذ في التآكل. لم ينجح ترامب بعد في دفع كييف والعواصم الأوروبية إلى صفقة تترك أوكرانيا مكشوفة وتفتح الباب أمام مغامرات روسية جديدة. لكن أوروبا تواجه أخطر لحظة لها منذ عقود. وعلى العواصم والمؤسسات الأوروبية أن تستعد سريعًا للدفاع عن القارة بنفسها. وقد تضطر إلى القيام بذلك بينما تتدخل واشنطن لصالح سياسيين من اليمين المتطرف يرفضون أصلًا زيادات الإنفاق الدفاعي التي نجح ترامب في انتزاعها من القادة الأوروبيين.
في آسيا، أضرّ ترامب بالتحالفات لكنه لم يتخلّ عنها، كما لم يغيّر السياسة الأميركية تجاه تايوان. ومن الصعب تخيّل أن يتنازل للصين عن صناعة الرقائق المتقدمة في تايوان أو عن الريادة في منطقة تولّد نصف التجارة العالمية.
ومع ذلك، تغيّر المزاج العام. فالحلفاء الذين تضرروا بشدة من رسوم ترامب الجمركية باتوا يخشون ما قد يقدّمه في صفقة تجارية مع بكين، التي خرجت الآن أكثر قوة بعد تفوقها على الولايات المتحدة في نزاع جمركي. وهم قلقون أيضًا من تقليل ترامب لأهمية المنطقة مقارنة بنصف الكرة الغربي، وما يحمله ذلك من إشارات. وليس من الصعب تخيّل أن يرى شي جين بينغ في مسعى ترامب لاستعادة الهيمنة الإقليمية لواشنطن دعوةً لبكين لتفعل الشيء نفسه في آسيا–المحيط الهادئ. وفي كوريا الجنوبية، ترتفع أصوات تطالب سيول بامتلاك ردع نووي خاص بها. وحتى مسؤولون يابانيون، اعتادوا اعتبار هذه الأسلحة محرّمة أخلاقيًا وسياسيًا، باتوا يهمسون بإمكانية السير في الاتجاه ذاته.
من المنطقي أن تحثّ واشنطن حلفاءها الأوروبيين والآسيويين على تحمّل مزيد من المسؤولية والانخراط مع الخصوم للحد من المخاطر. لكن التشكيك في الالتزامات التعاهدية وصفةٌ مؤكدة لسوء الحساب. فبوتين، عبر اختراقه المتزايد لأوروبا بالطائرات المسيّرة وأعمال التخريب، يخاطر بالفعل بإشعال تصعيد يطال عدة قوى نووية. وقد يفضّل شي جين بينغ الانتظار بينما تميل الرياح لمصلحة الصين، لكن الأمر لن يتطلب الكثير لإشعال أزمة كاملة حول تايوان، حيث تجري بكين تدريبات عسكرية أكثر عدوانية، أو في بحر الصين الجنوبي، حيث تصاعد الاحتكاك مع الفلبين بالفعل إلى اشتباكات بحرية.
إضافة إلى ذلك، فإن سياسة مناطق النفوذ بطبيعتها لا تعبأ بالقانون ولا بالجهود الجماعية لإدارة الأزمات. لقد قابل معظم العالم خطاب الرئيس السابق جو بايدن عن الدفاع عن نظام دولي قائم على القواعد بكثير من السخرية، في ظل دعمه العملي لتدمير غزة. لكن النزعة التعديلية الصريحة لترامب أكثر خطورة من نفاق سلفه المألوف. فعلى الرغم من المعايير المزدوجة، لا تزال المبادئ الأساسية للنظام القانوني الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية بحاجة إلى موافقة الولايات المتحدة. ومع تهديد ترامب بالاستيلاء على أراضٍ في غرينلاند وبنما، وتعاملِه مع الدول الصغيرة بوصفها قابلة للتضحية، ومواصلته تقويض مبدأ أن الحروب لا تُخاض إلا دفاعًا عن النفس، يصبح من غير الواضح ما الذي يمكن أن يصمد من هذا النظام.
لحسن الحظ، لا تزال معظم العواصم متمسكة بوعد نظام عالمي يدين الاستيلاء على أراضي الجيران، ورعاية الوكلاء، وقتل المدنيين أو تجويعهم أو تهجيرهم جماعيًا. لكن السنوات القليلة الماضية كشفت عن عدد وافر من القادة الذين، إذا سنحت لهم الفرصة، سيلجؤون إلى القوة ويتصرفون بدوافع توسعية، وقد يرون في فوضوية واشنطن ضوءًا أخضر للمغامرة.
كان العالم ينزلق نحو عصر جديد خطير قبل عودة ترامب إلى السلطة بوقت طويل. وحتى الآن، لم تفعل ولايته الثانية الكثير لإبطاء هذا الانزلاق، بل بدت وكأنها تضغط على دواسة الوقود.
