نشر أميتاف أشاريا في مجلة Foreign Policy مقالًا يجادل فيه بأن ولاية دونالد ترامب الثانية لا تُسرّع انتقالًا طبيعيًا إلى «تعددية الأقطاب» بقدر ما تُنتج وضعًا مختلفًا سماه «العالم ناقص واحد»: الولايات المتحدة تبقى الأقوى اقتصاديًا وعسكريًا، لكنها تصبح غائبة عن النظام الدولي القائم أو معادية له، ما يضع التعاون العالمي أمام اختبار صعب. ويرى أشاريا أن التاريخ يُظهر أن المؤسسات الدولية يمكن أن تصمد حتى دون «مهيمن» داعم، لأن التعددية تخدم مصالح أعضائها وتتمتع بقدر من “الاستمرارية” بعد تأسيسها. ويستدلّ بحالات مثل اتفاقية قانون البحار واتفاق باريس للمناخ والمحكمة الجنائية الدولية لبيان أن الاتفاقات قد تستمر رغم الغياب الأميركي أو العرقلة. ثم يوضح كيف تدفع سياسات ترامب العدائية—الانسحابات من مؤسسات، الرسوم الجمركية، تقليص ميزانيات الأمم المتحدة—قوى صاعدة ومنتديات مثل بريكس ومجموعة العشرين ومنظمة شنغهاي وآسيان إلى تنسيق مواقفها، مع اتساع النزعة الإقليمية (خصوصًا في أفريقيا) وتنامي دور الصين داخل الأمم المتحدة. ويخلص إلى أن نجاح «العالم ناقص واحد» يعتمد على قدرة المؤسسات على الإصلاح والتكيّف، وعلى سلوك الصين وأوروبا والهند في موازنة مصالحها دون استبدال هيمنة أميركية بهيمنة صينية، وأنه حين تحاول واشنطن العودة مستقبلًا قد تجد عالمًا “انتقل للأمام” ولم يعد مستعدًا لعودة قيادة أميركية مهيمنة، بل لقبول أميركا بشروط أكثر مساواة ضمن نظام أكثر لامركزية.
The World-Minus-One Moment
في ولايته الثانية، قاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب هجومًا متواصلًا على أسس النظام العالمي. فقد انتهك القانون الدولي بشكل سافر، ودمّر نظام التجارة العالمية عبر فرض رسوم جمركية أحادية على عشرات الدول، وسحب الولايات المتحدة من هيئات متعددة الأطراف مهمة.
لم تكن الولايات المتحدة يومًا النموذج المثالي للدفاع عن التعاون الدولي. فقد مالت إلى الانعزالية عندما كانت قوة صاعدة، وإلى الأحادية عندما أصبحت قوة عظمى. غير أن مقاربة ترامب لإعادة تشكيل النظام العالمي تقدم مزيجًا جديدًا وخطيرًا من الانعزالية وتضخيم القوة. فهو يحتقر التعددية ومهووس بممارسة القوة العارية، وكذلك أنصاره. وهذا يرجّح أن “الترامبية” ستتجاوز عمر رئيس سيبلغ الثمانين هذا العام، مهما كانت التطورات في واشنطن.
لطالما توقّع المعلّقون وعلماء السياسة نهاية اللحظة الأحادية للولايات المتحدة وصعود نظام أكثر تعددية الأقطاب، وغالبًا ما يُشار إلى ترامب بوصفه عامل تسريع لهذا المسار. لكن الواقع أنه أفضى إلى شيء مختلف تمامًا. فستبقى الولايات المتحدة الدولة الأقوى اقتصاديًا وعسكريًا في العالم لعدة سنوات أخرى، لكنها ستكون غائبة عن النظام الدولي القائم، إن لم تكن معادية له بنشاط. هذه التوليفة الفريدة ليست تعددية أقطاب، بل هي «العالم ناقص واحد».
وعليه، يبرز السؤال: كيف ينبغي للمجتمع الدولي أن يستجيب؟ إن الحفاظ على التعاون العالمي رغم واشنطن سيكون صعبًا. ولكي تنجو المؤسسات متعددة الأطراف من الترامبية وتخرج أقوى، عليها أن تتكيف وتُصلح نفسها وتضاعف جهودها. وإذا نجحت في ذلك، فستُجبر الولايات المتحدة يومًا ما على العودة بشروط أكثر مساواة.
اكتسبت فكرة «العالم ناقص واحد» أهمية جديدة في الولاية الثانية لترامب. فمنذ مطلع عام 2025، استخدمتُ مصطلحات «العالم ناقص X»، و«العالم ناقص الولايات المتحدة»، و«العالم ناقص واحد» لوصف النظام العالمي الجديد. وقد ساعد رئيس وزراء سنغافورة السابق لي هسين لونغ في شيوع المفهوم في يوليو، مستخدمًا عبارة «العالم ناقص واحد مؤقتًا» للإشارة على نحو أضيق إلى إدارة الاقتصاد العالمي والتجارة دون قيادة أميركية. غير أن هذه الحالة تتجاوز الاقتصاد، وتمسّ جوهر التحدي في عصرنا.
وصفت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت الولايات المتحدة ذات مرة بأنها «الأمة التي لا غنى عنها»، التي من دونها لا يمكن إنشاء التعاون الدولي أو الحفاظ عليه. وقد أسس هذا الافتراض لمخاوف من أن تخلي واشنطن عن التزامها بالنظام العالمي سيجعل العالم أقل تعاونًا وأكثر عنفًا.
لكن تاريخ العلاقات الدولية يقدّم قصة مختلفة. فكما يجادل باحثون مثل ستيفن كراسنر وروبرت كيوهان، ليست الهيمنة العالمية شرطًا لازمًا لانفتاح اقتصادي أو تعاون سياسي. فبمجرد تشكّلها، تصبح المؤسسات الدولية «لزجة» يصعب تفكيكها. وهي لا تقوم على الإيثار الجماعي، بل لأنها تخدم المصالح الأساسية لأعضائها. وإذا استمرت هذه المصالح، استمر التعاون. وهذا يعني أن التعددية يمكن أن تصمد حتى عندما يمتنع المهيمن عن المشاركة، أو ينسحب، أو يعارض تعاون الآخرين.
بل إن تاريخ القرن العشرين يُظهر أن بعض أكثر عناصر النظام الدولي الحالي جوهرية نشأت دون دعم أي مهيمن. فإزالة الاستعمار والمساواة العرقية، مثلًا، أصبحتا معايير عالمية ليس بفضل الدعم الأميركي «الذي لا غنى عنه»، بل رغم مقاومة واشنطن الأولية.
في فرساي عام 1919، عارض الرئيس الأميركي وودرو ويلسون مسعى اليابان لإدراج بند المساواة العرقية ضمن المبادئ التأسيسية لعصبة الأمم. وقد فعل ويلسون ذلك بدافع قناعاته العنصرية، وبمحاولة استرضاء سياسيين محليين قلقين من الهجرة اليابانية، فضلًا عن حلفاء غربيين مثل أستراليا. ومع ذلك، واصل ما نعرفه اليوم بالجنوب العالمي الدفاع عن الفكرة، كما تجلّى بوضوح في مؤتمر باندونغ الآسيوي–الأفريقي عام 1955 في إندونيسيا.
وإلى جانب دفاعه عن المساواة العرقية، طالب مؤتمر باندونغ أيضًا بالإسراع الفوري في إنهاء الاستعمار في آسيا وأفريقيا. وهنا كذلك كان الدعم الأميركي فاتراً في أحسن الأحوال. فقد مارست واشنطن، بمساعدة حليفها الرئيسي بريطانيا، ضغوطًا على الدول المشاركة لرفض الدعوة إلى إنهاء الاستعمار، خشية أن يشجع ذلك استيلاءات شيوعية على الدول المستقلة حديثًا. وبطبيعة الحال، استمر النضال من أجل إنهاء الاستعمار، ليُنتج عالم الدول ذات السيادة البالغ عددها 193 دولة عضوًا في الأمم المتحدة اليوم.
وفي الواقع، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أظهرت واشنطن نفسها باستمرار فاعلًا سلبيًا–عدوانيًا على الساحة العالمية. فقد أنشأت مؤسسات وقواعد، واحترمتها حين تخدم مصالحها، وتجاهلتها حين لا تخدمها. ورغم بقاء الولايات المتحدة طرفًا في العديد من المعاهدات متعددة الأطراف، فإنها تتحسّب لأي تبعات لا ترضيها. وفي حالات قصوى، لجأت واشنطن حتى إلى الترهيب والمقاطعة وفرض العقوبات على مؤسسات تعارض قراراتها.
وتُظهر ثلاثة أمثلة حديثة—اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، واتفاق باريس بشأن تغيّر المناخ، والمحكمة الجنائية الدولية—كيف يمكن للمؤسسات والاتفاقات متعددة الأطراف أن تصمد حين تكون الولايات المتحدة غائبة، أو غير ممتثلة، أو حتى معادية بنشاط.
بعد مشاركتها في المؤتمر الثالث للأمم المتحدة لقانون البحار، رفضت واشنطن مع ذلك توقيع الاتفاقية الناتجة عند إقرارها عام 1982. ورغم ذلك، أثبتت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار فاعليتها على نطاق واسع في إرساء إطار قانوني عالمي مستقر للمناطق البحرية وحقوق الملاحة. وقد أسهمت في تعزيز التجارة، وقدّمت آلية لتسوية النزاعات سلميًا. كما أنها خدمت المصالح الأميركية أيضًا، إذ لا تزال واشنطن تستند إلى أدوات الاتفاقية في مواجهة المطالب الإقليمية الصينية الواسعة في بحر الصين الجنوبي. غير أن إصرار الولايات المتحدة على عدم الانضمام رسميًا إلى الاتفاقية منح الصين ذريعة لاتهام واشنطن بالنفاق. ويمثل قرار الولايات المتحدة الالتزام عمليًا بقواعد اتفاقية قانون البحار رغم رفضها الانضمام إليها رسميًا أفضلَ سيناريو ممكن لـ«العالم ناقص واحد»، حيث تواصل واشنطن احترام الأعراف الدولية حتى بعد رفضها القانوني لها.
وحتى في الحالات التي تنسحب فيها الولايات المتحدة من الاتفاقات متعددة الأطراف أو تنتهكها، يمكن للتعاون أن يستمر. لا شك أن خروج واشنطن من اتفاق باريس للمناخ ستكون له آثار سلبية. بعضها داخلي، مثل التراجع عن اللوائح المناخية وما يترتب عليه من زيادة انبعاثات الغازات الدفيئة. وعلى الصعيد الدولي، قد يقوض الانسحاب الأميركي تمويل السياسات المناخية، بما في ذلك تعويض الدول التي تلتزم بمعايير خفض الانبعاثات على حساب نموها الاقتصادي.
ومع ذلك، ورغم أن فقدان الدعم المالي الأميركي سيضعف فعالية اتفاق باريس، فإن دولًا أخرى لا تزال ملتزمة بتحقيق هدف صافي الانبعاثات الصفرية. فقد تعهّدت الصين، أكبر ملوِّث في العالم اليوم، بالوصول إلى هذا الهدف بحلول عام 2060. كما تعهّد الاتحاد الأوروبي، رابع أكبر ملوِّث عالميًا، بتحقيق صافي الصفر بحلول 2050، وكذلك اليابان، بينما وافقت الهند على بلوغ هذا الهدف بحلول 2070. وفي الواقع، ومهما يكن سلوك الولايات المتحدة، فإن بقية الدول الموقّعة على اتفاق باريس ملزمة بمراجعة وتحسين أهدافها الوطنية لخفض الكربون كل خمس أو عشر سنوات. ومع تراجع كلفة تقنيات طاقة الرياح والطاقة الشمسية وانتشارها، قد تتمكن هذه الدول من تجاوز تلك الأهداف.
وأخيرًا، هناك مثال المحكمة الجنائية الدولية. ففي عام 1998، صوّتت واشنطن ضد نظام روما الأساسي الذي أنشأ المحكمة، بدافع القلق من تعريض المواطنين والدبلوماسيين والجنود الأميركيين للخطر. وبصورة أكثر حدّة، ردّت الولايات المتحدة مؤخرًا على قيام المحكمة بتوجيه اتهامات إلى قادة إسرائيليين بفرض عقوبات على قضاتها ومدّعيها العامين. لكن حلفاء الولايات المتحدة، بمن فيهم بريطانيا، واصلوا دعم استقلال المحكمة ورفضوا السير في هذا الاتجاه. ونتيجة لذلك، لا تزال المحكمة الجنائية الدولية تمثّل قيدًا على إفلات القادة من العقاب ورادعًا للجرائم الإنسانية.
إذا كان النهج الأميركي تجاه التعددية مشروطًا دائمًا، فإنه في عهد ترامب أصبح عدائيًا صريحًا. فقد كرس ترامب هذا العداء في استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، التي نددت بـ«شبكة من المؤسسات الدولية… تسعى صراحة إلى إذابة سيادة الدول الفردية». وباتت الولايات المتحدة تنتهج علاقات ثنائية أنانية وإقصائية وقائمة على الصفقات، سواء مع الحلفاء أم الخصوم.
ومنذ عام 2016، انسحب ترامب أو أعلن نيته الانسحاب من عدة اتفاقات ومؤسسات متعددة الأطراف، من بينها اتفاق باريس للمناخ، والاتفاق النووي مع إيران، ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ومعاهدة الأجواء المفتوحة، وغيرها. وإضافة إلى ذلك، أعلنت إدارة ترامب الثانية نيتها الانسحاب من منظمة الصحة العالمية ومغادرة اليونسكو مجددًا.
ثم هناك التخفيضات التي يخطط لها ترامب في ميزانية الأمم المتحدة. والأبرز بينها خفض 800 مليون دولار من عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وهو ما يشمل أموالًا سبق أن أقرها الكونغرس. ورغم موافقة الإدارة على تقديم بعض التمويل الموجّه لبعثات حفظ سلام محددة تدعمها، مثل تلك الموجودة في هايتي ولبنان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، فإن التخفيضات الأوسع أدت إلى تقليص قوات حفظ السلام العالمية بنسبة 25 في المئة. كما يحجب ترامب مساهمات واشنطن الإلزامية، ما قاد إلى تقديرات تفيد بأن إجمالي التخفيضات سيتجاوز ملياري دولار. ونتيجة لذلك، تدرس الأمم المتحدة خفض ميزانيتها بأكثر من 500 مليون دولار وتقليص نحو 20 في المئة من موظفيها.
ومن المفارقات أن ترامب، بينما يطالب علنًا بجائزة نوبل للسلام، يقوّض عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، التي—رغم عيوبها—كانت أداة مهمة في تخفيف النزاعات وإنقاذ الأرواح.
لكن هذا الدمار ليس القصة كاملة. فحتى مع ترسيخ ترامب لسمعة الولايات المتحدة بوصفها الغائب أو المنشق الأول عالميًا، فإن التعاون الدولي قد صمد. ونشهد اليوم قوى صاعدة تتصدى لرسوم ترامب الجمركية وتهديداته، غالبًا باستخدام أطر متعددة الأطراف مثل مجموعة بريكس، ومجموعة العشرين، ومنظمة شنغهاي للتعاون، ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان).
وقد تحدّت عدة دول من مجموعة بريكس، ولا سيما الأعضاء الأصليون، ترامب علنًا رغم الرسوم الثقيلة. ففي حالة البرازيل، استمرت محاكمة الرئيس السابق جايير بولسونارو رغم ضغوط البيت الأبيض لتبرئته. كما ذهب الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا إلى البيت الأبيض ورفض علنًا ادعاء ترامب بأن البيض في جنوب أفريقيا يتعرضون للاضطهاد. واستخدمت الصين هيمنتها على سلاسل توريد المعادن الحيوية لمناورة ترامب في الحرب التجارية. أما الهند، التي لا تمتلك أوراق الموارد الطبيعية ذاتها، فقد واجهت ارتدادًا أقرب إلى الداخل الأميركي، إذ بات مجتمع السياسات في الولايات المتحدة مذهولًا وغاضبًا من قيام البيت الأبيض بإبعاد شريك استراتيجي أساسي في مواجهة الصين، كان ركيزة في استراتيجية ترامب الأولى لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
في ديسمبر 2024، هدّد ترامب، بصفته رئيسًا منتخبًا، بفرض رسوم جمركية بنسبة 100 في المئة على أي عضو في مجموعة بريكس لا يتخلى عن جهوده لاستبدال الدولار الأميركي. وفي يوليو 2025، أثناء انعقاد قمة بريكس في ريو دي جانيرو، أعلن ترامب فرض تعرفة إضافية بنسبة 10 في المئة على سلع أي دولة «تتماهى مع السياسات المعادية لأميركا لمجموعة بريكس»، مؤكدًا أنه «لن تكون هناك استثناءات». وردًا على ذلك، قلّلت بعض دول بريكس، مثل البرازيل، من شأن خططها لإطلاق عملة مشتركة. غير أن ضغوط ترامب قد تأتي بنتائج عكسية، إذ قد تعزز رغبتهم في تطوير أنظمة دفع بديلة وتقليل الاعتماد على الدولار.
وقد شكّلت قمة منظمة شنغهاي للتعاون في أغسطس 2025 بمدينة تيانجين الصينية ساحة أخرى لإظهار مقاومة متعددة الأطراف لسياسات ترامب. ففيها، التقى الرئيس الصيني شي جين بينغ ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وأعلنا أن نيودلهي وبكين شريكان لا خصمان.
لكن الأمر لا يقتصر على منظمة شنغهاي. فقد أتاحت مجموعة العشرين أيضًا لدول مثل البرازيل والهند وإندونيسيا وجنوب أفريقيا فرصة تعزيز قيادتها العالمية. ففي عام 2022، ساعدت قمة إندونيسيا المجموعة على إدارة الانقسام بشأن الحرب الروسية–الأوكرانية. وفي عام 2023، أسهمت قمة الهند في تأمين عضوية الاتحاد الأفريقي في مجموعة العشرين، ما وسّع دور الجنوب العالمي. وكانت قمة مجموعة العشرين في جوهانسبرغ في نوفمبر 2025 محطة مفصلية أخرى؛ إذ كانت أول قمة تُعقد في أفريقيا، ورغم مقاطعة واشنطن لها، فقد ركزت على قضايا التنوع والشمول والمساواة. ولم يحذُ أي عضو آخر حذو المقاطعة الأميركية، ما أبرز عزلة واشنطن العالمية على نحو أكبر.
وإلى جانب التضامن الذي ظهر في هذه المنتديات العالمية، برز أيضًا اتجاه متزايد نحو الإقليمية. فعلى مدى العقدين الماضيين، تكاثرت عمليات حفظ السلام التي تقودها أفريقيا. وأصبحت الاتحاد الأفريقي والمؤسسات دون الإقليمية، مثل الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، فضلًا عن تحالفات مؤقتة أصغر، تنفذ اليوم عشر عمليات في 17 دولة أفريقية. وقد حققت هذه العمليات قدرًا من النجاح في احتواء النزاعات التي تغذيها التمردات في حوض تشاد وسيراليون والصومال. ورغم سجلها المختلط، أظهرت هذه العمليات سمات فريدة، مثل الاستجابات المحلية والسياقية لانعدام الأمن، والاستعداد للاضطلاع بنطاق أوسع من المهام مقارنة بالأمم المتحدة. والأهم أن هذه المشاريع موّلت إلى حد كبير من قبل الاتحاد الأوروبي، مع دور أميركي محدود للغاية.
وإلى جانب كل هذه الهيئات، تظل الأمم المتحدة ساحة أساسية للتعاون. فكثيرًا ما تنتقد الولايات المتحدة المنظمة لفشلها في حماية حقوق الإنسان أو تستخدمها منبرًا لتسجيل نقاط سياسية ضد خصومها السلطويين. ومع ذلك، صمدت الأمم المتحدة بوصفها إطارًا عملت فيه دول ديمقراطية وغير ديمقراطية معًا بفعالية لتعزيز الإغاثة الإنسانية.
ومن اللافت أن مساهمة الصين في المنظمة ارتفعت بشكل ملحوظ خلال العقدين الماضيين. فبينما تسهم الولايات المتحدة بنسبة 22 في المئة من الميزانية العادية و26.2 في المئة من ميزانية حفظ السلام، باتت الصين ثاني أكبر مساهم، بدفعها 20 في المئة للميزانية العادية و23.8 في المئة لحفظ السلام. كما تقدم الصين أكبر عدد من قوات حفظ السلام بين الأعضاء الدائمين الخمسة في مجلس الأمن. ولا تزال مساهمات الصين الطوعية لوكالات الأمم المتحدة الإنسانية منخفضة نسبيًا، لكن إذا أرادت بكين استغلال انكفاء الولايات المتحدة، فقد تنمو هذه المساهمات سريعًا.
وفي السنوات المقبلة، ستواصل القوى الصاعدة والمؤسسات متعددة الأطراف التكيف استجابة لهجوم ترامب. لكن هل يمكنها مواجهة لحظة «العالم ناقص واحد» والحفاظ بنجاح على التعاون العالمي والتجارة الحرة؟
سيكون رد الصين بالغ الأهمية على وجه الخصوص. فمن المحتم أن تهتدي بكين بمصالحها الذاتية، ساعية إلى كسب نفوذ على حساب واشنطن. لكن إذا تصرفت الصين بحكمة وضبط للنفس، فقد يؤدي ذلك إلى تعزيز التعاون العالمي بدل الدفع نحو عالم تهيمن عليه الصين.
وقد تصبح منطقة آسيا–المحيط الهادئ، التي اعتمدت تقليديًا على الولايات المتحدة في الأمن، مركز نظام «العالم ناقص واحد». وهنا يبرز اتفاقان تجاريان يستحقان اهتمامًا خاصًا: الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP) واتفاقية التجارة الحرة بين الصين وآسيان (CAFTA). فالشراكة الإقليمية الشاملة، التي تضم 15 دولة ودخلت حيز التنفيذ عام 2022، تبرز اليوم بوصفها أكبر تكتل تجاري في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي وعدد السكان. وهي تجمع الصين واليابان وكوريا الجنوبية ودول آسيان، وتمثل نحو 30 في المئة من الناتج العالمي. وتهدف إلى إزالة أكثر من 90 في المئة من الرسوم الجمركية داخل الكتلة خلال 20 عامًا، ووضع قواعد مشتركة في مجالات خلافية مثل التجارة الإلكترونية والملكية الفكرية.
أما اتفاقية التجارة الحرة بين الصين وآسيان، التي دخلت حيز التنفيذ عام 2010 ثم جرى تحديثها في 2015 ومرة أخرى في أكتوبر 2025، فهي تعزز التعاون بين الصين وآسيان في مجالات تشمل الاقتصاد الأخضر وربط سلاسل الإمداد. وقد قدّم بعض المراقبين هذا التطور بوصفه مكسبًا استراتيجيًا واضحًا لبكين، في ظل ضغوط واشنطن على دول آسيان لفك الارتباط مع الصين والامتثال للرسوم الأميركية العقابية على عمليات إعادة الشحن الصينية. غير أن الواقع أكثر تعقيدًا. فلم تكن دول آسيان لتصطف بالكامل إلى جانب واشنطن. بل إنها تستخدم بالفعل اتفاقيات مثل CAFTA لتعزيز مصالحها الخاصة ومعالجة مخاوفها من النفوذ الصيني. وفي الواقع، فإن ضغوط دول آسيان هي التي دفعت بكين إلى الحد من مكاسبها الاقتصادية، والانخراط متعدد الأطراف، والسعي إلى علاقة تدعم التجارة الحرة ونظامًا إقليميًا مفتوحًا وشاملًا.
ويُعدّ الاتحاد الأوروبي لاعبًا رئيسيًا آخر سيكون لردّه على لحظة «العالم ناقص واحد» أثر حاسم. ففي عام 2021، أطلق الاتحاد خطة «البوابة العالمية» بقيمة 300 مليار دولار، التي تجمع بين مشاريع البنية التحتية والطاقة وحماية المناخ لمواجهة النفوذ الصيني عالميًا. ففي أفريقيا، على سبيل المثال، رعت الخطة ممر الهيدروجين SoutH2 من شمال أفريقيا إلى أوروبا، إضافة إلى مشاريع لتعزيز الأمن الغذائي في شرق أفريقيا. كما يعمل الاتحاد الأوروبي حاليًا على استكمال اتفاقية تجارة حرة مع دول ميركوسور—الأرجنتين وبوليفيا والبرازيل وباراغواي وأوروغواي—لإزالة الرسوم عن معظم السلع، وتوسيع الاستثمار، وضمان الاستدامة.
ومن الناحية المثالية، يمكن لأوروبا والصين الانخراط في مناطق مثل أفريقيا وأميركا الجنوبية بطريقة تكاملية لا صفرية. ففي أفريقيا، على سبيل المثال، أبدت الصين استعدادًا للتوافق مع مبادرات «البوابة العالمية» الأوروبية. والأهم أن هذا النهج لا تحركه سماحة أوروبية أو صينية، بل مطالب قادة أفريقيا وأميركا الجنوبية بذلك.
كما تلعب الهند دورًا أساسيًا في تحديد مدى فاعلية استجابة العالم لغياب واشنطن. فبينما ترد نيودلهي بقوة على ضغوط ترامب، فإنها توسّع وتؤسس بسرعة علاقاتها التجارية. ويشمل ذلك مفاوضات لتعزيز اتفاقياتها القائمة مع آسيان واليابان، واتفاقية تجارة جديدة مع المملكة المتحدة في يوليو 2025. كما وقّعت الهند اتفاقًا تجاريًا في عام 2024 مع الرابطة الأوروبية للتجارة الحرة، التي تضم دولًا غير أعضاء في الاتحاد الأوروبي مثل آيسلندا وليختنشتاين والنرويج وسويسرا. وكما هو الحال مع الصين، تجري الهند جزءًا كبيرًا من تجارتها مع روسيا بالعملات الوطنية. كما حافظت على علاقات أمنية مهمة مع موسكو، التي تواصل تزويدها بنسبة 36 في المئة من وارداتها من الأسلحة. وحتى إذا تحسنت العلاقات مع واشنطن لاحقًا، فإن التزام الهند المستمر بالاستقلالية الاستراتيجية سيحدّ من الهيمنة الأميركية والصينية معًا، بما يضمن استدامة نظام «العالم ناقص واحد».
وأخيرًا، يبقى السؤال ما إذا كانت الأمم المتحدة ستغتنم الفرصة باستخدام ترامب ذريعة لتنفيذ إصلاحات طال انتظارها. فمنذ بداية ولاية ترامب الثانية، قاطعت الولايات المتحدة مؤتمر الأمم المتحدة للمحيطات في فرنسا والمؤتمر الرابع لتمويل التنمية في إسبانيا. ومع ذلك، حضر الغالبية العظمى من أعضاء الأمم المتحدة هذه الاجتماعات. ولم يمنع غياب واشنطن الدول من مواصلة الأعمال المعتادة، عبر التوصل إلى اتفاقات لحماية الحياة البحرية، وتقديم إعفاءات من الديون، وحشد التزامات مالية لمواجهة تغيّر المناخ.
وللبناء على هذا النجاح، ينبغي على الأمم المتحدة أن تتكيّف أكثر. ويشمل ذلك خفض الميزانية للتركيز على الأولويات وتقليل الازدواجية عبر الاستغناء عن وكالات لم تعد حاسمة للمهام الأساسية. وخطوة أكثر جذرية، اقترحها مسؤول أممي سابق ورئيس الوزراء السويدي السابق كارل بيلدت وآخرون، تتمثل في نقل مقر الأمم المتحدة من مدينة نيويورك. من شأن ذلك خفض التكاليف وإزالة احتمال حرمان الولايات المتحدة لمندوبي دول تعتبرها غير ودية من التأشيرات. ومن الناحية المثالية، ينبغي لكل دولة أن ترد على تخفيضات ترامب بتقديم دعم أكبر، داخل ميزانية الأمم المتحدة أو خارجها، ودفع المنظمة إلى حشد الموارد والخبرات من القطاع الخاص. ويمكن لهذه الإجراءات أن تضمن ألا تموت الأمم المتحدة بفعل عداء ترامب.
متى تنتهي لحظة «العالم ناقص واحد»؟ يعتمد ذلك على السياسة الداخلية الأميركية والضغوط الخارجية معًا. فعلى الرغم من رفض ترامب للتعددية والمساعدات الخارجية، فإن انكفاء الولايات المتحدة عالميًا ليس كاملًا ولا غير قابل للعكس. فوفقًا لاستطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث في مارس 2025، يؤيد 47 في المئة من الأميركيين البالغين انخراطًا نشطًا للولايات المتحدة في الشؤون العالمية، ويرى 64 في المئة أنه ينبغي على الولايات المتحدة التسوية مع دول أخرى بشأن القضايا الدولية الكبرى، وتؤيد الأغلبية تقديم مساعدات خارجية للدول النامية لتوفير الغذاء والدواء والملابس.
كيف ينبغي للعالم أن يستجيب إذا ما تخلّصت الولايات المتحدة أخيرًا من الترامبية؟ يعتمد الكثير على الطريقة التي ستسعى بها إدارة جديدة في البيت الأبيض إلى إصلاح الضرر. فكم بسرعة، مثلًا، ستتحرك الولايات المتحدة لإعادة الانضمام إلى المؤسسات، وسداد المساهمات المفقودة أو المحجوبة، واستعادة العلاقات مع الحلفاء والشركاء من كندا إلى الهند؟ ومهما فعلت واشنطن، ستتباين الردود. فقد يتطلع حلفاء الناتو إلى استعادة حيوية التحالف بسبب التهديدات الروسية والإرهاب العابر للحدود. أما مجموعة بريكس، فستقاوم أي محاولة أميركية لاستعادة دورها الاقتصادي السابق.
وقد يصف سيناريوهان على أفضل وجه شكل عودة واشنطن إلى النظام العالمي: الابن الضال والمارق الذي لا غنى عنه. وقد تفضّل النخبة الليبرالية الأميركية السيناريو الأول، حيث تُستقبل الولايات المتحدة، كالابن التائه في القصة الإنجيلية، بالأذرع المفتوحة. غير أن هذا السيناريو غير مرجّح. فقد يغفر العالم، لكنه لن ينسى سنوات ترامب—وكذلك الأضرار السابقة التي فرضتها الولايات المتحدة على النظام القائم على القواعد. ورغم أن الذاكرة العامة قد تكون قصيرة ومتقلبة، فمن غير المرجح أن تستعيد الولايات المتحدة ثقة حلفائها وشركائها السابقين الحقيقية، حتى داخل الغرب.
ويقود ذلك إلى السيناريو الثاني، حيث لا تعود الولايات المتحدة زعيمة العالم الحر، بل تصبح مجرد «مارق لا غنى عنه». فسيظل العالم يرى القدرات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية الأميركية ضرورية لإدارة كثير من التحديات العالمية، لكنه لن يرغب في أن ترتدي واشنطن عباءة القيادة العالمية.
وببساطة، لا عودة إلى الهيمنة الجيوسياسية الأميركية أو إلى ليبرالية مهيمنة بنسختها الثانية. سواء تبع ترامب خليفة جمهوري يواصل سياساته، أو ديمقراطي حسن النية يسعى إلى عكسها، فقد كسر ترامب ثقة العالم بالولايات المتحدة واعتمادَه عليها. ولا أحد ينتظر رئيسًا آخر مثل جو بايدن ليطمئن الحلفاء المذعورين بأن «أميركا عادت».
والنتيجة ستكون نظامًا عالميًا أكثر تركيبًا وتعددًا. ستجد واشنطن نفسها تعيش في نظام أكثر لامركزية، يتشكّل أقل بقوة الولايات المتحدة أو غاياتها، وأكثر بقوة قوى كبرى ومتوسطة أخرى متشابكة في شبكة من العلاقات الاقتصادية والأمنية.
وخلاصة القول، بحلول الوقت الذي تكون فيه الولايات المتحدة مستعدة للعودة إلى التعددية، سيكون العالم قد مضى قدمًا. وقد لا يكون أمام واشنطن سوى خيار واحد: إعادة الانضمام إلى النظام الدولي بوصفها كيانًا أضعف، وعلى أسس أكثر مساواة.
لم تكن الولايات المتحدة يومًا النموذج المثالي للدفاع عن التعاون الدولي. فقد مالت إلى الانعزالية عندما كانت قوة صاعدة، وإلى الأحادية عندما أصبحت قوة عظمى. غير أن مقاربة ترامب لإعادة تشكيل النظام العالمي تقدم مزيجًا جديدًا وخطيرًا من الانعزالية وتضخيم القوة. فهو يحتقر التعددية ومهووس بممارسة القوة العارية، وكذلك أنصاره. وهذا يرجّح أن “الترامبية” ستتجاوز عمر رئيس سيبلغ الثمانين هذا العام، مهما كانت التطورات في واشنطن.
لطالما توقّع المعلّقون وعلماء السياسة نهاية اللحظة الأحادية للولايات المتحدة وصعود نظام أكثر تعددية الأقطاب، وغالبًا ما يُشار إلى ترامب بوصفه عامل تسريع لهذا المسار. لكن الواقع أنه أفضى إلى شيء مختلف تمامًا. فستبقى الولايات المتحدة الدولة الأقوى اقتصاديًا وعسكريًا في العالم لعدة سنوات أخرى، لكنها ستكون غائبة عن النظام الدولي القائم، إن لم تكن معادية له بنشاط. هذه التوليفة الفريدة ليست تعددية أقطاب، بل هي «العالم ناقص واحد».
وعليه، يبرز السؤال: كيف ينبغي للمجتمع الدولي أن يستجيب؟ إن الحفاظ على التعاون العالمي رغم واشنطن سيكون صعبًا. ولكي تنجو المؤسسات متعددة الأطراف من الترامبية وتخرج أقوى، عليها أن تتكيف وتُصلح نفسها وتضاعف جهودها. وإذا نجحت في ذلك، فستُجبر الولايات المتحدة يومًا ما على العودة بشروط أكثر مساواة.
اكتسبت فكرة «العالم ناقص واحد» أهمية جديدة في الولاية الثانية لترامب. فمنذ مطلع عام 2025، استخدمتُ مصطلحات «العالم ناقص X»، و«العالم ناقص الولايات المتحدة»، و«العالم ناقص واحد» لوصف النظام العالمي الجديد. وقد ساعد رئيس وزراء سنغافورة السابق لي هسين لونغ في شيوع المفهوم في يوليو، مستخدمًا عبارة «العالم ناقص واحد مؤقتًا» للإشارة على نحو أضيق إلى إدارة الاقتصاد العالمي والتجارة دون قيادة أميركية. غير أن هذه الحالة تتجاوز الاقتصاد، وتمسّ جوهر التحدي في عصرنا.
وصفت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت الولايات المتحدة ذات مرة بأنها «الأمة التي لا غنى عنها»، التي من دونها لا يمكن إنشاء التعاون الدولي أو الحفاظ عليه. وقد أسس هذا الافتراض لمخاوف من أن تخلي واشنطن عن التزامها بالنظام العالمي سيجعل العالم أقل تعاونًا وأكثر عنفًا.
لكن تاريخ العلاقات الدولية يقدّم قصة مختلفة. فكما يجادل باحثون مثل ستيفن كراسنر وروبرت كيوهان، ليست الهيمنة العالمية شرطًا لازمًا لانفتاح اقتصادي أو تعاون سياسي. فبمجرد تشكّلها، تصبح المؤسسات الدولية «لزجة» يصعب تفكيكها. وهي لا تقوم على الإيثار الجماعي، بل لأنها تخدم المصالح الأساسية لأعضائها. وإذا استمرت هذه المصالح، استمر التعاون. وهذا يعني أن التعددية يمكن أن تصمد حتى عندما يمتنع المهيمن عن المشاركة، أو ينسحب، أو يعارض تعاون الآخرين.
بل إن تاريخ القرن العشرين يُظهر أن بعض أكثر عناصر النظام الدولي الحالي جوهرية نشأت دون دعم أي مهيمن. فإزالة الاستعمار والمساواة العرقية، مثلًا، أصبحتا معايير عالمية ليس بفضل الدعم الأميركي «الذي لا غنى عنه»، بل رغم مقاومة واشنطن الأولية.
في فرساي عام 1919، عارض الرئيس الأميركي وودرو ويلسون مسعى اليابان لإدراج بند المساواة العرقية ضمن المبادئ التأسيسية لعصبة الأمم. وقد فعل ويلسون ذلك بدافع قناعاته العنصرية، وبمحاولة استرضاء سياسيين محليين قلقين من الهجرة اليابانية، فضلًا عن حلفاء غربيين مثل أستراليا. ومع ذلك، واصل ما نعرفه اليوم بالجنوب العالمي الدفاع عن الفكرة، كما تجلّى بوضوح في مؤتمر باندونغ الآسيوي–الأفريقي عام 1955 في إندونيسيا.
وإلى جانب دفاعه عن المساواة العرقية، طالب مؤتمر باندونغ أيضًا بالإسراع الفوري في إنهاء الاستعمار في آسيا وأفريقيا. وهنا كذلك كان الدعم الأميركي فاتراً في أحسن الأحوال. فقد مارست واشنطن، بمساعدة حليفها الرئيسي بريطانيا، ضغوطًا على الدول المشاركة لرفض الدعوة إلى إنهاء الاستعمار، خشية أن يشجع ذلك استيلاءات شيوعية على الدول المستقلة حديثًا. وبطبيعة الحال، استمر النضال من أجل إنهاء الاستعمار، ليُنتج عالم الدول ذات السيادة البالغ عددها 193 دولة عضوًا في الأمم المتحدة اليوم.
وفي الواقع، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أظهرت واشنطن نفسها باستمرار فاعلًا سلبيًا–عدوانيًا على الساحة العالمية. فقد أنشأت مؤسسات وقواعد، واحترمتها حين تخدم مصالحها، وتجاهلتها حين لا تخدمها. ورغم بقاء الولايات المتحدة طرفًا في العديد من المعاهدات متعددة الأطراف، فإنها تتحسّب لأي تبعات لا ترضيها. وفي حالات قصوى، لجأت واشنطن حتى إلى الترهيب والمقاطعة وفرض العقوبات على مؤسسات تعارض قراراتها.
وتُظهر ثلاثة أمثلة حديثة—اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، واتفاق باريس بشأن تغيّر المناخ، والمحكمة الجنائية الدولية—كيف يمكن للمؤسسات والاتفاقات متعددة الأطراف أن تصمد حين تكون الولايات المتحدة غائبة، أو غير ممتثلة، أو حتى معادية بنشاط.
بعد مشاركتها في المؤتمر الثالث للأمم المتحدة لقانون البحار، رفضت واشنطن مع ذلك توقيع الاتفاقية الناتجة عند إقرارها عام 1982. ورغم ذلك، أثبتت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار فاعليتها على نطاق واسع في إرساء إطار قانوني عالمي مستقر للمناطق البحرية وحقوق الملاحة. وقد أسهمت في تعزيز التجارة، وقدّمت آلية لتسوية النزاعات سلميًا. كما أنها خدمت المصالح الأميركية أيضًا، إذ لا تزال واشنطن تستند إلى أدوات الاتفاقية في مواجهة المطالب الإقليمية الصينية الواسعة في بحر الصين الجنوبي. غير أن إصرار الولايات المتحدة على عدم الانضمام رسميًا إلى الاتفاقية منح الصين ذريعة لاتهام واشنطن بالنفاق. ويمثل قرار الولايات المتحدة الالتزام عمليًا بقواعد اتفاقية قانون البحار رغم رفضها الانضمام إليها رسميًا أفضلَ سيناريو ممكن لـ«العالم ناقص واحد»، حيث تواصل واشنطن احترام الأعراف الدولية حتى بعد رفضها القانوني لها.
وحتى في الحالات التي تنسحب فيها الولايات المتحدة من الاتفاقات متعددة الأطراف أو تنتهكها، يمكن للتعاون أن يستمر. لا شك أن خروج واشنطن من اتفاق باريس للمناخ ستكون له آثار سلبية. بعضها داخلي، مثل التراجع عن اللوائح المناخية وما يترتب عليه من زيادة انبعاثات الغازات الدفيئة. وعلى الصعيد الدولي، قد يقوض الانسحاب الأميركي تمويل السياسات المناخية، بما في ذلك تعويض الدول التي تلتزم بمعايير خفض الانبعاثات على حساب نموها الاقتصادي.
ومع ذلك، ورغم أن فقدان الدعم المالي الأميركي سيضعف فعالية اتفاق باريس، فإن دولًا أخرى لا تزال ملتزمة بتحقيق هدف صافي الانبعاثات الصفرية. فقد تعهّدت الصين، أكبر ملوِّث في العالم اليوم، بالوصول إلى هذا الهدف بحلول عام 2060. كما تعهّد الاتحاد الأوروبي، رابع أكبر ملوِّث عالميًا، بتحقيق صافي الصفر بحلول 2050، وكذلك اليابان، بينما وافقت الهند على بلوغ هذا الهدف بحلول 2070. وفي الواقع، ومهما يكن سلوك الولايات المتحدة، فإن بقية الدول الموقّعة على اتفاق باريس ملزمة بمراجعة وتحسين أهدافها الوطنية لخفض الكربون كل خمس أو عشر سنوات. ومع تراجع كلفة تقنيات طاقة الرياح والطاقة الشمسية وانتشارها، قد تتمكن هذه الدول من تجاوز تلك الأهداف.
وأخيرًا، هناك مثال المحكمة الجنائية الدولية. ففي عام 1998، صوّتت واشنطن ضد نظام روما الأساسي الذي أنشأ المحكمة، بدافع القلق من تعريض المواطنين والدبلوماسيين والجنود الأميركيين للخطر. وبصورة أكثر حدّة، ردّت الولايات المتحدة مؤخرًا على قيام المحكمة بتوجيه اتهامات إلى قادة إسرائيليين بفرض عقوبات على قضاتها ومدّعيها العامين. لكن حلفاء الولايات المتحدة، بمن فيهم بريطانيا، واصلوا دعم استقلال المحكمة ورفضوا السير في هذا الاتجاه. ونتيجة لذلك، لا تزال المحكمة الجنائية الدولية تمثّل قيدًا على إفلات القادة من العقاب ورادعًا للجرائم الإنسانية.
إذا كان النهج الأميركي تجاه التعددية مشروطًا دائمًا، فإنه في عهد ترامب أصبح عدائيًا صريحًا. فقد كرس ترامب هذا العداء في استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، التي نددت بـ«شبكة من المؤسسات الدولية… تسعى صراحة إلى إذابة سيادة الدول الفردية». وباتت الولايات المتحدة تنتهج علاقات ثنائية أنانية وإقصائية وقائمة على الصفقات، سواء مع الحلفاء أم الخصوم.
ومنذ عام 2016، انسحب ترامب أو أعلن نيته الانسحاب من عدة اتفاقات ومؤسسات متعددة الأطراف، من بينها اتفاق باريس للمناخ، والاتفاق النووي مع إيران، ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ومعاهدة الأجواء المفتوحة، وغيرها. وإضافة إلى ذلك، أعلنت إدارة ترامب الثانية نيتها الانسحاب من منظمة الصحة العالمية ومغادرة اليونسكو مجددًا.
ثم هناك التخفيضات التي يخطط لها ترامب في ميزانية الأمم المتحدة. والأبرز بينها خفض 800 مليون دولار من عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وهو ما يشمل أموالًا سبق أن أقرها الكونغرس. ورغم موافقة الإدارة على تقديم بعض التمويل الموجّه لبعثات حفظ سلام محددة تدعمها، مثل تلك الموجودة في هايتي ولبنان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، فإن التخفيضات الأوسع أدت إلى تقليص قوات حفظ السلام العالمية بنسبة 25 في المئة. كما يحجب ترامب مساهمات واشنطن الإلزامية، ما قاد إلى تقديرات تفيد بأن إجمالي التخفيضات سيتجاوز ملياري دولار. ونتيجة لذلك، تدرس الأمم المتحدة خفض ميزانيتها بأكثر من 500 مليون دولار وتقليص نحو 20 في المئة من موظفيها.
ومن المفارقات أن ترامب، بينما يطالب علنًا بجائزة نوبل للسلام، يقوّض عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، التي—رغم عيوبها—كانت أداة مهمة في تخفيف النزاعات وإنقاذ الأرواح.
لكن هذا الدمار ليس القصة كاملة. فحتى مع ترسيخ ترامب لسمعة الولايات المتحدة بوصفها الغائب أو المنشق الأول عالميًا، فإن التعاون الدولي قد صمد. ونشهد اليوم قوى صاعدة تتصدى لرسوم ترامب الجمركية وتهديداته، غالبًا باستخدام أطر متعددة الأطراف مثل مجموعة بريكس، ومجموعة العشرين، ومنظمة شنغهاي للتعاون، ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان).
وقد تحدّت عدة دول من مجموعة بريكس، ولا سيما الأعضاء الأصليون، ترامب علنًا رغم الرسوم الثقيلة. ففي حالة البرازيل، استمرت محاكمة الرئيس السابق جايير بولسونارو رغم ضغوط البيت الأبيض لتبرئته. كما ذهب الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا إلى البيت الأبيض ورفض علنًا ادعاء ترامب بأن البيض في جنوب أفريقيا يتعرضون للاضطهاد. واستخدمت الصين هيمنتها على سلاسل توريد المعادن الحيوية لمناورة ترامب في الحرب التجارية. أما الهند، التي لا تمتلك أوراق الموارد الطبيعية ذاتها، فقد واجهت ارتدادًا أقرب إلى الداخل الأميركي، إذ بات مجتمع السياسات في الولايات المتحدة مذهولًا وغاضبًا من قيام البيت الأبيض بإبعاد شريك استراتيجي أساسي في مواجهة الصين، كان ركيزة في استراتيجية ترامب الأولى لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
في ديسمبر 2024، هدّد ترامب، بصفته رئيسًا منتخبًا، بفرض رسوم جمركية بنسبة 100 في المئة على أي عضو في مجموعة بريكس لا يتخلى عن جهوده لاستبدال الدولار الأميركي. وفي يوليو 2025، أثناء انعقاد قمة بريكس في ريو دي جانيرو، أعلن ترامب فرض تعرفة إضافية بنسبة 10 في المئة على سلع أي دولة «تتماهى مع السياسات المعادية لأميركا لمجموعة بريكس»، مؤكدًا أنه «لن تكون هناك استثناءات». وردًا على ذلك، قلّلت بعض دول بريكس، مثل البرازيل، من شأن خططها لإطلاق عملة مشتركة. غير أن ضغوط ترامب قد تأتي بنتائج عكسية، إذ قد تعزز رغبتهم في تطوير أنظمة دفع بديلة وتقليل الاعتماد على الدولار.
وقد شكّلت قمة منظمة شنغهاي للتعاون في أغسطس 2025 بمدينة تيانجين الصينية ساحة أخرى لإظهار مقاومة متعددة الأطراف لسياسات ترامب. ففيها، التقى الرئيس الصيني شي جين بينغ ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وأعلنا أن نيودلهي وبكين شريكان لا خصمان.
لكن الأمر لا يقتصر على منظمة شنغهاي. فقد أتاحت مجموعة العشرين أيضًا لدول مثل البرازيل والهند وإندونيسيا وجنوب أفريقيا فرصة تعزيز قيادتها العالمية. ففي عام 2022، ساعدت قمة إندونيسيا المجموعة على إدارة الانقسام بشأن الحرب الروسية–الأوكرانية. وفي عام 2023، أسهمت قمة الهند في تأمين عضوية الاتحاد الأفريقي في مجموعة العشرين، ما وسّع دور الجنوب العالمي. وكانت قمة مجموعة العشرين في جوهانسبرغ في نوفمبر 2025 محطة مفصلية أخرى؛ إذ كانت أول قمة تُعقد في أفريقيا، ورغم مقاطعة واشنطن لها، فقد ركزت على قضايا التنوع والشمول والمساواة. ولم يحذُ أي عضو آخر حذو المقاطعة الأميركية، ما أبرز عزلة واشنطن العالمية على نحو أكبر.
وإلى جانب التضامن الذي ظهر في هذه المنتديات العالمية، برز أيضًا اتجاه متزايد نحو الإقليمية. فعلى مدى العقدين الماضيين، تكاثرت عمليات حفظ السلام التي تقودها أفريقيا. وأصبحت الاتحاد الأفريقي والمؤسسات دون الإقليمية، مثل الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، فضلًا عن تحالفات مؤقتة أصغر، تنفذ اليوم عشر عمليات في 17 دولة أفريقية. وقد حققت هذه العمليات قدرًا من النجاح في احتواء النزاعات التي تغذيها التمردات في حوض تشاد وسيراليون والصومال. ورغم سجلها المختلط، أظهرت هذه العمليات سمات فريدة، مثل الاستجابات المحلية والسياقية لانعدام الأمن، والاستعداد للاضطلاع بنطاق أوسع من المهام مقارنة بالأمم المتحدة. والأهم أن هذه المشاريع موّلت إلى حد كبير من قبل الاتحاد الأوروبي، مع دور أميركي محدود للغاية.
وإلى جانب كل هذه الهيئات، تظل الأمم المتحدة ساحة أساسية للتعاون. فكثيرًا ما تنتقد الولايات المتحدة المنظمة لفشلها في حماية حقوق الإنسان أو تستخدمها منبرًا لتسجيل نقاط سياسية ضد خصومها السلطويين. ومع ذلك، صمدت الأمم المتحدة بوصفها إطارًا عملت فيه دول ديمقراطية وغير ديمقراطية معًا بفعالية لتعزيز الإغاثة الإنسانية.
ومن اللافت أن مساهمة الصين في المنظمة ارتفعت بشكل ملحوظ خلال العقدين الماضيين. فبينما تسهم الولايات المتحدة بنسبة 22 في المئة من الميزانية العادية و26.2 في المئة من ميزانية حفظ السلام، باتت الصين ثاني أكبر مساهم، بدفعها 20 في المئة للميزانية العادية و23.8 في المئة لحفظ السلام. كما تقدم الصين أكبر عدد من قوات حفظ السلام بين الأعضاء الدائمين الخمسة في مجلس الأمن. ولا تزال مساهمات الصين الطوعية لوكالات الأمم المتحدة الإنسانية منخفضة نسبيًا، لكن إذا أرادت بكين استغلال انكفاء الولايات المتحدة، فقد تنمو هذه المساهمات سريعًا.
وفي السنوات المقبلة، ستواصل القوى الصاعدة والمؤسسات متعددة الأطراف التكيف استجابة لهجوم ترامب. لكن هل يمكنها مواجهة لحظة «العالم ناقص واحد» والحفاظ بنجاح على التعاون العالمي والتجارة الحرة؟
سيكون رد الصين بالغ الأهمية على وجه الخصوص. فمن المحتم أن تهتدي بكين بمصالحها الذاتية، ساعية إلى كسب نفوذ على حساب واشنطن. لكن إذا تصرفت الصين بحكمة وضبط للنفس، فقد يؤدي ذلك إلى تعزيز التعاون العالمي بدل الدفع نحو عالم تهيمن عليه الصين.
وقد تصبح منطقة آسيا–المحيط الهادئ، التي اعتمدت تقليديًا على الولايات المتحدة في الأمن، مركز نظام «العالم ناقص واحد». وهنا يبرز اتفاقان تجاريان يستحقان اهتمامًا خاصًا: الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP) واتفاقية التجارة الحرة بين الصين وآسيان (CAFTA). فالشراكة الإقليمية الشاملة، التي تضم 15 دولة ودخلت حيز التنفيذ عام 2022، تبرز اليوم بوصفها أكبر تكتل تجاري في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي وعدد السكان. وهي تجمع الصين واليابان وكوريا الجنوبية ودول آسيان، وتمثل نحو 30 في المئة من الناتج العالمي. وتهدف إلى إزالة أكثر من 90 في المئة من الرسوم الجمركية داخل الكتلة خلال 20 عامًا، ووضع قواعد مشتركة في مجالات خلافية مثل التجارة الإلكترونية والملكية الفكرية.
أما اتفاقية التجارة الحرة بين الصين وآسيان، التي دخلت حيز التنفيذ عام 2010 ثم جرى تحديثها في 2015 ومرة أخرى في أكتوبر 2025، فهي تعزز التعاون بين الصين وآسيان في مجالات تشمل الاقتصاد الأخضر وربط سلاسل الإمداد. وقد قدّم بعض المراقبين هذا التطور بوصفه مكسبًا استراتيجيًا واضحًا لبكين، في ظل ضغوط واشنطن على دول آسيان لفك الارتباط مع الصين والامتثال للرسوم الأميركية العقابية على عمليات إعادة الشحن الصينية. غير أن الواقع أكثر تعقيدًا. فلم تكن دول آسيان لتصطف بالكامل إلى جانب واشنطن. بل إنها تستخدم بالفعل اتفاقيات مثل CAFTA لتعزيز مصالحها الخاصة ومعالجة مخاوفها من النفوذ الصيني. وفي الواقع، فإن ضغوط دول آسيان هي التي دفعت بكين إلى الحد من مكاسبها الاقتصادية، والانخراط متعدد الأطراف، والسعي إلى علاقة تدعم التجارة الحرة ونظامًا إقليميًا مفتوحًا وشاملًا.
ويُعدّ الاتحاد الأوروبي لاعبًا رئيسيًا آخر سيكون لردّه على لحظة «العالم ناقص واحد» أثر حاسم. ففي عام 2021، أطلق الاتحاد خطة «البوابة العالمية» بقيمة 300 مليار دولار، التي تجمع بين مشاريع البنية التحتية والطاقة وحماية المناخ لمواجهة النفوذ الصيني عالميًا. ففي أفريقيا، على سبيل المثال، رعت الخطة ممر الهيدروجين SoutH2 من شمال أفريقيا إلى أوروبا، إضافة إلى مشاريع لتعزيز الأمن الغذائي في شرق أفريقيا. كما يعمل الاتحاد الأوروبي حاليًا على استكمال اتفاقية تجارة حرة مع دول ميركوسور—الأرجنتين وبوليفيا والبرازيل وباراغواي وأوروغواي—لإزالة الرسوم عن معظم السلع، وتوسيع الاستثمار، وضمان الاستدامة.
ومن الناحية المثالية، يمكن لأوروبا والصين الانخراط في مناطق مثل أفريقيا وأميركا الجنوبية بطريقة تكاملية لا صفرية. ففي أفريقيا، على سبيل المثال، أبدت الصين استعدادًا للتوافق مع مبادرات «البوابة العالمية» الأوروبية. والأهم أن هذا النهج لا تحركه سماحة أوروبية أو صينية، بل مطالب قادة أفريقيا وأميركا الجنوبية بذلك.
كما تلعب الهند دورًا أساسيًا في تحديد مدى فاعلية استجابة العالم لغياب واشنطن. فبينما ترد نيودلهي بقوة على ضغوط ترامب، فإنها توسّع وتؤسس بسرعة علاقاتها التجارية. ويشمل ذلك مفاوضات لتعزيز اتفاقياتها القائمة مع آسيان واليابان، واتفاقية تجارة جديدة مع المملكة المتحدة في يوليو 2025. كما وقّعت الهند اتفاقًا تجاريًا في عام 2024 مع الرابطة الأوروبية للتجارة الحرة، التي تضم دولًا غير أعضاء في الاتحاد الأوروبي مثل آيسلندا وليختنشتاين والنرويج وسويسرا. وكما هو الحال مع الصين، تجري الهند جزءًا كبيرًا من تجارتها مع روسيا بالعملات الوطنية. كما حافظت على علاقات أمنية مهمة مع موسكو، التي تواصل تزويدها بنسبة 36 في المئة من وارداتها من الأسلحة. وحتى إذا تحسنت العلاقات مع واشنطن لاحقًا، فإن التزام الهند المستمر بالاستقلالية الاستراتيجية سيحدّ من الهيمنة الأميركية والصينية معًا، بما يضمن استدامة نظام «العالم ناقص واحد».
وأخيرًا، يبقى السؤال ما إذا كانت الأمم المتحدة ستغتنم الفرصة باستخدام ترامب ذريعة لتنفيذ إصلاحات طال انتظارها. فمنذ بداية ولاية ترامب الثانية، قاطعت الولايات المتحدة مؤتمر الأمم المتحدة للمحيطات في فرنسا والمؤتمر الرابع لتمويل التنمية في إسبانيا. ومع ذلك، حضر الغالبية العظمى من أعضاء الأمم المتحدة هذه الاجتماعات. ولم يمنع غياب واشنطن الدول من مواصلة الأعمال المعتادة، عبر التوصل إلى اتفاقات لحماية الحياة البحرية، وتقديم إعفاءات من الديون، وحشد التزامات مالية لمواجهة تغيّر المناخ.
وللبناء على هذا النجاح، ينبغي على الأمم المتحدة أن تتكيّف أكثر. ويشمل ذلك خفض الميزانية للتركيز على الأولويات وتقليل الازدواجية عبر الاستغناء عن وكالات لم تعد حاسمة للمهام الأساسية. وخطوة أكثر جذرية، اقترحها مسؤول أممي سابق ورئيس الوزراء السويدي السابق كارل بيلدت وآخرون، تتمثل في نقل مقر الأمم المتحدة من مدينة نيويورك. من شأن ذلك خفض التكاليف وإزالة احتمال حرمان الولايات المتحدة لمندوبي دول تعتبرها غير ودية من التأشيرات. ومن الناحية المثالية، ينبغي لكل دولة أن ترد على تخفيضات ترامب بتقديم دعم أكبر، داخل ميزانية الأمم المتحدة أو خارجها، ودفع المنظمة إلى حشد الموارد والخبرات من القطاع الخاص. ويمكن لهذه الإجراءات أن تضمن ألا تموت الأمم المتحدة بفعل عداء ترامب.
متى تنتهي لحظة «العالم ناقص واحد»؟ يعتمد ذلك على السياسة الداخلية الأميركية والضغوط الخارجية معًا. فعلى الرغم من رفض ترامب للتعددية والمساعدات الخارجية، فإن انكفاء الولايات المتحدة عالميًا ليس كاملًا ولا غير قابل للعكس. فوفقًا لاستطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث في مارس 2025، يؤيد 47 في المئة من الأميركيين البالغين انخراطًا نشطًا للولايات المتحدة في الشؤون العالمية، ويرى 64 في المئة أنه ينبغي على الولايات المتحدة التسوية مع دول أخرى بشأن القضايا الدولية الكبرى، وتؤيد الأغلبية تقديم مساعدات خارجية للدول النامية لتوفير الغذاء والدواء والملابس.
كيف ينبغي للعالم أن يستجيب إذا ما تخلّصت الولايات المتحدة أخيرًا من الترامبية؟ يعتمد الكثير على الطريقة التي ستسعى بها إدارة جديدة في البيت الأبيض إلى إصلاح الضرر. فكم بسرعة، مثلًا، ستتحرك الولايات المتحدة لإعادة الانضمام إلى المؤسسات، وسداد المساهمات المفقودة أو المحجوبة، واستعادة العلاقات مع الحلفاء والشركاء من كندا إلى الهند؟ ومهما فعلت واشنطن، ستتباين الردود. فقد يتطلع حلفاء الناتو إلى استعادة حيوية التحالف بسبب التهديدات الروسية والإرهاب العابر للحدود. أما مجموعة بريكس، فستقاوم أي محاولة أميركية لاستعادة دورها الاقتصادي السابق.
وقد يصف سيناريوهان على أفضل وجه شكل عودة واشنطن إلى النظام العالمي: الابن الضال والمارق الذي لا غنى عنه. وقد تفضّل النخبة الليبرالية الأميركية السيناريو الأول، حيث تُستقبل الولايات المتحدة، كالابن التائه في القصة الإنجيلية، بالأذرع المفتوحة. غير أن هذا السيناريو غير مرجّح. فقد يغفر العالم، لكنه لن ينسى سنوات ترامب—وكذلك الأضرار السابقة التي فرضتها الولايات المتحدة على النظام القائم على القواعد. ورغم أن الذاكرة العامة قد تكون قصيرة ومتقلبة، فمن غير المرجح أن تستعيد الولايات المتحدة ثقة حلفائها وشركائها السابقين الحقيقية، حتى داخل الغرب.
ويقود ذلك إلى السيناريو الثاني، حيث لا تعود الولايات المتحدة زعيمة العالم الحر، بل تصبح مجرد «مارق لا غنى عنه». فسيظل العالم يرى القدرات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية الأميركية ضرورية لإدارة كثير من التحديات العالمية، لكنه لن يرغب في أن ترتدي واشنطن عباءة القيادة العالمية.
وببساطة، لا عودة إلى الهيمنة الجيوسياسية الأميركية أو إلى ليبرالية مهيمنة بنسختها الثانية. سواء تبع ترامب خليفة جمهوري يواصل سياساته، أو ديمقراطي حسن النية يسعى إلى عكسها، فقد كسر ترامب ثقة العالم بالولايات المتحدة واعتمادَه عليها. ولا أحد ينتظر رئيسًا آخر مثل جو بايدن ليطمئن الحلفاء المذعورين بأن «أميركا عادت».
والنتيجة ستكون نظامًا عالميًا أكثر تركيبًا وتعددًا. ستجد واشنطن نفسها تعيش في نظام أكثر لامركزية، يتشكّل أقل بقوة الولايات المتحدة أو غاياتها، وأكثر بقوة قوى كبرى ومتوسطة أخرى متشابكة في شبكة من العلاقات الاقتصادية والأمنية.
وخلاصة القول، بحلول الوقت الذي تكون فيه الولايات المتحدة مستعدة للعودة إلى التعددية، سيكون العالم قد مضى قدمًا. وقد لا يكون أمام واشنطن سوى خيار واحد: إعادة الانضمام إلى النظام الدولي بوصفها كيانًا أضعف، وعلى أسس أكثر مساواة.
