MotasemH

Administrator
طاقم الإدارة
يرى بيني ميلر في مقاله المنشور لدى معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أن التحولات العميقة في النظام الدولي، المتمثلة في تراجع النظام الليبرالي وصعود القومية والشعبوية والمحاور السلطوية، أعادت تشكيل بيئة الأمن القومي عالميًا وإسرائيليًا على حد سواء. فتصاعد مخاطر الحروب بين الدول، وتآكل المظلة الأمنية الأميركية، وتسارع سباق التسلح، كلها عوامل تزيد من عدم اليقين الاستراتيجي. وفي هذا السياق، تواجه إسرائيل مزيجًا معقدًا من الفرص والتهديدات: فمن جهة، قد تستفيد من الطلب المتزايد على خبرتها العسكرية وصناعتها الدفاعية، ومن جهة أخرى تبقى شديدة الاعتماد على الولايات المتحدة في ظل إدارة أميركية متقلبة داخليًا بين دعم قوي لإسرائيل وتيارات انعزالية متزايدة. كما يناقش المقال تزايد التهديدات من محاور معادية كإيران وحلفائها، مقابل احتمالات خفضها عبر اتفاقات سلام إقليمية محتملة تشمل غزة ولبنان وسوريا والتطبيع مع السعودية. ويخلص ميلر إلى أن أمن إسرائيل في النظام العالمي الجديد سيبقى رهين التوازن بين قدراتها الذاتية، واتجاهات السياسة الأميركية، وإمكانية تحويل التفاهمات والهدن المؤقتة إلى ترتيبات سلام أكثر استدامة.
النظام العالمي الجديد: تداعياته على إسرائيل

The New World Order: Implications for Israel​

في السنوات الأخيرة، شهد النظام العالمي تغيّرات بالغة الأهمية. فبعد نحو ثلاثة عقود من هيمنة النظام العالمي الليبرالي عقب انهيار الاتحاد السوفييتي في نهاية عام 1991، بدأ هذا النظام يفسح المجال لنظام دولي تتسم ملامحه بالنزعة القومية، والشعبوية، والنزعة التعديلية. وقد استند النظام الليبرالي بدرجة كبيرة إلى الهيمنة الأميركية بوصفها القوة العظمى الوحيدة، إذ تمتعت الولايات المتحدة بهامش واسع من حرية الحركة في النظام الدولي، وسعت إلى تشكيل العالم على صورتها الليبرالية من خلال تعزيز الديمقراطية، والأسواق الحرة، والعولمة، والمؤسسات الدولية. وقد حققت هذه الاستراتيجية الليبرالية نجاحات ملحوظة في تعزيز الفاعلين والمؤسسات والقيم الليبرالية، لكنها واجهت في نهاية المطاف مقاومة قوية خارج الغرب، وتحديات متزايدة من قوى غير ليبرالية داخل الغرب نفسه، ولا سيما داخل الولايات المتحدة، كما تجلّى ذلك في صعود دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة.

وخارج العالم الغربي، يبرز صعود المحور السلطوي–التعديلي المكوّن من الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران. ويسعى هذا المحور إلى إضعاف الهيمنة الأميركية والغرب الليبرالي عمومًا، ويمثّل، وإن بطرق متفاوتة ودرجات مختلفة، أبرز تحدٍّ دولي للنظام الليبرالي. وقد شكّل الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 تحدّيًا مباشرًا لإحدى الركائز الأساسية للفكر الليبرالي المتعلق باحترام السلامة الإقليمية، وهو مبدأ كان قد تآكل بالفعل مع الغزو الروسي لشبه جزيرة القرم عام 2014، والقائل بأن الدول ستحترم الحدود الدولية ولن تعود إلى غزو جيرانها بهدف ضمّ الأراضي.

وكان هذا الاعتقاد راسخًا بشكل خاص في أوروبا، التي أصبحت، وفق التصور الليبرالي، قارة سلام بعد تعافيها المذهل من الدمار الذي خلّفته الحربان العالميتان. وقد جادل الليبراليون بأن عالمًا يقوم على الترابط الاقتصادي — مثل الاعتماد الواسع على استيراد النفط والغاز من روسيا — وعلى المؤسسات والمعايير الدولية، يجعل الحروب بين الدول أقل احتمالًا، ولا سيما في أوروبا. وقد تميّز هذا الوضع عن استمرار اندلاع حروب عرقية منخفضة الحدة في العالم النامي.

وأدّت صدمة العدوان الروسي إلى حشد الدول الغربية، على نحو بدا موحّدًا وتحت القيادة الأميركية، خلف أوكرانيا، وذلك أساسًا عبر حلف شمال الأطلسي (الناتو)، من خلال تقديم مساعدات مالية وكميات كبيرة من الأسلحة، حتى وإن لم تُرسل قوات عسكرية للدفاع عنها مباشرة.

غير أن الغرب يواجه في الوقت ذاته انقسامًا داخليًا بين التيار الليبرالي وتيار متنامٍ من الشعبوية القومية اليمينية غير الليبرالية. وهذا التيار أقل التزامًا بالمؤسسات الدولية، وفي بعض الحالات حتى بالتحالفات العسكرية، وهو ما يعكس تركيزه على المصالح الخاصة بالدولة القومية وابتعاده عن القيم الليبرالية الكونية.

وكان التطور الأبرز في هذا السياق انتخاب ترامب رئيسًا في نهاية عام 2024. فالنهج القومي الذي يلخّصه شعار «أميركا أولًا»، والذي يروّج له الرئيس ترامب، يشير إلى تراجع الالتزام تجاه الحلفاء، ويثير تساؤلات حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستبادر تلقائيًا إلى الدفاع عنهم في حال تعرّضهم لهجوم. وتكتسب هذه الشكوك أهمية خاصة في ما يتعلق بإمكانية قيام روسيا بمزيد من العدوان ضد دول أوروبية، لكنها تمتد أيضًا إلى شركاء الولايات المتحدة في آسيا المهددين من قبل الصين، ولا سيما اليابان، وكذلك تايوان، التي ليست حليفًا رسميًا، لكن الولايات المتحدة لديها التزام عملي طويل الأمد بمنع توحيدها القسري مع الصين. كما أُثيرت تساؤلات مماثلة بشأن ما إذا كانت الولايات المتحدة ستدافع عن كوريا الجنوبية في حال وقوع طارئ يشمل كوريا الشمالية.

وعليه، برز تحدٍّ مزدوج للنظام العالمي الليبرالي. فمن جهة، ازداد خطر اندلاع حروب تقليدية عالية الحدة بين الدول، وليس فقط الحروب الأهلية العرقية والقبلية التي كانت الشكل الغالب للصراعات قبل الغزو الروسي لأوكرانيا. ومن جهة أخرى، تآكلت مظلة الأمن الأميركية التي كانت تحمي الحلفاء. ونتيجة لذلك، تسارع سباق التسلح. وبصورة أعم، انتقلت قضايا الأمن القومي إلى صدارة الأجندة السياسية، مع ارتفاع الميزانيات الدفاعية، وإعادة التسلح، وطرح خيارات التسلح النووي، والنقاش حول توسيع القوات المسلحة — بما في ذلك، في بعض الحالات، العودة إلى التجنيد الإجباري في دول أوروبية مثل ألمانيا، على الرغم من ماضيها الإشكالي فيما يتعلق باستخدام القوة العسكرية.

بوجه عام، يتحدد الأمن القومي لأي دولة من خلال تفاعل عاملين أساسيين: قدرات الدولة والتهديدات التي تواجهها. فكلما ازدادت القدرة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية للدولة على الدفاع عن قيمها الأساسية، وتراجعت التهديدات الموجهة لتلك القيم، تعزّز أمنها القومي. وعلى العكس، كلما كانت القدرات محدودة وترافقت مع تهديدات شديدة، أصبح الأمن القومي أكثر هشاشة.

بالنسبة لإسرائيل، فإن تداعيات هذه التحولات في النظام الدولي ذات أهمية خاصة، إذ تؤثر في كلٍّ من طبيعة التهديدات التي تواجهها وقدرتها على التعامل معها. ومن اللافت أن التغيرات الأخيرة في النظام العالمي يمكن أن تؤدي في آن واحد إلى تصعيد التهديدات أو تقليصها المحتمل. وينطبق الأمر ذاته على القدرات: فهذه التحولات قد تُضعف قدرات إسرائيل في بعض الجوانب، لكنها قد تُسهم أيضًا في تعزيزها في جوانب أخرى.

على مستوى القدرات، قد تمنح حالة عدم الاستقرار المتزايدة وسباق التسلح الناتج عنها إسرائيل بعض المزايا، نظرًا لتطور صناعتها الدفاعية، التي تشهد منتجاتها طلبًا متزايدًا حتى من دول تنتقد إسرائيل، ولا سيما في أوروبا. كما تمتلك إسرائيل خبرة قتالية واسعة، وتجربة طويلة في نظام التجنيد الإجباري وقوات الاحتياط. وقد يدفع النظام العالمي الجديد دولًا عديدة — بما في ذلك دولًا متقدمة وغنية في أوروبا وشرق آسيا كانت تعتمد حتى الآن على المظلة الأمنية الأميركية — إلى الاستفادة من الخبرة والمعرفة الإسرائيلية في هذه المجالات. ومع ذلك، وبالنظر إلى الاعتماد العسكري والسياسي العميق لإسرائيل على الولايات المتحدة، ينبغي إيلاء اهتمام وثيق لتوجهات إدارة ترامب وأنصارها في حركة «ماغا»، وكذلك للحزب الديمقراطي الذي قد يعود إلى السلطة في السنوات المقبلة، إضافة إلى الاتجاهات الأوسع داخل الرأي العام الأميركي عمومًا، وخصوصًا بين فئة الشباب.

تؤثر إدارة ترامب بشكل مباشر في الأمن القومي الإسرائيلي عبر عدة أبعاد، يحمل بعضها تداعيات متناقضة على أمن إسرائيل. فعلى عكس موقف ترامب غير المتعاطف بوضوح مع أوكرانيا — والمتأثر جزئيًا بإعجابه الكبير بخصمها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين — فإن موقفه الأساسي تجاه إسرائيل يتسم بالتعاطف. ويعود هذا الموقف جزئيًا إلى اعتبارات شخصية وعائلية، لكنه نابع أيضًا من أكثر مكونات تحالف «ماغا» ولاءً، وهم المسيحيون الإنجيليون، الذين دأبوا تقليديًا على دعم إسرائيل بحماسة (وإن كانت أصوات نقدية قد بدأت تظهر داخل هذه الجماعة منذ حرب غزة). وبالنسبة لكثير من الإنجيليين، يستند دعم إسرائيل إلى رؤية تقوم على «صدام الحضارات»، ترى في الإسلام، ولا سيما حركاته الراديكالية، تهديدًا لـ«التقاليد اليهودية–المسيحية». وفي هذا الإطار، تُنظر إلى إسرائيل باعتبارها طليعة تواجه الإسلام الراديكالي مباشرة، وتدافع فعليًا عن العالم المسيحي، ومن ثم تُعدّ جديرة بكل أشكال الدعم الأميركي الممكنة. وسواء شارك ترامب هذه الرؤية بالكامل أم لا، فإن الموقف الحازم لأنصاره الأكثر إخلاصًا يؤثر بوضوح في حساباته المتعلقة بالدعم العسكري لإسرائيل — وهو دعم بلغ ذروته بتدخل الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل خلال الحرب التي استمرت 12 يومًا مع إيران في يونيو 2025.

في المقابل، قد يؤثر تيار آخر داخل معسكر ترامب، في ظروف معينة، سلبًا في قدرات إسرائيل. ويقصد بذلك التيار الانعزالي الواسع ضمن شعار «أميركا أولًا»، الذي يخشى أن تجرّ إسرائيل الولايات المتحدة إلى حروب في الشرق الأوسط لا تخدم المصالح القومية الأميركية. فالشرق الأوسط يُنظر إليه، في الوعي العام الأميركي، باعتباره منطقة حروب لا تنتهي وغير ناجحة، مثل أفغانستان والعراق بعد أحداث 11 سبتمبر. ويسعى الانعزاليون إلى تقليص الدعم الأميركي لإسرائيل إلى الحد الأدنى، وقد عارضوا أيضًا التدخل الأميركي إلى جانب إسرائيل في الحرب مع إيران، خشية التورط في صراع غير ضروري. وإلى جانب هؤلاء، تراجع دعم إسرائيل بشكل ملحوظ داخل الرأي العام الأميركي عمومًا، ولا سيما داخل الحزب الديمقراطي وبين فئة الشباب، وهو ما قد يخلّف آثارًا سلبية شديدة الخطورة على قدرات إسرائيل مستقبلًا.

إلى جانب المصالح المادية، استندت خصوصية مكانة إسرائيل في الشرق الأوسط بالنسبة للولايات المتحدة إلى ما يُسمّى «القيم المشتركة»، أي كون إسرائيل الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة. غير أن هذا الرصيد الإسرائيلي تآكل في النظام العالمي الراهن، ليس فقط بسبب إضعاف السمات الديمقراطية داخل إسرائيل نفسها، بل أيضًا نتيجة توجه الإدارة الأميركية الحالية، التي اعتبرت القيم الديمقراطية مسألة ثانوية، وفضّلت التعامل مع قادة «أقوياء» ذوي نزعات سلطوية، ولا سيما في الدول الغنية مثل دول الخليج. وفي ظل رئاسة ترامب، شهدت العلاقات بين هذه الدول والإدارة الأميركية تحسنًا ملحوظًا. فعلى سبيل المثال، أبدت الإدارة استعدادها لبيع طائرات متقدمة إلى السعودية، رغم ما قد يشكله ذلك من تهديد للتفوق العسكري النوعي لإسرائيل. ومثل هذه الصفقة قد تُلحق ضررًا كبيرًا بقدرات إسرائيل العسكرية وبحرية حركتها.

أما على مستوى التهديدات، فينعكس تصاعدها في تماسك المحور السلطوي المعادي لإسرائيل، الذي يضم الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران. ويصبح هذا الأمر بالغ الخطورة إذا ما عمدت هذه الدول إلى تعزيز تسليح إيران بأنظمة متقدمة من الطائرات والصواريخ والدفاع الجوي، بما يحدّ من قدرة إسرائيل على الحفاظ على حرية العمل التي أظهرتها خلال حرب الأيام الاثني عشر مع إيران. وهناك محور آخر قد يزيد من التهديدات لإسرائيل، هو محور «الإخوان المسلمين»، الذي تعزز موقعه الإقليمي مؤخرًا عقب دوره الواسع في الجهود الرامية إلى إنهاء حرب غزة وفي صياغة خطة السلام التي طرحها ترامب. ويشمل هذا المحور قطر، التي تستضيف قادة حماس وترعى شبكة الجزيرة التي تتناول إسرائيل بخطاب عدائي، كما يشمل تركيا، التي تتسم مواقفها بعداء شديد لإسرائيل في ظل حكم أردوغان، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى إرسال قوات للتمركز على حدود إسرائيل ضمن قوة متعددة الجنسيات يُفترض أن تسهم في استقرار الوضع في قطاع غزة. وترتبط تركيا بعلاقات مع حماس، وكذلك مع النظام الجديد في سوريا — وهو مصدر احتكاك إضافي مع إسرائيل — والذي حظي بدعم تركي قوي عند وصوله إلى السلطة في نهاية عام 2024.

في المقابل، هناك احتمال أن تتراجع التهديدات الموجهة لإسرائيل نتيجة التزام الرئيس ترامب بدفع اتفاقات السلام ومنع الحروب. فقد كان لتدخله دور حاسم في إنهاء الحرب في غزة، وضمان إطلاق سراح جميع الرهائن الأحياء ومعظم القتلى منهم من قبضة حماس، ودفع خطة سلام طموحة حظيت أيضًا بموافقة مجلس الأمن الدولي. ورغم بقاء علامات استفهام كبيرة حول تنفيذ هذه الخطة، فإن مجرد التوصل إليها — ولو ظاهريًا بموافقة جميع الأطراف — يُعد إنجازًا مهمًا قد يسهم، إذا طُبّق فعليًا، في تقليص التهديدات التي تواجه الأمن القومي الإسرائيلي.

لا تقلّ علامات الاستفهام المحيطة بإمكانية تراجع التهديدات — وربما تكون أكبر — تلك المرتبطة باتفاق وقف إطلاق النار في لبنان في نوفمبر 2024، والتزام الحكومة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله، وكذلك بالتقارب بين ترامب والنظام الجديد في سوريا. ومع ذلك، وعلى هذه الخلفية، توجد أيضًا إمكانية لأن يُسهم الدفع نحو اتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا في تقليص التهديدات على هذه الجبهة بشكل إضافي.

ويطغى قدر من عدم اليقين أيضًا على مسار التطبيع مع السعودية، الذي من شأنه أن يعزز اندماج إسرائيل الإقليمي، وبالتالي أن يخفّض مستوى التهديدات التي تواجهها بشكل ملموس. فقد ربط الحاكم الفعلي للسعودية، محمد بن سلمان، التطبيع بتحقيق تقدّم ملموس نحو حل الدولتين في الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني. وإذا تحقق مثل هذا التقدّم، فقد تنخفض بالفعل مستويات التهديد التي تواجه إسرائيل بصورة كبيرة.

ورغم أن هذه القضايا لا تزال غير محسومة، فإن الاعتماد الكبير جدًا لإسرائيل على الولايات المتحدة وإدارة ترامب، إلى جانب العلاقات الوثيقة التي أقامها الرئيس مع العديد من الفاعلين الإقليميين ورغبته القوية في الدفع باتجاه اتفاقات سلام، يوفر قدرًا من الأمل في إمكانية احتواء النزاعات في المنطقة، وربما حتى حلّ بعضها، بوسائل سلمية. ومن شأن ذلك، بدوره، أن يقلّص التهديدات الأمنية التي تواجه إسرائيل ويعزّز أمنها القومي.​
 
عودة
أعلى